عبدالسلام بنعيسي: الفرق كبيرٌ بين إسرائيل الحالية وإسرائيل حرب 1967

عبدالسلام بنعيسي

الصورة التي ظل الإعلام الغربي وتابعه الإعلام الرسمي العربي يعملان على ترسيخها في وعي ولاوعي الجمهور العربي عن إسرائيل، هي تلك الصورة المقترنة في الأذهان بحرب يونيو 1967، صورة الدولة العبرية المنتصرة في الحرب انتصارا ماحقا، الدولة التي تمكَّن جيشها من قهر الجيوش العربية مجتمعة في ظرف ستة أيام، وتمكنت في لحظة زمنية وجيزة، من فرض سيطرتها على الضفة الغربية، وعلى قطاع غزة، وعلى الجولان، وشبه جزيرة سيناء، وألحقت هزيمة قاسية بالعرب.

 هذه الصورة لا يريد الخطابان الإعلاميان، الغربي والرسمي العربي، أن يبرحا عنها ويغادرانها، إنهما يرعيانها، ويتعهدانها بالتذكير بها باستمرار، لكي يجعلاها مكرسة، ومستمرة في العقول والأفئدة العربية على مرِّ العصور.

تسهر الصناعة الدعائية السائدة عالميا، بلا كلل ولا ملل، على إعادة إنتاج هذه الصورة، نشاهد من خلالها الجنود العرب وهم يرفعون أيديهم عالية في السماء استسلاما لجيش العدو الصهيوني، ونشاهد أكواما من العتاد الحربي العربي وهي تحترق بألسنة اللهب في صحراء سيناء، وفي مرتفعات الجولان، نتيجة لقصف الطيران الإسرائيلي، نشاهد ذلك في أشرطة وثائقية وفي فيديوهات، ونقرأ عنه في مقالات، ودراسات، وبحوث وكتب، ويتمُّ الضخُّ الدعائي لهذه الصورة في الفضائيات وفي مواقع النت، وتُنَظَّمُ لترويجها الندوات واللقاءات والمحاضرات..

وواضح أن هذه الرعاية التي تحظى بها هذه الصورة عن انتصار إسرائيل في حرب 1967، ليس الهدف منها استخلاص الدروس والعبر مما وقع، الهدف من هذه العناية بتلك الصورة هو كيُّ الوعي العربي، وخلق القناعة الراسخة عند العرب عموما، والشباب منهم خصوصا، بأن إسرائيل قوة لا تقهر، ولا يمكن أن تُهزم، وأن ما حدث في يونيو 1967، سيتكرر في أي لحظة وفي كل حين، إن حاول العرب تحدّي إسرائيل والتفكير في الدخول في مواجهة معها، وأن ليس أمامهم من خيار سوى القبول بالدولة الإسرائيلية، والاستسلام لها، والرضوخ لمشيئتها..

تقفز الدعاية إياها على الإشارة إلى الحقيقة الثابتة والمتمثلة في أن إسرائيل لم تحقق أي انتصار على العرب منذ حرب سنة 1967، ففي جميع حروبها اللاحقة عن تلك الحرب، مُنيت الدولة العبرية بهزائم مُنكرة، حدث ذلك في حرب الاستنزاف، وفي معركة الكرامة سنة 1968، وفي حرب أكتوبر 1973، وتلقت إسرائيل الهزيمة المُرَّةُ التي لا يمكنها نسيانها في لبنان سنتي 2000 و2006، وفي غزة سنة 2005 عندما فرت بقواتها من هناك، وفشلت في القضاء على المقاومة الفلسطينية، رغم كل الحروب التي خاضتها ضد القطاع المحاصر والمجوَّع..

إسرائيل التي يخُصُّها الخطاب الدعائي الرائج بهذه الهالة من التبجيل والتقديس، تعيش في أيامنا هذه في أسوأ حالتها النفسية، إنها في رعب ليس له مثيل، خوفا من ردِّ المقاومة اللبنانية على استشهاد واحد من عناصرها في قصف إسرائيلي في سوريا. المتطرف ليبرمان اعترف لوسائل الإعلام الصهيونية أن شمال إسرائيل كله مشلول هلعا من انتقام حزب الله لقتل إسرائيل واحدا من عناصره في دمشق..

أمام تنامي قدرة المقاومة، باتت الدولة العبرية بين فكي كماشة، إنها محاصرة من كل الجهات، وهي حائرة في أمرها، فلا هي قادرة على إقامة سلام مع الفلسطينيين طبقا لقرارات الشرعية الدولية، لأنها تخاف من أن يكون ذلك السلام مقدمة لتعرضها للتآكل والزوال والاندثار، ولا هي قادرة على خوض الحرب ضد المقاومة التي أضحت لديها ترسانة من الصواريخ الدقيقة ذات القوة التفجيرية الكبيرة التي قد تتسبب في دمار وخراب وتقتيل لساكنتها، تقتيل لن تكون للدولة العبرية القدرة على تحمُّله..

 انتهى إلى غير رجعة ذلك الزمان الذي كان فيه الجيش الإسرائيلي ينقل الحرب إلى الأرض العربية، ويحتلها ويقاتل فيها ومنها، وكان الجمهور الإسرائيلي يتابع عبر الإعلام إنجازات قواته وهو مسترخ في المقهى أو في الشاطئ أو في غرفته مستلذا برشف القهوة، والاستمتاع بما تصله من أخبارٍ من ميادين القتال، ولّى ذلك الزمان الذي كان الطيران الإسرائيلي يحسم فيه المعارك قبل بدئها.

اليوم، بسبب الصواريخ الدقيقة والفتاكة، باتت الحرب تطال المنشآت الحيوية لمؤسسات الدولة العبرية، وأضحى القصف الصاروخي للمقاومة يصيب رؤوس الصهاينة وأجسادهم، وصار يتجول في أزقة وشوارع المدن الإسرائيلية، وعلى رأسها تل أبيب، وقد يطال هذا القصف في المستقبل مركز ديمونة الذي تعتبره إسرائيل ذرة إنجازاتها العسكرية..

يتعمق المأزق الإسرائيلي أمام تنامي قدرات المقاومة القتالية، يتجلى هذا المأزق ويتوضح في فشل النخبة الإسرائيلية في تأليف حكومة قارة وثابتة وقادرة على إدارة شؤون البلاد، لقد تفاقمت المشاكل الاجتماعية والاقتصادية في دولة الاحتلال، وأضحت المظاهرات تتعاظم مطالبة برأس نتنياهو الذي كانوا يلقبونه سابقا بملك إسرائيل، العديد من المراقبين الصهاينة أصبحوا يحذرون من إمكانية اندلاع حرب أهلية في كيان الاحتلال.

 إسرائيل التي أنشأها الغرب في قلب الأمة العربية والإسلامية لحماية مصالحه، إسرائيل هذه، أضحت في أمس الحاجة للحماية الغربية لكي لا تنهار أمام ضربات المقاومة، وتتعرض للتفتيت والاندثار. إنها في قلب مأزقٍ كبير..

ترويج صورة عن إسرائيل كما كانت عليه في حرب 1967، يروم إخفاء هذا المأزق الخطير الذي توجد فيه حاليا دولة الاحتلال والتغطية عليه، ويستبطن رغبة في أن تظل إسرائيل قوية مهابة الجانب، في أعين من يعاديها، كما كانت في ذلك الزمن البعيد، ترويج هذه الصورة من طرف النظام الرسمي العربي، يعني أن من يقومون بذلك، يتمنون لإسرائيل أن تخرج منتصرة من كل حرب تخوضها اليوم ضد حلف المقاومة، كما فعلت ذلك بالأمس البعيد.

 علينا أن لا نستغرب وأن لا نتفاجأ، إذا ما وجدنا أن بعض الحكام العرب يُقاتلون، في أي حرب مقبلة، كتفا إلى كتف، مع الصهاينة، ويحاربون في صفِّهم، حرصا منهم على بقاء دولة إسرائيل، لأن مصالح الطرفين أضحت متشابكة ومتماهية، ولاشك في أن في هذا الخيار، افتقادا كاملا لأي شرعية لهؤلاء الحكام، وسيكون في ذلك انتحار مؤكد لهم، وقضاء مبرم على حكمهم الظالم والفاسد والمناهض لتطلعات شعوبهم..

كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. لقد اثبتت الحقائق ان جميع ما يسمى بالحروب العربية مع ذلك الكيان العنصري لم تكن سوى مسرحيات فاشلة
    لتغطية خيانات ومؤامرات وتنازلات
    لقد استعادت امتنا وعيها كاملا ولم يعد تضليلها سهلا كما كان
    تحياتي…

  2. نعم.. بعد أيام من نكسة حزيران 1967 قال الصهاينة أنهم كان يمكنهم احتلال لبنان بالفرقة الموسيقية التابعة لجيش الاحتلال. أما الآن وبعد أن ازدادت قوة (اسرائيل) أضعافا مضاعفة فهي ترتعد بعد استشهاد رجل لبناني واحد.. أوهن من بيت العنكبوت

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here