عبدالعزيز الكحلوت: سينتصر الشعب الفلسطيني ويقيم دولته 

 

 

عبدالعزيز الكحلوت

دأبت الولايات المتحدة على تبني فكرة الدولة اليهودية منذ نشأتها في القارة الجديدة وكانت أول من اعترف بقيام اسرائيل في عام 1948 وتبنى رؤساؤها بعد ذلك فكرة الدولة اليهودية الخالصة التي تدوس على حقوق الفلسطينيين في العودة وتقرير المصير وتتجاوز قرارات الأمم المتحدة جميعها وأهمها قرار التقسيم رقم 181 الصادر في نوفمبر 1947 و القرار 242 الذي أقر بمبدأ الأرض مقابل السلام والقرار 2334 الذي أقر بمبدأ الالتزام بحل الدولتين  .  الإدارة الأمريكية الآن هي الأوضح في بذل كل ما من شأنه  تصفية القضية الفلسطينية إذ أغلقت مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن وأوقفت دعمها المالي للفلسطينيين المقدر بنحو (800) مليون دولار سواء ما كان مباشرا  لموازنة السلطة الفلسطينية ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الاونروا أو غير مباشر من نحو دعم الوكالة الأميركية للتنمية الدولية لمؤسسات المجتمع المدني الفلسطينية وتبنت (27) ولاية قوانين أو سياسات أو أوامر تنفيذية من حكام الولايات تعاقب الذين يشاركون في مقاطعة إسرائيل أو يطالبون بذلك و كذلك معاقبة  الشركات أو المنظمات التي ترفض التعامل مع المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية في الضفة الغربية التي بلغ عدد المستوطنين فيها نحو (600) ألف مستوطن وفي سياق تصفية القضية الفلسطينية اعترف ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل و نقل سفارة بلاده إليها في الذكرى السبعين لاغتصاب فلسطين ووافق على ضم اسرائيل كذلك للجولان  وقد فعل ذلك لا بسبب تلقيه درسا في التاريخ من كل من سفير بلاده في القدس ديفيد فريدمان وصهره الشاب جاريد كوشنر كما قال متندرا امام تجمع الائتلاف اليهودي الجمهوري في لاس فيجاس أوبسبب إيمانه بالتوراة وإنما فعل ذلك استجابة لأصوات ناخبيه الإنجيليين فمنذ تسلمه سدة الحكم وهو يعلم أن من أوصله إلى سدة الحكم إنما هم  المسيحيون الإنجيليون الذين سبق لهم احتضان بوش الابن حيث أن نحو (80%) منهم منحوه أصواتهم . وكان جيري فولويل الابن قد وصف دونالد ترامب أثناء حملته الإنتخابية  بـ”مبعوث الرب لقيادة أمتنا”.

وقد يسأل سائل لماذا تتبنى امريكا فكرة الدولة اليهودية والجواب ببساطة لأن التيار الصهيوني المسيحي يعارض أي انسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة أو أي تفكيك وإخلاء لأي مستوطنة إسرائيلية كما يرفض بشكل قاطع تبني حل الدولتين ويؤمن بقيام اسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات ويجعل وعد الكتاب المقدس الذي قطعه الرب لإبراهيم عليه السلام “لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ…” الإصحاح الخامس عشر من سفر التكوين ” قاصرا على أبناء اسحق دون اسماعيل ابي العرب . مصطلح الدولة اليهودية الذي يقع في القلب من صفقة القرن كان شائعا في المراسلات المتبادلة بين الرؤساء الأمريكيين واسرائيل ولم يكن الرئيس بوش الإبن ولا أوباما ولا دونالد ترامب أول من استخدم مصطلح الدولة اليهودية بل سبقهم رؤساء أمريكيون كثر وقد شبه آباء مؤسسون كجورج واشنطن وجون أدمز وجيفرسون  أوروبا بمصر وأمريكا بأرض الميعاد وزعموا أن الله قد اختار الشعب الأمريكي ليكون نورا لجميع الأمم وبالرغم من أن الدستور الأمريكي وتعديلاته  ينص صراحة على علمانية الدولة وحرية الإعتقاد ومنع الحكم الديني إلا أنه من الخطأ الظن أن الولايات المتحدة دولة علمانية  تمنع الدين من التأثير في سياساتها الخارجية وخاصة فيما يتعلق بالقدس وفلسطين . المحافظون الجدد يؤمنون بالمسيحية الصهيونية التي من أهم ركائزها تجميع اليهود في فلسطين وبناء الهيكل الثالث على أنقاض المسجد الأقصى المبارك ونشوب معركة هرمجدون بين محوري الشر والخير في العالم والتي ستكون ساحتها في فلسطين  ممتدة بحسب الإنجيل من “مجيدو في الشمال إلى ايدوم في الجنوب” لينزل المسيح عليه السلام بعدها من السماء إلى الأرض ليحكم العالم ألف عام  وتروج الكنيسة الإنجيلية التي تتبنى هذا الطرح  ــ بما تملكه من وسائل إعلام ونفوذ ــ هذا الإعتقاد بين الأمريكيين وتزعم ومؤيدوها أنهم بدعم اسرائيل وتحقيق اشتراطات نزول المسيح عليه السلام ــ يساعدون الرب على إنزال  المسيح عليه السلام ليمْثُل من نجا من القتل من اليهود بعد معركة هرمجدون أمامه نادمين مستغفرين والذين قدرهم بول لندسي ب (144) ألفا مستندا إلى ما ورد في الإصحاح السابع من أن عدد الباقين من كل سبط من أسباط اليهود الإثني عشر اثناعشر ألفا .

لقد حمل المهاجرون البيض القادمون إلى أمريكا مسيحية متهودة واعتبروا أمريكا “أرض الميعاد التي وهبها الله تعالى لهم  بتدبيره وحكمته” كما أولوا التوراة والتلمود والكتابات اليهودية أهمية أكبر من تلك التي أولوها للإنجيل نفسه وآمنواً بحق اليهود في الأرض الموعودة وبأنهم شعب الله المختار واعتقدوا أن معجزة نجاة موسى وقومه من فرعون وشقّ البحر لهم هي معجزة مستمرة وقابلة للاستنساخ  أي أنها وعد إلهي مفتوح.

وهم بقدومهم إلى أمريكا قاموا بعملية استنساخ تاريخي لعبور اليهود مع موسى عليه السلام إلى أرض الميعاد ويعتقدون بالتالي أن مساعدة اليهود على عبور بحار العالم وصولاً إلى فلسطين التاريخيّة لإنشاء دولتهم المزعومة هو تحقيقٌ لذات النبوءة الإلهية والتي تعطيهم الحق في إبادة وتشريد سكانها الأصليين . لهذا كله كانت فكرة الدولة اليهودية سابقة عند الأمريكيين قبل الإسرائيليين وهم الذين شجعوا الكيان الصهيوني على تبني خيار الدولة اليهودية بل إن سبب بقائهم في الشرق الأوسط الآن هو فقط حماية اسرائيل وهو ماصرح به ترامب في مقابلة أجرتها معه صحيفة واشنطن بوست في منتصف نوفمبر (2018) حيث قال “هُناك سَببٌ واحِدٌ بالنِّسبةِ إلينا للبَقاء في الشرق الأوسط ألا وهو وجود إسرائيل.

لقَد أصبَح النِّفط أقل شَيء يُمكِن أن نبقى مِن أجله.. لأنّنا نُنْتِج المَزيد مِنه.. نبقى مِن أجلِ إسرائيل فقط .” الإدارة الأمريكية إذن شأنها شأن الليكود بزعامة نتنياهو واليمين الإسرائيلي المتطرف ــ لا تريد دولة واحدة تجمع  العرب مع اليهود تحت سقف واحد ونظام سياسي واحد ولا دولتين واحدة لكل منهما وإنما دولة يهودية (دينية) خالصة تلتهم معظم الضفة الغربية  ولذلك فإن  مبعوث الإدارة الأمريكية إلى الشرق الأوسط جيسون غرنبيلات يحاول تحقيقا لهذه الرؤيا  خلق رأي عام عالمي مغاير ومفاهيم جديدة للصراع ومرجعيات جديدة تلغي كل قرارات الأمم المتحدة السابقة التي أشرنا إليها في أول هذه المقالة وتسقط “صفة الاحتلال” عن إسرائيل من الثقافة السياسية الدولية ووعي المسؤولين الدوليين ولا يفتأ يعلن أن صفقة القرن لا تتضمن حل الدولتين ويسمي المستوطنات أحياء أومدن لينزع عنها صفة الاغتصاب ومصادرة الأراضي  وتتناغم سياسة الولايات المتحدة التي يعبر عنها الثلاثي جاريد كوشنر وجيسون غرنبيلات وديفيد فريدمان ــ مع الليكود وأحزاب اليمين الإسرائيلي التي وقعت يوم الخامس من اغسطس الجاري على وثيقة تتضمن التزامها بضم 60% من الضفة الغربية وهي المنطقة (ج) والتزامها كذلك باسرائيل كدولة قومية لليهود ومعارضة حل الدولتين وفرض السيادة الإسرائيلية على مناطق يهودا والسامرا أي الضفة الغربية بكاملها بما يعني أن المليوني فلسطيني المتبقين في مناطق (أ) و(ب) لن يتمتعوا بأي نوع من السيادة وسيعيشون في جيتوات تكاد تكون مغلقة لأن سيطرة اسرائيل على المنطقة (ج) ستحرم الفلسطينيين في المنطقتين (أ)  و( ب ) من التواصل  كما أن مناطق (أ) و(ب) غير قابلتين  للحياة بدون مناطق (ج) التي تتواجد بها المياه الجوفية والثروات الطبيعية وشواطيء البحر الميت لذا فإن سلطات الإحتلال ستمنح الجنسية الإسرائيلية للفلسطينيين في منطقة (ج ) وتترك الفلسطينيين في المنطقتين ( أ ) و (ب) إلى مصير مجهول وربما ألقت بهم اسرائيل فيما بعد  إلى جوف الصحراء العربية أو إلى غزة الكبرى.

إذن ما جرى قبل صفقة القرن و مايجري بعدها الآن  على الأرض لا يمكن أن نسميه حلا للقضية الفلسطينية على أساس دولتين إذ لا شيء يشي بذلك كما لايمكن أن نقول بأنه حل الدولة الواحدة فقانون الدولة اليهودية  قانون عنصري لا يعطي الفلسطيني داخل الخط الأخضر أي حقوق مساوية لنظيره الإسرائيلي ولن يعطي الفلسطيني خارج الخط الأخضر أي حقوق إذا استمر الاحتلال  وحسنا فعلت الخارجية الفلسطينية حين وصفت ما تقوم به الولايات المتحدة  بـ”المخطط الاستعماري التصفوي للقضية الفلسطينية ” وحسنا فعلت حين اتهمت “الطغمة الأمريكية” ومن لف لفها بتنفيذ مخططات الاحتلال وبأنها ليست إلا أبواق دعاية لإسرائيل المحتلة لفلسطين والحامية للمسؤولين الاسرائيليين من المساءلة والمحاسبة”.

خطورة الرؤية الصهيو أمريكية لحل الصراع العربي الإسرائيلي تكمن في تجاوزها القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ومرجعيات السلام الدولية والاتفاقيات الموقعة مع الفلسطينيين في تمرد صارخ على أسس  النظام العالمي برمته فالولايات المتحدة الأمريكية واسرائيل يسعيان إلى تكريس حل الدولة اليهودية الخالصة لا حل الدولتين ولا حتى حل الدولة الواحدة التي يتساوى فيها المواطنون أمام القانون . وخطورة الرؤية الصهيو امريكية تكمن كذلك في اعتناق دول عربية قريبة وبعيدة ومنها دول الخليج لهذه الرؤيا وأضحت هذه الدول بمؤسساتها وإعلامها  ترتعش من مجرد الحديث عن حق الشعب الفلسطيني في أرضه ومقدساته.

تطابق موقف السلطة الوطنية والفصائل مع موقف الجماهير الفلسطينية في الداخل والخارج ورفضهم القاطع لصفقة القرن وللدولة اليهودية المغتصبة للأرض والمقدسات يؤكد على فشل كل مشاريع تصفية القضية الفلسطينية ما كان منها راهنا وما سيجيء مستقبلا  ويبقى على الشعب الفلسطيني الذي قدم التضحيات الجسام  وآلاف الشهداء أن ينتفض انتفاضته الثالثة  ليفشل جهود الولايات المتحدة  وجولات ومحاولات ثلاثيها البغيض جاريد كوشنر وجيسون غرنبيلات وديفيد فريدمان مهما تكررت وتعددت هنا وهناك وفي النهاية سينتصر الشعب الفلسطيني ويقيم دولته رغم أنف الإحتلال ومن يدعمه.

Print Friendly, PDF & Email

8 تعليقات

  1. في البداية وضعت انطباعاً مبدئيا مبنيا على العنوان ان الموضوع مستهلك وتم طرحه آلاف المرات .. ولكن ما ان بدأت حتى وجد نفسي امام شاشة تعرض فيلما وثائقيا منتج بحرفية اعلامية عالية .. والسؤال الذي راودني بعد نهايتي من المقال .. لما تصر أمريكا وتدافع باستماتة وبكل هذا القدر لإحلال الصهاينة وبدولتهم المزعومة محل الفلسطينيين مع العلم ان الواعد والداعم اوروبي بريطاني؟

  2. ايا يا قدس يا درة في الوجود..ستبقين رمز الآباء والصمود ومنارة الشرائع…. يا طفلة صغيرة محروقة الأصابع حزينة عيناك حزينة حجارة الشوارع..مأذن الجوامع.. عصافير ك ملت الانتظار
    وماتت شوقا لتحريرك فما حال البشر..زمن ماتت فيه الضمائر..
    سيشرق فجرك يوما فوق الربى
    مهما طال الزمن

  3. مقالة جميلة لكن طالما ان دين الولايات المتحدة هو اقامة اسرائيل وهدم المسجد الاقصى فلماذا يحج الرؤساء والملوك العرب الى البيت الابيض بالامر

  4. للاسف أن كثير من العرب لا يعلمون خبث الولايات
    و قد قال الله تعالى ” و لن ترضى عنك اليهود و لا النصارى حتى تتبع ملتهم “

  5. كنت في البداية متردد لقراءة المقالع والسبب مد الكم الهائل من الكتابات حول موضوع اغتصاب الأرض المقدسة ..ولكن حينا بدأت في القراءة جذبني الأسلوب و عمق وتسلسل الأفكار وربطها بما تقوم به المؤسسة والحركة الصهيونية في الهيمنة على اصحاب القرار في العالم الغربي واستغلال المسيحية الصهيونية وبسط سيطرتها على عقول اصحاب القرار في العالم الغربي ، وكذلك استحواذ عقول الفئه الضالة في العالم العربي لبسط سيطرتها على فلسطين كل فلسطين و ضرب كل القرارات الدولية وإقامة الدولة اليهودية العنصريه والسيطرة علىكامل الأرض دون الاكتراث بكل دول و شعوب الأرض … وإنني مثلك يا الخي العزيز مؤمن بأن الله سيحقق النصر الكبير على غزاة الأرض .. والإعراب يرونها بعيدة ونحن وشرفاء آلامه والشعوب الكره نراها قريبة و قريبة جدآ .. نحن أمة لا تموت

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here