عبدالسلام بنعيسي: تهافت الخطاب المدافع عن التدريس بالفرنسية

عبدالسلام بنعيسي

الحيثية الرئيسية التي يتم الركون إليها للدفاع عن تدريس العلوم باللغة الفرنسية تتجلى في القول، إن كل الذين يساندون الاستمرار في تدريس العلوم باللغة العربية يُرسِلون أبناءهم إلى المدارس الخاصة ومدارس البعثات الأجنبية للتعلم باللغة الفرنسية، الأمر الذي يتيح لهم، بعد إنهاء دراساتهم الحصول، نتيجة لذلك، على أرفع المناصب في المؤسسات الخاصة والعامة للدولة المغربية.

 ويضيف أصحاب هذه الحيثية، أن الدفاع عن التدريس باللغة العربية، لا يعدو كونه إيديولوجية طبقية، تبتغي استغفال أبناء الفئة الكادحة لكي يظلوا متشبثين بالعربية، في حين يبقى التعليم باللغة الفرنسية محتكرا من طرف الأقلية التي تستحوذ على الثروة والسلطة، وأن المصلحة الشعبية تقتضي التعليم بالفرنسية، للوصول إلى نفس الوظائف التي يحتلها أبناء الطبقة الحاكمة بمفردهم، لمزاحمتهم فيها..

الذين يستندون إلى هذه الحيثية في الدفاع عن التدريس باللغة الفرنسية يرتكبون أخطاء فادحة في تحليلهم للواقع المغربي، فالعديد من المناصب الرفيعة التي يتولاها أبناء الطبقة الحاكمة، لا يتولونها لأنهم يجيدون الفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية، حين نقول إنهم في مناصبهم العليا هذه، لأنهم تعلموا بالفرنسية، فإننا نعترف لهم بأنهم أكفاء، وأن المناصب التي يتربعون عليها أمَّنتها لهم كفاءتهم العلمية الناجمة عن التعلم بلغات أجنبية، وهذا قول مجانب للصواب تماما.

 إن سبب وجود العديدين من هؤلاء المحظوظين في هذه المناصب المهمة والحساسة والمذرة للأجور الكبيرة، هو المحسوبية، ولأنهم أبناء الأسر التي تحكمنا. الكفاءة تأتي، بالنسبة لمناصبهم، في درجة متدنية جدا، فسواء كانوا، بسبب نوعية التعليم الذي تلقوه، أهلا لتلك المناصب أم لا، فإنهم سيكونون حيث هم في مناصبهم الرفيعة. لنوعية التعليم الذي حصلوا عليه، مرتبة ثانوية، ولعلها هامشية في وجودهم على رأس الإدارة العمومية، وفي تسييرهم للشركات شبه العمومية أو الخاصة..

التركيز على دور التعلم بالفرنسية، لوحده، للوصول إلى الوظائف السامية، يشكل في الواقع، دعاية مبطنة للغة الفرنسية، هذا التركيز يصور الفرنسية وكأنها عصا موسى أو المفتاح السحري الذي يفتح كل الأبواب المغلقة في وجه المعطلين عن العمل في بلدنا، وهذا كلام لا يكتسي الحقيقة كما هي مجسدة في الواقع اليومي للمغاربة، بل إنه وهم كبير يتم بيعه للمواطنين.

  العديد من أبناء الفقراء الذين ليس لديهم من يدعمهم ويقف إلى جانبهم للحصول على فرصة للعمل، يعانون من البطالة لسنوات طويلة، ومنهم من لم يحصلوا على أي عمل، مهما كان بسيطا، رغم تخرجهم من الجامعة، وتمكُّنهم من لغات عدة من بينها الفرنسية والإنجليزية، وما بالك بالوظائف الحساسة، فهذه لا يحلمون بها إطلاقا، فإذن التعلم باللغة الفرنسية أمر ثانوي جدا وغير حاسم في الوصول إلى الكثير من المناصب العليا، سواء في القطاع العام أو الخاص، لأنها مناصب محفوظة لأبناء الفئة الحاكمة، كيفما كانت نوعية تعليمهم..

صحيح أن اللغة المستعملة في معاملات جل البنوك والمصارف والشركات والإدارات المغربية هي اللغة الفرنسية، ولكن الصحيح أيضا هو أن هذا الواقع ينبغي أن لا يظل على حاله، ومن المفروض أن يكون مجالا للتغيير بسرعة، فهذه المؤسسات المفرنسة تشوبها في التسيير والإدارة مشاكل عويصة، ولا تزال مجتمعة عاجزة عن محاربة البطالة بين الشباب المغربي، بل إن بطالة خريجي الجامعات والمدارس والمعاهد العليا والدكاترة تتفشى سنة بعد أخرى، حتى أنها أضحت ظاهرة لا يخلو منها بيت مغربي، وباتت تهدد الاستقرار الاجتماعي.

محاربة البطالة لا تتوقف على اعتماد التدريس بالفرنسية، بل على إرساء قواعد لاقتصاد وطني منتج، يقطع مع الريع، ويحارب الفساد والإثراء الفاحش من طرف أقلية، بنهب الثروة الوطنية وحرمان الأغلبية منها، اقتصاد يواجه الفوارق المجالية والطبقية، ويتطور تدريجيا ليستوعب الطاقات الشابة ويوظف معارفها المختلفة، معتمدا على اللغة العربية أساسا، ولا بأس بعد ذلك، من الانفتاح على لغات أجنبية، وعلى رأسها اللغة الإنجليزية التي يرى الكثيرون أنها هي لغة العلم والبحث والمستقبل، وتبدو أمامها الفرنسية لغة متخلفة غاية التخلف، وعاطلة عن تقديم أي فائدة لمستعملها خارج فرنسا وجزء من بلجيكا وكبيك وبعض الدول الإفريقية التي كانت خاضعة للاستعمار الفرنسي..

وإذا كان من بين المغاربة من يتظاهرون بالدعوة للتدريس بالعربية، ولكنهم يرسلون أبناءهم للمدارس الخاصة ليدرسوا باللغة الفرنسية، فهذا سلوك انتهازي وخاطئ، ويتعين أن يكون المغاربة مجمعين على رفض هذا السلوك. المسؤولية الوطنية تقتضي فضح مثل هذه الممارسات والتصرفات الخاطئة والتنديد بها، وعدم قبولها، لحصارها، واقتلاعها كممارسة انتهازية لاشك في أنها مضرة بتعليمنا، وقيمنا..

لكن الذي يدعو للتدريس بالفرنسية، بدل اللغة العربية، احتجاجا على انتهازية الخطاب عند الذين ينافحون كذبا عن العربية، فهنا يصبح هؤلاء الانتهازيون الذين ينتقدهم، هم القدوة بالنسبة له، إنه يقبل على نفسه إعادة إنتاج سلوكهم الذي ينتقده ويندد به، ويصبح نقده لهم غير منسجم، بل بلا هدف ولا معنى  ولا مضمون.. لأنه في النهاية، يجاريهم، ويمشي على خطاهم، في تخليه عن تبني التدريس باللغة الدستورية للبلد، لتبني التدريس باللغة الفرنسية..

لدينا أطباء، وصيادلة، ومهندسون، ومحامون، وأساتذة جامعيون، وإداريون ناجحون في وظائفهم، ويؤدونها على الوجه الأكمل، ويمكن أن يُعطى المثل بهم في جودة الإنتاج والمردودية في عملهم، رغم أن الجزء الأعظم من تعليمهم تمَّ باللغة العربية، ولذلك فإن الهجوم على العربية، للانتصار للفرنسية، بسبب السلوك المزدوج لبعض المسؤولين، هجوم ظالم وباطل، لأنه مؤسس على ركائز غير منطقية.

الذين ينتصرون للتدريس بالفرنسية ويريدون الترويج لها يمكنهم القيام بذلك، فهذا حقهم الذي لا يمكننا منازعتهم فيه، لكن عليهم الدفاع عن الفرنسية، بالعضلات الفرنسية، دون اللجوء إلى التهجم الكاذب على العربية، وأن يكون دفاعهم، بحيثيات مادية علمية مقنعة، وليس بخطاب متهافت ومتضارب. اعتمادهم على هذا الخطاب المهلهل يُبين أنهم يدافعون عن قضية خاسرة، ومفروضة، كأمر واقع،  من طرف اللوبي الفرنكفوني، على كافة المغاربة..

كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. راجع الدراسة الهولندية المحايدة المسماة تقرير تيمس في التعليم للرياضيات والعلوم لترى كيف ان الفرنسيون في قاع التقرير رياضياتيا وعلميا، اللغة لا شان لها بالتطور, ولا مجال في العلوم للمنافسة بين الانجليزية العالمية والفرنسية الميتة المفروضة بالاستعمار من قبل فرنكوفونيين عملاء واخرين حاقدين على اللغة العربية

  2. من العرب الذين يشترون رافال فضلا عن السلاح الفرنسي؟ السلاح الفرنسي يتم شراؤه للمجاملة السياسية لنيل دعم فرنسا في مواقف معينة فقط وليس لمنافسته الامريكي فضلا عن الروسي, اللغة الفرنسية متخلفة علميا صديقي, والطلاب الايرانيون واليابانيون والروس والصينيين والكوريين كلهم يدرسون بلغتهم الوطنية غير الفرنسية ويبدعون في العلم، راجع معلوماتك يا فرنكفوني

  3. الذين ينتصرون لتدريس العلوم بالفرنسية ينطلقون من واقع أنّ أبنائهم سيلتحقون بالجامعات و المعاهد الفرنسية أو البلجيكية أو السويسريّة أو الكندية لإتمام دراساتهم.
    الذين ينتصرون لتدريس العلوم باللغة العربية ينطلقون من واقع أنّ المراد بالعلوم هو علوم الشرع و الفقه و العقيدة و التفسير و الحديث.
    الذين يرفضون تدريس العلوم بالفرنسية و ينعثونها بالمتخلفة غاية التخلف، وعاطلة عن تقديم أي فائدة، عليهم مثلا أنْ يفنّدوا حقيقة أنّ طائرات رافال التي ينفق العرب ثروات شعوبهم مقابل الحصول عليها، تمّ تطويرها و إنتاجها من طرف أناس تمّ تدريسهم بالفرنسيّة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here