عبدالسلام بنعيسي: بعد أمريكا بماذا تشتري الرياض الدول الأوروبية؟

abdel salam bin issa.jpg55

عبدالسلام بنعيسي

تبدو الدول الأوروبية غير متحمسة لقرار السعودية والإمارات والبحرين ومصر فرض الحصار على دولة قطر ووسمها بالإرهاب، وإعداد العدة لغزوها قصد تغيير الجهاز الحاكم فيها. ولا دولة غربية وازنة أعربت عن تأييدها لعزل قطر وضربها، فسواء من باريس أو من لندن أو من ميونيخ صدرت تصريحات تدعم بشكل ملتو الدوحة، أو في أضعف الأحوال تتحفظ عما صدر من قرارات ضدها.

ولاشك في أن هذا الموقف الغربي سيصدم الرياض أساسا، ومعها أبو ظبي والقاهرة. فلقد تعودت السعودية على أنها تأخذ من الغرب مجمل القرارات التي تحتاجها لتصريف سياستها الإقليمية، ما دامت سياسة تصب في النهاية في المجرى الأوروبي ولا تتعارض مع مصالحه. فتأييد فرض الحصار على الدوحة لإجبارها على تغيير سياستها أمر يفترض أن الرياض كانت تتوقعه من الدول الغربية، ولعلها كانت تعتبر أنه في جيبها، انطلاقا من السوابق التي كانت لدى الطرفين بين بعضهما البعض، سواء في العراق، أو سورية، أو ليبيا، أو اليمن…

لكن لماذا تلكأت هذه المرة الدول الأوروبية في تقديم التأييد للسعودية وللمحور الذي يدور في فلكها ضد قطر؟ هل قامت بذلك من باب الدفاع عن احترام القانون الدولي وسيادة الدول على أراضيها؟ هل لأن دول الغرب متأكدة أن قطر لا تدعم الإرهاب، وإلصاق هذه التهمة بها يعد ظلما لها؟ لماذا انعدم التأثير والنفوذ السعوديان في الغرب في هذه النازلة، وتصرفت الدول الأوروبية على غير هوى السعودية خلافا لما جرت عليه العادة؟؟

للإجابة على هذه الأسئلة لابد من التذكير أن قرار فرض الحصار على قطر قد تم اتخاذه مباشرة بعد قمة الرياض التي حضرها رئيس الولايات المتحدة الأمريكية ترامب، وحصل في خضم أشغال هذه القمة على شيك دسم من السعودية يكاد مبلغه يصل إلى 500 مليار دولار، مبلغ أدهش ترامب نفسه، واعترف هو بأنه مبلغ كبير جدا، وأنه سيساهم في إنعاش الاقتصاد الأمريكي، وخلق فرص شغل للأمريكيين العاطلين عن العمل. وبناء على ذلك أعطى الرئيس الأمريكي الضوء الأخضر للسعودية لكي تجر معها دولا أخرى لفرض الحصار على قطر.

إذا كان ترامب  قد حصل بمفرده على تعويض مجز نتيجة لموافقته على ما أقدمت عليه الرياض تجاه الدوحة، وحقن خزينة دولته جراء ذلك بمئات المليارات من الدولارات السعودية، فإن هذا الأمر لن يروق  لباريس، ولندن، وميونيخ وموسكو وباقي العواصم الغربية، فلا يمكن لهذه العواصم أن توافق على ما اتفق عليه ترامب مع السعودية وتؤيد سياسة تغيير نظام الحكم في الدوحة دون الحصول على مقابل مادي لذلك، كما جرى مع ترامب.

 بعبارة أوضح، تريد الدول الأوروبية المتلكئة في فرض الحصار على قطر نصيبها من الكعكة السعودية. فكما تم دفع الجزية للأمريكيين، يتعين في نظر الغربيين أن يحصلوا هم كذلك على نصيب لهم منها. الدول الغربية تنظر بامتعاض لإقدام السعودية على رفد الخزينة الأمريكية بكل هذه المبالغ الطائلة من الأموال دون أن يكون لتلك الدول حظ فيها، إنها لن تقبل استفراد أمريكا بحلب الضرع السعودي بمفردها، وحرمان الأوروبيين من لبنها.

السعودية اشترت، في هذه اللحظة بالدولارات، الموافقة الأمريكية على مسعاها لتركيع قطر، وتمكنت من جر إسرائيل إلى صفها بالشروع في إقامة التطبيع معها، لكن واضح أنه يلزمها الآن شراء الموافقة الأوروبية على سياستها إزاء قطر.

 فماذا يا ترى في جعبة السعودية إزاء هذا اللعاب الغربي الذي يسيل على رصيدها المالي؟ هل ما زالت خزينة الرياض تحتوي على المبالغ اللازمة من مليارات الدولارات لشراء تأييد الدول الغربية لسياستها تجاه قطر كما فعلت ذلك سنة 1990 لإخراج القوات العراقية من الكويت؟ ثم ما هو رأي الشارع العربي السعودي في هذه السياسة التي تنهجها دولته، المبنية على تبديد ثروته في شراء ولاءات الدول الأجنبية، هل سيوافق عليها، ويظل صامتا إزاءها؟؟

كاتب من المغرب

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here