عبدالله العروي يقرع الأجراس.. الانتماء اليوم للعرق والمذهب والقبيلة وليس للدولة

عبد السلام بنعيسي

حين استضافت القناة الثانية المؤرخ والمفكر المغربي الكبير عبدالله العروي سنة 2000 في برنامج تلفزيوني حواري، في عزِّ الحملة الدعائية التي كانت منظمة للتطبيل لتجربة التناوب التوافقي، التجربة التي كانت سنة 1998 في بدايتها برئاسة الوزير الأول الاتحادي حينئذ الأستاذ عبدالرحمان اليوسفي، وضع العروي  في البرنامج التفزيوني معيارا واحدا لقياس نجاح هذه التجربة، واختصره في إجراء انتخابات برلمانية نزيهة، على أن يتم تعيين الوزير الأول بعد نهاية ولاية اليوسفي من الحزب السياسي الذي سيفوز في الانتخابات البرلمانية.

لم يطالب الرجل لا بتشغيل الخريجين من الجامعات العاطلين عن العمل الذين كانوا يتظاهرون بالآلاف في الشارع أمام قبة البرلمان، ولا بتقليص المديونية الخارجية، والتحرر من سيطرة المؤسسات البنكية العالمية على مالية الدولة المغربية، ولم يطالب الرجل بالرفع من القدرة الشرائية للمواطنين، وبتخصيص ميزانية أعلى لقطاعات الصحة والتعليم، وبتوفير السكن للمحرومين منه، ولم يدعو إلى القضاء على الرشوة، والفساد، والحدّ من الفوارق الطبقية والمجالية التي كانت قد استشرت في المغرب..

لم يوجه العروي أي مطلب من هذه المطالب التي، إن كان قد تبناها وصدح بها، كانت قد تبدو وقتها مطالب تعجيزية، وقد يتهم العروي، بسببها، بالمزايدة، لأنه يوجهها إلى حكومة تشكلت بتوافق بين القصر والحركة الوطنية، وأنها في بداية المشوار،  وأن هدفها الرئيسي، كحكومة، هو وضع الأسس الصلبة، لبناء ثقة متبادلة بين الطرفين، ثقة تشكل القاعدة التي سيُبنى على ركائزها مغرب القرن 21.. اكتفى الأستاذ العروي بوضع شرط وحيد لا غير، للحكم على التجربة بالنجاح، ألا وهو، تكليف وزير أول، من الحزب الذي سيفوز في الانتخابات..

وطبعا اختلفت الآراء حول مرور الأستاذ عبدالله العروي في ذلك البرنامج التفزيوني الحواري، فلقد نوهت صحافة الاتحاد الاشتراكي الذي كان يقود الحكومة، بحكمة وعقلانية واعتدال الرجل، واعتبرت كلامه عن تجربة التناوب التوافقي تأييدا للتجربة، رغم أن كلمة تأييد لم تصدر عنه وقتها، وإنما اكتفى بعدم مهاجمتها أو التحفظ عليها، ولم يرق مرور العروي لفئة من اليسار الجذري ومن جزء من الإسلاميين الذين كانوا يعارضون تجربة التناوب التوافقي، ولا ينتظرون أي شيء منها، وكانوا يتوقعون أن يجدوا في كلام الأستاذ العروي بعضا من تحفظاتهم وتخوفاتهم، لكنهم أصيبوا بخيبة أمل، وبدا لهم أن المعيار الذي وضعه للحكم على نجاح التجربة بسيط جدا، وأنه بلا معنى ولا مضمون..

لكن جرت الانتخابات سنة 2002، واحتل الاتحاد الاشتراكي الذي كان لا يزال يقود الحكومة المرتبة الأولى، إلا أن الوزير الأول لم يتم تعيينه من الاتحاد، وإنما تم تعيين التكنوقراطي إدريس جطو وزيرا أول. المثير هو أن الاتحاد الاشتراكي استنكر تعيين جطو وزيرا أول، ووصف الأمر بكونه خروجا عن المنهجية الديمقراطية، لكنه لم يتذكر ما قاله العروي عن فشل تجربة التناوب إن لم يعين الوزير الأول من الحزب الفائز في الانتخابات، ويستخلص ما  ينبغي استخلاصه، بل تناقض الاتحاد الاشتراكي مع نفسه، وشارك في حكومة جطو التي كانت بالنسبة له حكومة بعيدة عن المنهجية الديمقراطية..

ولقد شكل الاستمرار في حكومة جطو الضربة القاضية بالنسبة للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لقد كان يتعين على الحزب استحضار معيار العروي في نجاح تجربة التناوب، وأن يعتبر عدم احترام المنهجية في اختيار الوزير الأول فشلا للتجربة، وكان ينبغي عليه العودة إلى المعارضة، ولملمة صفوفه من جديد، ومدَّ خيوط التواصل والمصالحة بين مكوناته، وأن يعود للمعارضة التي مارسها لعقود طويلة، وأن يطالب بإصلاحات دستورية تحدد مهام المؤسسات وتوضحها، وأن يتشدد في خطابه السياسي والإعلامي، وأن يعبئ قاعدته، ويحرضها على النضال، إلى أن تنضج الظروف لإصلاح دستوري حقيقي يضمن مشاركة ملائمة في حكومة جديدة..

الأستاذ عبدالله العروي رجل فكر، إنه يضع الاستراتيجيات الكبرى ويحددها، ولكنه لا يدخل في التفاصيل والجزئيات، لأن الدخول في التفاصيل من اختصاص السياسيين، فحين وضع الرجل معيار نجاح تجربة التناوب بتعيين وزير أول من الحزب الفائز في الانتخابات، فإنه كان يقول بطريقة غير مباشرة، إن استمرار الاتحاد الاشتراكي في هذه التجربة، رغم أنها فاشلة، يعني أنه يزكي الفشل، وستقع عليه لوحده، كحزب، له مشروعيته النضالية والتاريخية، مسؤولية فشل تجربة حكومية قادها في ظروف ملتبسة وغامضة، واستمر فيها، رغم أن تكنوقراطي هو الذي يقودها بعيدا عن رأي الناخب..

واقع الاتحاد الاشتراكي الحالي يؤكد ما تنبأ له به الأستاذ العروي سنة 2000، فبعد أن كان أكبر حزب سياسي  جماهيري في المغرب، وبعد أن كان يُصنَّفُ واحدا من أقوى الأحزاب السياسية المعارضة في شمال إفريقيا وفي العالم العربي، وبعد أن صمد وتقوى في وجه كل الضربات العنيفة التي وجهتها له السلطة في سنوات الرصاص، وكان يخرج من كل محنة أقوى مما سبق، بفضل الالتفاف الجماهيري حول تضحيات مناضليه، ها هو اليوم حزب ضعيف ومفكك وتلاشى كليا، وأضحى يعتمد على ترشيح الأعيان في الانتخابات، وعلى بقايا الإقطاع، ويعول على دعم الإدارة للحصول على فريق نيابي في مجلس النواب.. الاتحاد الاشتراكي لم يأخذ مأخذ الجدِّ ما حذّره منه العروي، فانتهى به الأمر إلى ما هو عليه حاليا: محارة فارغة.

وإذا كانت تحذيرات الأستاذ عبدالله العروي لم يُلتفت إليها حين نبّه الاتحاديين من خطورة الاستمرار في تجربة حكومية فاشلة، وأصبحنا حاليا أمام وضع حزبي كارثي، إذ تبخرت الأحزاب الفاعلة وانعدمت قدرتها التأثيرية في المجتمع المغربي، وبتنا نعيش في شبه فراغ حزبي، فإن صاحب الإيديولوجية المعاصرة ينبهنا في المحاضرة الافتتاحية التي قدمها، بمناسبة افتتاح كرسي عبد الله العروي من قبل معهد العالم العربي بباريس، وجامعة محمد الخامس بالرباط،  إلى فراغ آخر أكثر خطرا يتهددنا، ذلك أن الدولة الوطنية راهنا ” تتفكك وتسلب منها كل سيادة”، مشيرا في محاضرته إلى أن ” الانتماء اليوم هو للعرق والمذهب والقبيلة وليس للدولة، ويبدو أن المستقبل هو لسلطة القبيلة أو للفدرالية الهشة”.

الذين انتقدوا الأستاذ العروي على ما جاء في محاضرته، آخذوه، لأنه في نظرهم، يعتبر دولا مثل العراق وسوريا وليبيا وحتى السعودية دولا وطنية، في حين أنها دول عشائرية، أو كانت دولا محكومة من طرف أنظمة قمعية واستبدادية الأمر الذي سهّل انهيارها وتفككها، ونسي هؤلاء أن الرجل يعي هذا الأمر ويدركه جيدا، فالدولة مهما كانت قمعية ومستبدة، فإنها في النهاية دولة، فالحكام ذاهبون والبقاء للأوطان وللشعوب.

 وإذا كان المطلوب تغيير أنظمة الحكم في تلك الدول وفي غيرها، فيتعين أن يتم التغيير بخطاب وطني، وديمقراطي، وحداثي، وجامع، وهذا ما ينبغي أن نكون متفقين ومجمعين عليه، فالتغيير المنشود هو الذي يزيد بنا خطوات إلى الأمام، أما إذا ساد الخطاب العرقي، والمذهبي، والطائفي، والعشائري، والقبلي، فإننا لن نكون إزاء تغيير بالمعنى الإيجابي لكلمة تغيير، سنقوم ببلقنة دولنا وتفتيتها، وسنجد أنفسنا في قلب تدمير شامل للعمران وللإنسان..

لا شك في أن الغرب يقف وراء سيادة خطاب الانتماء للعرق وللمذهب والقبيلة والطائفة والعشيرة، انسجاما مع سياسته الشهيرة بمنطق: فرق تسود، وهو منتج لهذه السياسة الجهنمية في منطقتنا، ويسعى لتعميمها من المحيط إلى الخليج، ومن المؤكد أن بعض النخب الحاكمة في دولنا تُجاري الغرب وتقوم بتسويق خطابه العرقي والمذهبي والقبلي في صفوفنا، ولذلك يدُقُّ الأستاذ عبدالله العروي ناقوس الخطر من مثل هذه السياسة المدمرة للنسيج الاجتماعي الوطني، ويحذّر من أخطارها، فهل من مستجيب لتحذيره، أم أننا سنصم، كالعادة، آذاننا، ولا نكترث بما يقوله مفكرونا؟

كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email

5 تعليقات

  1. لم تكن الدولة القطرية العربية دولة حقيقية بمعنى الكلمة.
    انها اشبه بقبيلة كبيرة على راسها شيخ القبيلة الذي يرى نفسه مقدسا مبجلا ويمنع مسائلته وتحميله اي مسؤولية.
    رأينا ذلك في العراق ولبنان وسوريا والاردن ومصر واليمن حيث الانتماءء القبلي او الطائفي او الديني او الجهوي هو مربط المواطنة الحقيقي وليس المواطنة للدولة .

  2. إذا كان ليس عندنا حتى إعلام مستقل وحر ونزيه و نظام بوليسي مخزني إن لم أقول عسكري المستبد وهذا ما خلى الشعب في حالات رعب وترهيب وتخويف ووسواسة فماذا يمكن أن نتوقع من هذا البلد المغتصب أكثر صهيونية من المحتلين لبلد الأخوة بفلسطين وقضية مركزية لكل عرب المسلمين خاصة وما يوجد فيها من الأرض المقدسة أرض الإسراء والمعراج والقدس تعني جميع المسلمين إن لم أقول حتي أهل الكتاب و ما له علاقة بظهور المسيح عليه السلام بأخر الزمان مع رؤيتنا ولقاؤنا لمهدي المنتظر. أين الخدام الحرمين والأسرة الهاشمية و العلوية ومنهم من ملقب بأمير المؤمنين كان يحكم قبل قرون هذه الشخصية البلد المسلم كله وإن كانت إختلافات وإشكاليات وخصامات و عدم التوافق الشامل حوله بين المسلمين جميعا أما الان فهو معترف به بحدود جغرافية ديموغرافية محاصرة وحدودية قصيرة جدا.

  3. اعجبني وصفك لحال الاتحاد الاشتراكي بالمحارة الفارغة من المؤسف ان يصبح هذا الحزب العتيد يعول على
    _
    صدقات و مدد احزاب ذات تاريخ اسود الصفحات اعتقد استاذي عبد السلام ان مقالك لن يعجب اصحاب الفكر

    العرقي في الصحيفة الاليكترونية هناك

    تحياتي من مراكش

  4. بارك الله..اجدت فافدت….امثال اخنوش والعماري وعصيد…يبلقنون البلد..ووالله سهرب هم…ويتركون العامة ياكل بعضهم البعض..فيتدخل الاتحاد الاروبي والامم المتحدة لمنع السلاح عن الفرق المتحاربة…سيناريو بتنا نراه راي العين…واقنعوا حتى المخزن ان في سياسة التفرقة بقاء لحياته..والله المستعان على وطن كنا نحبه…

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here