عبدالله المتقي: صورة المرأة في قصص “ما بعد حكايا الجن” للإماراتية مريم ناصر

 mariam naser

عبدالله المتقي

استهلال

” ما بعد حكايا الجن”  هو عنوان المجموعة القصصية الثانية في ريبورتوار الكاتبة الإماراتية مريم ناصر ، بعد مجموعتها الأولى ” منينة ” 2009 ” ، وصدر هذا العمل القصصي حديثا في حلة أنيقة  ضمن سلسلة  الجواء للثقافة والفنون ، تضم تسعة عشرة   قصة ، لكن ما يلفت الانتباه هو حضور هموم المرأة في مواجهة الحياة ،  والتي تكاد تكون هي النواة الدلالية الأساس ، وذلك بالاتكاء على عوالم خيالية ثرة واختيارات جمالية ومواقف حتى .

فعلى مساحة مائة وخمسة وعشرين صفحة  من رقعة هذه المجموعة القصصية ، تمتد نصوص قصصية مختلفة بين القصة القصيرة والمينيقصة ، وما يجمع أغلبها هو ضمير ” الأنا ” المتكرر بداخلها، وهذا ما يعضد ما ذهبنا إليه في كون قصص ” ما بعد حكايا الجن ” ، عنصرا بارزا من عناصر الخطاب القصصي ، ولشخصية المرأة حضور مميز في هذا العمل القصصي .

” أشياء صغيرة ” نص قصصي ارتأت القاصة أن يكون على شكل رسالة  من ” شمس″ إلى زوجها كي تضعه أمام مجموعة من المرايا العاكسة لخياناته وشبقه واستهتاره بمؤسسة الزواج ، نقرأ في مفتتح القصة   ” زوجي العزيز .. لا تستغرب وجود هذه الرسالة في سيارتك ، لا تنسى أن معي مفتاحا إضافيا للسيارة التي اشتريناها معا ، نفس السيارة التي أخذن فيها الحمقاء التي نزلت معها في المطعم الرخيص، الذي تصف سيارتنا أمامه الآن ” .

وبعدها تتوالى على شاشة القصة مجموعة من صور الخيانة وكذا أخرى تشي بتسليع  المرأة وتشييئها :” ” ستختار لك عطورا ، ستدعي أنها تفرحك ، ثم ستلقي بها في أقرب قمامة ” .

صورة المرأة

تحضر المرأة في قصص ” ما بعد حكايا الجن ” صورة للتبخيس  والعنف المادي والرمزي ، حيث تحرص المجموعة على إثارة مجموعة من القضايا الاجتماعية التي تعني هذا الكائن الأنثوي الذي عانى ويعاني من القهر الاجتماعي ، وسنقدم في هذه الملامسة النقدية ثلاثة نماذج منها ، نراها أكثر حضورا في قصص  مريم ناصر ، وهي صورة متنوعة متعددة، لها قضايا وأبعاد مختلفة .

أ- المرأة الموقف

في قصة ” أشياء ممتدة ” جاءت صورة المرأة خارج التنميط ، وتكسيرا للاستكانة والرضا بالواقع ، ف” شمس″ لم تتحمل خيانات زوجها ، فتلتجئ إلى اختيار الكتابة مجالا للتعبير عن المكاشفة أولا ”  زوجي العزيز .. لا تستغرب من هذه الرسالة في سيارتك ، لا تنس أن معي مفتاحا إضافيا للسيارة التي اشتريناها معا ، نفس السيارة التي أخذت فيها الحمقاء التي نزلت معها في المطعم الرخيص ” ، ثم  للتعبير عن مشاعرها ثانيا تجاه هذه الخيانات ” أريد أن أخبرك بالتالي فقط من باب رغبتي في أن تفهم لماذا كرهتك وكرهت تفاصيلك ” ، ويصاعد الموقف ويكون الاختيار هو وضع نهاية لهذه المسرحية ” وآمل أن تحترق قبل إكمال رسالتي التي سأضعها وأذهب للمنزل أنتظر منك بعدها ورقة طلاقي ” .

بهكذا تعبير تكون “شمس ” غير مغلوب على أمرها ، ولا منقادة لمصير يبرمج ويرسم الرجل معالمه وتفاصيله ، بل امرأة لها اختياراتها ومواقفها ، ضد كل من يهين ويخدش كرامتها ، ضدا على المجتمع الرجولي الذي لا يفتأ يتمادى في ترويج وتثبيت ” أبيسيته ” ، لنقرأ في نفس القصة :” أمسك الرسالة ، قرأها بهدوء ، ابتسم بسخرية ، اختار عطره بعناية وهو يتأمل نفسه في المرآة متأهبا لموعد مع أنثى جديدة ، وردد وهو يغلق باب المنزل الخالي منها منذ سنوات :

نساء ناقصات عقل ودين “

من جانب آخر يشكل لجوء  ” شمس ” الى كتابة الرسالة  وسيلة تعويض كدافع لاشعوري لتحقيق موقفها توازنها الذاتي، بعد أن ظلت شخصية مقموعة ومتفرجة ، ولعل اللجوء إلى ممارسة  فعل الكتابة فلكي تسترد تلك الثقة الغائبة والمغيبة ،  وكي تفصح عن موقفها من هذا العنف الرمزي الذي يتناسل كل يوم والذي  الزوج بحقها بوصفه نتيجة تفرضها طبيعة العلاقات الاجتماعية كما هي قائمة في الواقع.

ب – المرأة الخاضعة

في قصة ” سلمى” ، صورة بالواضح للقهر الذي تعاني منه المرأة ويفرضه الواقع الاجتماعي ، حيث تنزع القاصة إلى الكشف عن شكل آخر من الاضطهاد والعنف المادي ، والأكثر منه حرمانها من حقها في التعبير عن اختياراتها  تساوقا مع الثقافة الذكورية التي تفرغ المرأة من كينونتها الحقيقية ،  نلمس هذا في تزويج ” سلمى”  لأحد أبناء عمومتها بتواطؤ مع الأم والأب :”  هذه نهاية كل فتاة ، الزواج من قريب لها ، والبنت المطيعة لا تعارض قرار أسرتها ، وأعرف أنك لن تغضبينا …”

واستمرارا لصفة القسوة والتسلط  الذي يقمع كل صوت أنثوي يرغب في البحث عن كوة للتحرر مما هو أبيسي ، تصور القاصة حفلة أعدتها ” سلمى لزميلتها وبرفقتها بعض النسوة من قريباتها من القرية المجاورة ، حيث تتفاجأ ” سلمى ”  وتسترسل في الضحك حين تفهم أنهن يردن خطبتها ، الشيء الذي لم يتقبله الزوج ، فيتحول بعدها إلى رجل سادي يمثل أقصى درجات العنف والضرب : “كنت أضحك وأنا أخبر أخي عبدالله في الهاتف ، حين فوجئت بلسعة على ظهري ، كان هو ذو المظهر البشع ، ينهال علي ضربا بعقاله ، لم يسعفني الوقت لأصرخ ، استيقظت بعد إغماءة أخرى وقد فقدت سنا من فكي ، وفقد روحا وأشياء كثيرة … “

وتأسيسا على ما سبق نخلص إلى أن الصورة العامة ل”سلمى ” هي صورة مألوفة في المجتمعات الذكورية التي تبخس المرأة وتشيؤها ، كما تسعى إلى قمع صوت الأنثى وقهرها وإخضاعها للمنظومة الأبيسية  .

خاتمة

استطاعت القاصة الإماراتية مريم ناصر  بمبضعها الجراح ف ي مجموعتها ” حكايا  ما بعد الجن ” أن تغطي الأبعاد الاجتماعية للمرأة،  فصورتها موقفا واختيارا ،  وزوجة مقموعة وصابرة ، وبنتاً متوثبة للحياة كما في قصة ” غربة ” ،  وذلك بتصوير كاشف دقيق للمجتمع الذي أخذت تحولاته تتأثر بما يجري في العالم ، بقصد المساهمة في نهوض أنثوي ، وكذا بقصد الانعتاق من ربقة العادات البالية، والحلم من ثمة بامرأة لم تعد ا تقبع طائعة أوامر الذكر، حلما بمجتمع حداثي يساير كل التحولات التي يزخر بها العالم ، واختفاء  المرأة التقليدية النمطية لصالح المرأة العصرية المثقفة التي تمارس حقها الطبيعي بعيداً عن هيمنة الذكور على الرغم من أن المجتمع القائم لم يعترف بنجاحها!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here