عبدالله المساوي: ثورات العرب: حمل كاذب وسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء!

عبدالله المساوي

كلهم يتحدثون عن ربيع عربي ثان أو حراك ،أو انتفاضة ،او هبة ،أو عصيان ،أو ثورة …دون تدقيق أو تمحيص للمفاهيم التي لا تقبل أن يتضارب بها .وصحيح أن مثل هذه الكلمات لا يمكن الاستناد الى علم دقيق لتمييزها عن بعضها البعض ؛ولكن كثيرا في بلداننا العربية شوهوا هذه المفاهيم بإطلاقها على أحداث لم تكن تستحق ؛فالعرب  مازالوا على ما يبدو لم يستوعبوا بعد مفهوم الثورة ولذلك أطلقوها على كثير من الانقلابات العسكرية كما حصل مع الضباط الأحرار بمصر 1952،وعبدالكريم قاسم بالعراق 1958 والقذافي بليبيا سنة 1966 ليصبح السؤال هل الثورة مرتبطة بأحلام الجيش أم بأحلام الشعب؟ وهل فعلا عرف العرب ثورات حقيقية ؟؟ لكيلا نذهب كثيرا في التاريخ لنكتف بالحديث عن ما سمي “بالثورة العربية الكبرى” التي كان عرابها   الحسين بن علي شريف  مكة عام 1916 فضلا عن “ثورة سعد زغلول” عام 1919 و”ثورة العشرين” بالعراق سنة 1920 و”الثورة السورية الكبرى” 1925 …كل هذه الثورات من المشروع أن نسأل عن أسباب قيامها والنتائج التي خلصت إليها ومن القوى التي تورطت فيها ؟وهل أسهمت في تغيير حال العرب من وضع الى آخر أفضل منه ؟

 لقد علمنا التاريخ أن الثورات عندما تفرض نفسها الجميلة على الجميع فإنها لا تستثني أحدا منهم  بل تفتنهم وتجعل أحلامهم وردية حتى ليخيل للثوريين أنهم وصلوا الى مبتغاهم  وحققوا أهدافهم ،ولكن كما يقال فإن العلاقة بين الأحلام والكوابيس لا تعدو الا ان تكون عملة واحدة لوجهين نقيضين ،خصوصا إذا كانت هذه الثورات لم تنطلق بطريقة جوانية حيث تتوفر الشروط اللازمة وتكون الحتمية التاريخية حاضرة بثقلها .

وما دمنا بالعالم العربي فقرابة خمس دول هدم كل شيء فيها وسيصعب إعادة ما دمر فيها من بشر وشجر وأثر. مائة عام منذ انشاء الدولة العربية قتل فيها قرابة المليون وشرد الملايين ،ومزق النسيج الاجتماعي وفرضت ثقافة القتل على الجميع . تقارير المنظمات الأممية قدرت انتكاسة محاولات قلب الأنظمة بقوة السلاح على سبيل المثال في ثلاث بلدان عربية كاليمن وسوريا وليبيا بمئات الملايير من الدولارات . صحيح كان لهبة المفكرين العرب  لما حصل الأثر البليغ فسارعوا الى تسمية ما حصل في 2011 على مستوى تونس مثلا “ربيعا عربيا” فضجت القنوات الدولية والعربية بهذا المصطلح  فطلع علينا صنف من المثقفين وبكل جرأة يعتبر ما حصل “ثورة ” ، فتم تلوين ما حصل بمصر أيضا ب “الثورة” .وكأن الثورة مجرد عنوان أو قبعة توضع على رأس أي كان ليمني نفسه بقلب نظام حكم بلده .اليوم نرى ما جرى بالسودان وما يجري بالعراق ،ولبنان ،والجزائر …فهل هذه ثورات؟ ثم ما هو مفهوم الثورة ؟؟؟

كما هو متعارف عليه فإن أي ثورة لكي تكون ناجحة مائة بالمائة فيجب أن يكون لها هدف راديكالي وأن ترتبط بهدف استراتيجي مثل ما حصل مع الثورة الامريكية سنة 1773 والثورة الفرنسية والثورة الصينية الثقافية وكل هذه الثورات أسهمت اسهامات حقيقية في تغيير بلدانها .

لاشك ان القارئ العربي يتذكر الوثائق البريطانية التي رفعت عنها السرية والتي شرحت بشكل جلي خلفيات الاحداث الكبرى التي وقعت في قلب العالم العربي والإسلامي والتي بموجبها تم تحريض الشريف الحسين بن علي  على الثورة ضد الوجود التركي بالحجاز واعدين إياه بمنصب الخليفة . وهنا لابد من التذكير فحتى هذه “الثورة ” كانت خدعة اريد بها ترك الشريف يعيش احلاما وردية مصدقا ان بريطانيا ستهبه حكم الجزيرة العربية والعراق والشام وفلسطين …وهو ما حصل فعلا .

إنه لمن العار تاريخيا أن نسقط مفهوم الثورة على كل تظاهرة من هنا أو هناك أو حراك هنا أو هناك …وعندما نسوق، ثورة  الحسين بن علي كما صورت له، نخاف اليوم أن يكرر نفس السيناريو نفسه على شباب العرب الحالم …

كثيرا ما يقول بعض الحالمين ،وهم كثر، من خلال كتاباتهم على “الثورة ” أنها قادمة وأنها كذا وكذا …وأن شروط نجاحها لم تكتمل بعد واستدلوا على ذلك بتونس حيث اعتبروها استثناء ،ولكن وللأمانة التاريخية فخطاب رئيسها الجديد غير واقعي على ما يبدو لن يوفر للتونسيين المأكل والمشرب وتعويضهما “بالموائد الدستورية” لأن الشعارات التي رفعها الرجل سقفها عال جدا ولن يستطيع الذهاب بتونس بعيدا …ولأن أطرافا على الجانب الاخر تراقب الرجل عن كثب ،بل لن تتوانى في يوم ما وفي لحظة ما أن تخنق التجربة إذا ما هددت  مصالحها الاقتصادية .

حقيقة في العديد من بلداننا العربية ولأول مرة بتنا نسمع شعارات “الشعب يريد اسقاط النظام “،ولكن على الجهة الأخرى لم يفكر احد في رفع الشعار “النظام يطالب الشعب بكذا وكذا ” …صحيح الشعوب تستنكر الفساد ،الشعوب تستنكر كل ما من شأنه أن يحط من كرامتها ولكن هل الشعوب العربية تعرف على الأقل الحدود الفاصلة بين الحق والواجب ؟؟ هل الشعوب لها وعي سياسي يمكنها من اختيار من يمثلها بالمجالس التمثيلية ؟ هل الشعوب قادرة على الانسياق وراء مثقفيها وفك الارتباط بالأحزاب  التقليدية القديمة التي لم تعد تسمن ولا تغني من جوع ؟ أسئلة كثيرة تتطلب قبل أي شيء وضع جميع الأوراق على الطاولة وترتيب الأولويات حسب ما تقتضي ظروف كل بلد عربي على حدة .وهنا يجب على العرب أن يقرؤوا ثم يقرؤوا رواية جورج أورويل “مزرعة الحيوان” لكي لا يقعوا في الفخ ذاته الذي وقعت فيه حيوانات المزرعة عندما ثارت ضد مالكها السيد جونز ثم ندمت وأصبح منتهى حلمها هو رجوع المالك المتوحش لعل في وحشيته رحمة لم يدركوها مع أبناء جلدتهم ..

باحث بمركز الصراعات المقارنة للشرق الأوسط وشمال أفريقيا

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. جميل جداً مقال رائع عسى ان يقراوا واذا قراوا عسى ان يفهموا وهذا مستبعد جداً مع الاسف فلو كان مقالك عبارة عن جملتيين سخيفتين من طراز تي تي وأوا يبشر بالثورة وملونة بالأحمر ونازلة على الفيس بوك لخرج الآلاف على وقعها اما مقالك الرصين فيا للأسف لن يقراه اي احد من صبيان الفيس بوك ثوار الوجبات السريعة. وتحية من عراق المقاومة لكل ام فلسطينية قادمون رغم الذل العربي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here