عبدالرحمن عبدالله: حل الحزب الحاكم السابق في السودان: رغبة جماهيرية و املاء خارجي

عبدالرحمن عبدالله

هناك في علم التمويل ما يعرف بال Special Purpose Vehicle (SPV)، وهو ما ترجمته “القاطرة ذات الغرض المحدد”. وهو عبارة عن جهة ذات استقلالية قانونية (اسم عمل او شركة ذات شخصية مستقلة) يتم تكوينها بواسطة عدد من الشركاء الذين هم بصدد الدخول في شراكة محددة لتنفيذ مشروع محدد. ومن ثم يتم في العادة حل هذا ال SPV فور انتهاء المشروع او بنهايةالشراكة. عليه فإن إنشاء ال SPV ليست هدفا في حد ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق هدف محدد.

إذا تصورنا إمكانية قيام “قاطرة ذات غرض محدد” لخدمة غرض سياسي معين (political SPV)، فإن المؤتمر الوطني السوداني  تنطبق عليه وبامتياز هذا التصور الذهني المتوهم. فهو ليس كيان سياسي اصيل صاحب افكار أصيلة، وإنما جسم سياسي أنشئ في ظروف معينة ليمثل رافعة سياسية تحشد و تستوعب اكبر قدر من السياسيين (المغادرين لأحزابهم القديمة) وقيادات الإدارة الأهلية والمتصوفة والتجار والصناع والشباب والمرأة وأهل الفن والرياضة بل وحتى القساوسة و رجال الدين المسيحي. اقتضت الفكرة إذن استيعاب هذا الكم من القيادات والشخصيات غير المتجانسة في جسم جديد اريد له ان يكون “الوعاء الجامع لأهل السودان”؛ وهو تنظير يخالف أبجديات الممارسة الديموقراطية الغربية. ظنت الحركة الإسلامية انها عبر كيانها الوليد ستتجاوز العصبيات السياسية و ستحصل على الشرعية السياسية عبر الزخم الذي يوفره البناء الحديث (وهذا ما تحقق، على الأقل في حده الأدنى).

لكن القوى الجديدة الوافدة جاءت بتطلعاتها و اطماعها و ثقافتها، وهو الشيء الذي لم يرض طموح عضوية الحركة. ثم ان قسمة السلطة والثروة بين القدامى والقادمين خلقت نوعًا من الشك المتبادل والصراع الخفي، تطور الأمر الى خلاف بين بين اعضاء الحركة الاصيلين والذين حاولوا الاستفادة من القادمين الجدد في خلق مراكز قوى ذات طموحات متباينة. استطاع الرئيس البشير استغلال هذا الصراع بين مراكز القوة لصالحه، بل انه اتقن فن العزف على التناقضات. خلاصة القول ان المؤتمر الوطني أعطى زخما كبيرا للمشروع السياسي للإنقاذ، لكنه لم يرض طموح و أشواق اصحاب المشروع الأصليين “hardliners”؛ حتى اصبح تصنيف “مؤتمر وطني” نوعا من أنواع التندر بين عضوية الحركة، يطلقونه على من يظهر حرصًا على مصالحه الخاصة.

على مستوى الشارع العام، فإن ذات الصورة القاتمة للمؤتمر الوطني قد انتشرت مع فارق جوهري، وهو ان كافة أعضاء المؤتمر الوطني (بما فيهم عضوية الحركة الأصيلة) هم اصحاب مصالح شخصية و نوايا وضيعة. ساهمت في ذلك عدة عوامل منها:

  1. ملفات الفساد الصادمة التي كان ابطالها أعضاءًا بارزون في المؤتمر الوطني والتي ظلت قيادته تتستر عليها رغم فداحتها.

  2. الامتيازات غير المقبولة التي كان يحصل عليها اعضاء المؤتمر (سواء عبر التوظيف او غيره) والتي احدثت نقلة بالزانة في اوضاعهم المعيشية.

  3. المؤسسات الشبابية والطلابية التي قدمت أسوأ النماذج في استغلال الأموال والامتيازات من قبل شباب احداث لا خبرة لهم سوى الانتماء المتوهم.

كل هذه الأسباب (وغيرها) ساهمت في خلق جفوة بين الجماهير و هذه الشجرة التي مثلت لهم نبت شيطاني، وعمل غير صالح. قناعتي الشخصية ان المؤتمر الوطني لم يكن سوى PSPV لتنفيذ أهداف سياسية، وقد استنفذ اغراضه التي أنشئ من اجلها واستحال الى فكرة مجهدة exhausted idea. كان الأجدر بقيادات الوطني ان يقوِّموا كيانهم ويعمدوا الى صيانته و تطهيره، لكن الأمر أعجزهم واعياهم حتى اصبح الكيان مرتبطا في الأذهان بالشهوة والفساد (شباب حول الرئيس نموذجا).

قبل عام ونيف؛ نشرت مقالا تناولت فيه مفهوم “خطة التخارج Exit Plan”،وهي فكرة مشهورة في عالم البورصات والاستثمار. بيد أني حاولت تطبيق الفكرة على عالم السياسة. خلصت في مقالي ان على قادة المؤتمر الوطني البحث عن “خطة خروج Exit Plan” فالحقيقة التي لا تقبل التشكيك هي ان المؤتمر الوطني قد مات سريريًا واستنفد كل اغراضه، وان نهاية الرئيس البشير مسألة زمن ليس الا. كان بإمكان قادة المؤتمر الوطني ان يقودوا زمام المبادرة ويقرروا مصيرهم بأنفسهم؛ لكنهم تباطؤا حتى جاء الأمر من الخارج.

وانا لا ازعم هنا ان دور الحركة الإسلامية قد انتهى بنهاية المؤتمر الوطني؛ بل احسب ان الظروف ربما خدمتها بالتخلص من اثقال و تبعات ذلك الجسم المعطوب. فالفرصة الان مؤاتية لمراجعة التجارب والخروج عبر ثوب بديل و خطاب جديد بدلًا عن التباكي على الشجرة المجثوثة.

في حلقة حوارية نظمتها ال Atlantic Council الشهر الماضي في واشنطون خاطبها الوزير د. ابراهيم البدوي، نبه المبعوث الأمريكي للسودان السفير دونالد بوث الى ان الحكومة الحالية يجب عليها حل المؤتمر الوطني. لكن السفير بوث لم يتوقف عند هذا الحد، بل مضى ليفجر مفاجأة من العيار الثقيل عندما ربط بين تجنيد الأطفال (في إشارة الى قوات الدعم السريع في اليمن) وعدم رفع السودان من قائمة الإرهاب. ما لفت انتباهي هو ان الوزير البدوي لم يحاول الدفاع عن قوات الدعم السريع؛ بل لاذ بالصمت الذي قد يفهم منه الإقرار. على صعيد متصل اجرت إذاعة ال NPR الامريكية لقاء إذاعيًا مع رئيس الوزراء الدكتور عبدالله حمدوك خلال زيارته الحالية لواشنطن؛ شنت فيه هجوما عنيفا على قوات الدعم السريع (وقائدها الفريق حميدتي). ابرز ما جاء في الحوار هو تعهد حمدوك بمقاضاة و محاسبة الفريق حميدي وقواته حال ثبوت طورتهم في أعمال فض اعتصام القيادة.

 المحصلة التي خرجت بها بعد حضور جلسة ال Atlantic Council و لقاء ال NPR هي ان الضحية القادمة ربما كانت قوات الدعم السريع؛ وان الولايات المتحدة تضع المؤتر الوطني والدعم السريع في نفس الخانة. فهل يستفيد الدعم السريع من خطأ المؤتمر الوطني ويقوم بالبحث عن خطة مقبولة للخروج الامن Secured Exit Plan.

هيوستن، تيكساس

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. Not sure whether you are passing a message or stating an opinion, however, remains to be seen what will the US dictate next.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here