عبدالرحمن عبدالله: انحسار الإسلام السياسي في المنطقة: هل يمضي السودان نحو النموذج المصري

 

عبدالرحمن عبدالله

قدم البروفيسور هليل فريش أستاذ الدراسات السياسية ودراسات الشرق الأوسط بجامعة بار إيلان الاسرائيلية، والباحث في مركز بيغن السادات للدراسات الاستراتيجية ورقة بعنوان : “الإسلام السياسي آخذ في الأفول”. حشد فيها عددا من الشواهد والملاحظات التي جعلته يخرج بهذه النتيجة، احد اهم الشواهد التي اعتمد عليها في حكمه هو ردة الفعل الضعيفة في الشارع العربي لوفاة الرئيس المصري السابق الدكتور محمد مرسي. على الرغم من اهتمامي وحرصي على قراءة التحليلات الصادرة عن مركز بيغن السادات؛ لما فيها من مادة جيدة تتيح للمثقف العربي التعرف على طريقة تفكير النخبة السياسية في إسرائيل؛ الا ان ورقة البروفيسور هليل افتقرت في نظري الى التحليل الدقيق؛ وقفزت الى الخلاصات دون تقديم ما يدعمها من شواهد. لكن على الرغم من ذلك، جاء حديثه عن السودان مثيرًا. قبل ان ادلف إلى موضع الإثارة؛ لابد من الإشارة الى علاقة بروفيسور هليل بالمنظومة الأمنية الاسرائيلية. فقد عمل مستشارا لوزارة الدفاع، دفعته علاقاته بدوائر صنع القرار الاسرائيلي إلى الاهتمام بالشأن السوداني؛ وهو ما أتاح له زيارة جوبا (عاصمة جنوب السودان) عدة مرات بعد انفصال الجنوب.

في معرض تحليله للشأن السوداني؛ ربط البروفيسور بين نهايات الثورة المصرية ومآلات الثورة السودانية. فأوضح ان القوى المدنية التي تقود المشهد السوداني يمكن وصفها بالضعف وقلة الخبرة وعدم التماسك. بينما اثبت  المكون العسكري انه اكثر انضباطا وتماسكا ومقدرة على فتح خطوط التواصل. هذه النقطة الأخيرة جعلت العسكر (في مرحلة من المراحل) يستبعدون خيار تقاسم السلطة مع المدنيين، لكنهم تراجعوا امام الضغط الجماهيري والانحياز الذي ابداه الثوار لقوى الحرية والتغيير. في المقابل لم تتمكن قوى الحرية والتغيير من الحفاظ على ديناميكية الثورة وبدأ الخلاف يدب بين مكوناتها وهو الشيء الذي بدأ يفقدها تعاطف الثوار.

ثم طرح البروفيسور السؤال التالي “ما هو مستقبل هذه الشراكة؟” فيجيب قائلا: “في اعتقادي ان العسكر يشترون الزمن ويراهنون على تراكم اخطاء المكون المدني والذي سيفقده ما تبقى من ولاء الجماهير. اذا ما أخضعنا تنبؤات البروفيسور لمزيد من البسط والتحليل والتفسير؛ فكأنه يقول “في الوقت المناسب سينقض العسكر على السلطة بطريقة هي اقرب للنموذج السيساوي، عندها لن يجد العسكر القبول الجماهيري الذي يعطيهم الشرعية؛ لكنهم لن يواجهوا ايضا بمعارضة قوية ورفض من الشارع. هذه الحالة الملتبسة ستمنحهم ما يعرف بشرعية الأمر الواقع”.

لابد لنا من الربط بين تحليل البروفيسور هليل و التقرير الذي اصدره المركز الأطلسي للدراسات في واشنطن (بعد حوالي شهر من الإطاحة بنظام البشير). فقد حذر التقرير القيادة الأمريكية من مغبة الانسحاب من المشهد السوداني و تسليمه للمحور الخليجي. بل ان التقرير ذهب ابعد من ذلك حين ذكر “ان عدم اهتمام واشنطن بما يدور في السودان من شأنه ان يعطي دورًا اكبر للمحور الخليجي ويسمح لهم بالتحكم في مآلات الأحداث في بلد يمثل عنصرًا هامًا لأمن البحر الأحمر و أفريقيا. هذه الدول الصغرى ذات الخبرات المتواضعة غالبا ما تقدم مصالحها الذاتية قصيرة المدى على المصالح العالمية الكبرى والأهداف بعيدة المدى. فقد ورد عن مصادر متعددة سعيها إلى اعادة تشكيل الجيش السوداني؛ وهذا امر خطير  قد يحدث ضررا بالغا بالمصالح الأمريكية واستراتيجيات الأمن القومي و مكافحة الإرهاب في المنطقة. في خاتمة التقرير، وجهه معدوا التقرير جملة من النصائح لصناع القرار في واشنطن تلخصت في الآتي:

ليس من المصلحة إقصاء الجيش السوداني من ادارة المشهد؛ بل يجب ان يكون له دور في المرحلة الانتقالية.

يجب التسريع في إعادات العلاقات الأمريكية مع السودان و ترفيع التمثيل الدبلوماسي الأمريكي في الخرطوم.

يجب على واشنطن التعاون مع الاتحاد الأوربي و بريطانيا في الملف السوداني (بدلا من التعاون مع دول المحور). في هذا الإطار يستحسن تسمية شخصية دبلوماسية عالية المستوى للعمل كممثل للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في السودان.

المركز الأطلسي عقد جلسة لمناقشة الوضع الاقتصادي السوداني في منتصف اكتوبر في واشنطن. خاطب الجلسة وزير المالية السوداني. ابراهيم البدوي اضافة لمندوبي كل من امريكا، بريطانيا و النرويج في السودان. جاءت لهجة المندوب الأمريكي (والممسك بملف السودان في وزارة الخارجية الأمريكية) حادة تجاه المكون العسكري (في تناقض مع روح التقرير الذي اصدره المركز من قبل)، فقد أشار دون مواربة الى ان احد العوامل التي تدفع واشنطن للإبقاء على اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب هو استخدام الأطفال في القتال (وهو ربما يشير هنا إلى التقارير التي وردت مؤخرا عن عدد من المنظمات الحقوقية والتي اتهمت قوات الدعم السريع بإرسال الأطفال للقتال في اليمن). تجاهل المندوب ذكر الدور الذي تقوم به هذه القوات في الدفاع عن اكبر حلفاء واشنطن في المنطقة؛ ثم ختم حديثه برسالة للحكومة السودانية حثها إلى ضرورة حل حزب المؤتمر الوطني (حزب الرئيس المعزول عمر البشير، والذي يصنف ضمن تيارات الإسلام السياسي في المنطقة). في المقابل جاء حديث المندوبين البريطاني و النرويجي اكثر تعقلًا و حكمة.

حديث وانطباعات المندوب الامريكي لا تمثل بالضرورة وجهة نظر واشنطن حول ما يجري في السودان؛ فمن المعروف ان هناك ثمة اختلاف قديم في وجهات النظر بين ال CIA و البيت الأبيض حول كيفية التعاطي مع الشأن السوداني. لكن اكثر ما اثار انتباهي في طرحه انه لم يستفد من تجارب واشنطن في العراق وأفغانستان. فقد اضطرت واشنطن مرغمة بعد سنوات من الحرب (التي أدت الى خسائر فادحة في صفوف الجيش الأمريكي والمدنيين العزل في تلك الدول) الى الجلوس مع نظامي البعث في العراق و طالبان في أفغانستان للوصول الى تسوية تنهي العنف وتضمن الاستقرار في تلك الدول (وهذا ما حاول تقرير المركز الأطلسي للدراسات لفت انتباه الحكومة الأمريكية اليه). فهل يريد المندوب الامريكي للسودان ان يمضي في ذات المستنقع المشؤوم قبل ان تضطر حكومته الى البحث عن قادة المؤتمر الوطني للتفاوض معهم والبحث عن دور لهم في العملية الديموقراطية في البلاد.

 شيكاغو

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here