عبدالرحمن سعد: السودان… مصالحة البيض والسود

عبدالرحمن سعد

بعد متابعة لردود الافعال التي اعقبت سقوط نظام البشير في السودان ، وبعد سنوات من الكفاح ضد حكومة عسكرية إسلاموية اضرّت بالعباد والبلاد و تراكمات من الغبن الشديد جراء سياسة فاشلة مستبّدة غيّر من وجه السودان المسامح الكريم النزيه، وبعد إذلال طال جميع السودانيين عبر قمع و تسلّط وتفريغ لكل ما هو انساني … وخلال الحراك الشعبي من ديسمبر العام الماضي وحتى أبريل المجيد الخالد في ذاكرة السوداني النضالي منذ 1985 التى ازاحت نظام النميري الجائر في تلك الفترة…. وانتظام شباب وشابات السودان في مقدمة الحراك الثوري الذي افضى لسقوط نظام استنفذ كل اسباب البقاء…. وتلك الفرحة التي ارتسمت علي وجوه السودانيين والسودانيات الكاحلة الكادحة في سبيل كريم حياة يستحقونها بحجم خيرات بلد مثل السودان بكل مقوماته الزراعية والحيوانية و المعدنية و قوى عاملة مؤهلة قادرة علي صناعة تغيير و تطوير شتى مناحي القطاعات المتبابنة، تلك الابتسامة مع فيض الدموع المحبة لوطنها السودان…… وطن النيل العظبم والناس الطيبة دوما….

كانت ردود الأفعال حاملة في طياتها مآسي كل فرد من ظلم طاله هو ذاته او قريب او جار…. تشريد العاملين والموظفين من الخدمة العامة، تسييس الخدمة العامة بكل ضروبها، التنكيل بالمعارضين علي فساد أنظمتها العاملة….

هنا لابد من التذكير بخيرية وعفة من ناضلوا وكافحوا واسمى مكانة هي لمن قدموا ارواحهم فداء هذا الوطن من أجلنا جميعا فالتذكير بمن استشدوا من ابناء وبنات وطننا العزيز… وانصافهم واخذ حقوقهم قانونيا أمرا لا نظرة فيه….

ما قام به المؤتمر الوطني / حكومة الجبهة الاسلامية من خراب ممنهج للدولة السودانية يحتاج لكثير جهد و طول نفس لإعادة بنائه…

وكما هو معلوم بأن فعل النظام هو الذي يحدّد رد فعل الشعب، وبعد إلاء الأمر للجيش بعد اعتصام دام لعدة أيام امام قيادة الجيش السوداني والمناداة بإنحياز الجيش للشعب و مطالبه العادلة( حرية سلام وعدالة ) ،انحاز الجيش للمطالب الجماهيرية وكان السقوط للنظام في فترة يترتب عليها مسئولية بحكم إجماع الثوّار، مع العلم بأن طول سنوات حكم البشير قد كونت طبقة إجتماعية تدور مصالحها حول البشير ونظامه الحاكم وقتها وهي إما مستفيدة من بقاء النظام أو مؤمنة بطرحه الذي يتماشي و طموحاتها… وعلي سبيل المثال حدث أن نال ( المحايدون ) في جامعة الخرطوم إدارة إتحاد الطلاب في العام 1992م ، بيد أنهم فشلوا او بالاحرى فشلوا بغرض اسقاط اي تنظيم يحاول كسب الإنتخابات في المستقبل… وذلك كون أن مفاتيح ادارة الاتحاد و ممتلكاته ظلت خافية عنهم كما إن الاتحاد وقتها لم يقوى علي تقديم حتى الخدمات الاساسية للطلاب مما شكّل فكرة سقوطه المستقبلية…. هنا لابد من ذكر أن الطبقة الإجتماعية الحاكمة مسبقا هي المالكة لمقاليد الاقتصاد والسياسة علي علاتها وأي صدام قد يؤدي لخسائر اجتماعية واقتصادية وأمنية فادحة، كما أن التحوّل الديمقراطي يحتاج للتدرّج وعدم التسرّع فيه، المناداة بحل جهاز الأمن الوطني بدلا عن إعادة هيكلته والتهديد والترويع لأسر المنتسبين للنظام السابق والهجوم علي منازل ومقار منتسبي المؤتمر الوطني وملاحقتهم والدعوة لإجتثاثهم تؤدي حتما للصدام….. فما المطلوب ؟

المطلوب هو أحداث خطاب يخاطب جموع السودانيين بمن فيهم المؤتمر الوطني بأن زمن التسلّط والقهر قد ولّى وإن الحقوق لابد أن تصان ، و المصالحة بين الجميع مع الاحتفاظ بحق التحاكّم وتقديم المجرمين في حق البلاد للقضاء وحفظ نزاهة وعدلية القضاء،وان الحق مكفول للجميع وكل من ثبت فساده سيحاكم حفاظا علي حقوقية و قانونية المطالب وإشاعة العدل للجميع وعدم الركض خلف أخذ الحق باليد فتشيع الفوضي ، ومن يريد تحوّل ديمقراطي لا يجعل همه الانتقام مثلما حدث في جنوب افريقيا من مصالحة ومكاشفة، كما ان يشمل الخطاب الديمقراطي الكل والعمل علي تفادي الدائرة الخبيثة ( حكم ديمقراطي- انقلاب عسكري- انتفاضة- حكم ديمقرطي) وذلك بترسيخ أسس وقواعد تصون الحقوق المدنية والحرية والتبادل السلمي للسلطة لتصبح ثقافة مجتمعية سائدة يحافظ عليها المجتمع كله ويصونها الجيش..

وحفظ الله بلادنا وأهلنا.

كاتب سوداني*

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here