عبدالسلام بنعيسي: العلاقة بين القاعدة وداعش وأمريكا.. وانتشار كرونا

 

عبدالسلام بنعيسي

الحكمُ هو التوقُّعُ. كنا نتصور أن الغرب يضع هذه القاعدة نصب عينيه، وأنه يبني سياساته الاقتصادية والصحية والثقافية والاجتماعية بناء على الدراسات المستقبلية والإعداد للاحتمالات المنتظرة، وأساسا منها الاحتمالات السيئة والخطيرة والمهددة لكيانات مجتمعاته. كان يتهيأ لنا أن الغرب يضع الخطط والبرامج الكفيلة بمواجهة حالات الطوارئ والأخطار الكبيرة التي قد تنجم عن قصف بالسلاح النووي، أو الكيماوي، أو الجرثومي، أو عن كوارث طبيعية مدمرة، وأنه قادرٌ على التصدي لكل المفاجآت غير السارة التي تخطر أو لا تخطر على البال..

غير أن وباء كرونا وتفشيه السريع والخطير في البلدان الغربية، وعجزها حتى الآن عن التصدي لمضاعفاته، ولمخلفاته الكارثية، سواء على الإنسان، أو الاقتصاد، أو الاجتماع، أبان لنا أن هذا الغرب ليس بالقوة، وبالتخطيط، وبالدراسة، وبالتوقع الذي كان يبدو لنا أنه عليه..

فمقابل التهميش الذي باتت تحظى به القطاعات الاجتماعية مثل الصحة في الغرب، وقع التركيز في العقود الأخيرة، بقيادة أمريكا، على الإنفاق على برامج التسليح الغزير، التسليح بكل أشكاله وألوانه، فلقد صوّت أغلبية أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي، لصالح إقرار ميزانية وزارة الدفاع لعام 2019 بقيمة 717 مليار دولار. وكان مجلس النواب قد مرر مشروع القانون ذاته، بموافقة 359 نائباً مقابل رفض 54. وبحسب بيان صادر عن وزارة الدفاع “البنتاغون”: ” كان هذا أسرع مشروع قانون يمرره مجلس الشيوخ خلال آخر 20 عاماً”.

إننا أمام ميزانية ضخمة جدا، وهذا إنفاق يصل إلى حد التبذير، والملفت هو أن نواب الأمة الأمريكية وافقوا عليه بسرعة فائقة، وبنسبة عالية جدا، الأمر الذي يبين أن النخب الحاكمة في الغرب باتت لا تنطلق في اتخاذ قراراتها من المصالح التي تنتظرها منها الشعوب التي يفترض أنها تنتخبها لتسيير شؤونها، ومراقبة كيفية تدبير ماليتها، وإنما أضحت تلكم النخب تتصرف بما تمليه عليها الشركات العملاقة التي تمول حملاتها الانتخابية، الشركات المكلفة بإنتاج الأسلحة وإنتاج النفط والغاز، والتي تعمل بانتظام لاستمرار سيطرتها على الاقتصاد العالمي وتوجيهه بما تستدعيه مصلحة هذه الشركات العابرة للقارات..

وإذا ما تأملنا أين تنفق أموال دافعي الضرائب الأمريكية في منطقتنا، سنجد أنها تنفق في حروب يتم فيها تدمير دولنا، فلقد أنفقت الإدارات الأمريكية المتعاقبة عشرات الألوف من مليارات الدولارات لغزو أفغانستان ثم العراق، ولتدمير سوريا وليبيا واليمن، وماذا كانت نتيجة كل هذا الإنفاق المالي على هذه الحروب؟

لقد خرجت واشنطن خاسرة من الحربين في العراق وافغانستان، بل ها هي تمهد الطريق للقبول بعودة طالبان إلى حكم أفغانستان وهي التي احتلته من أجل طردها من الحكم، وها هي سياسة أمريكا تفشل في سورية ولم تصل إلى مبتغاها في ليبيا واليمن، بل إن إسرائيل التي أنفقت أمريكا لحمايتها ما لا يعد ولا يحصى من أموال، تواجه تهديدا حقيقيا من قطاع غزة المحاصر، ومن صواريخ حزب الله في جنوب لبنان..

فالميزانيات المهولة التي تنفقها أمريكا على التسليح والحروب تكاد تذهب هباء منثورا، إنها بمثابة تبديد وتبذير للمال العام الأمريكي، فلو أن عُشُرَ ما أنفقته أمريكا على التسليح والحروب، وعلى إنشاء داعش والقاعدة، لافتعال محاربتهما، من أجل فرض السيطرة على المنطقة، لو أنها اهتمت ماليا بالقطاع الصحي بدل الانشغال، حد الهوس والجنون، بالحروب، لكانت واشنطن ومن ورائها الغرب، مهيأة لمواجهة كرونا وللتصدي لها، ولما كان هذا الوباء قد تفشى في أمريكا وفي الكرة الأرضية إلى هذا المستوى المرعب.

أمريكا هي التي تقود العالم حاليا، وتسوقه في الوجهة التي تشاء. هي التي تحدّدُ، بقوتها وجبروتها، أجندته وتوجهاته، ولذلك فإن المأزق الذي تتخبط فيه البشرية جمعاء، نتيجة استفحال وباء كرونا في جهات الدنيا الأربع، تتحمل السياسة الأمريكية الصلفة والعدوانية الجزء الأكبر من المسؤولية فيه، لا يمكن تحميل المسؤولية لسورية المحاصرة، أو للعراق أو اليمن أو ليبيا المدمرة من طرف أمريكا، ولا للهند، ولا لسويسرا، ولا لكوبا، أو فنزويلا..

إنه لأمر مخجل أن يقال لنا إن فيروس كورنا فاجأ بسرعة انتشاره الدول العظمى، وعلى رأسها أمريكا، وأدى ذلك إلى عدم قدرتها على استيعاب العدد الكبير للمصابين، وعدم إيجاد وسائل التطبيب لهم، لأن البيئة الصحية لتلك الدول كانت معدة للتعامل مع الأمور في وضعها الطبيعي، وليس الطارئ..

 فنحن هنا بهذه التخريجة، إزاء أنظمة حكم، رغم أنها أنظمة لدول كبرى، فإنها لا تدبر شؤون شعوبها بمنطق التوقُّع والتهيؤ للأسوأ، والاستعداد لمواجهته والتصدي له، إننا أمام أنظمة حكم، تعيش في المجال الصحي، يوما بيوم، إنها كباقي الدول المصنفة من طرفهم، دولا متخلفة، وديكتاتورية، وقمعية، وفاسدة..

كاتب مغربي

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here