عباس ليس مخولا للتحدث باسم الشعب الفلسطيني

 

 

بروفيسور عبد الستار قاسم

كان رد فعل عباس رئيس السلطة الفلسطينية غير الشرعي على صفقة القرن قويا، وولد في النفوس الفلسطينية أملا جديدا في إحداث تغيير جوهري يُخرج الشعب من وضع المهانة والهوان إلى وضع من الكرامة والعزة. لقد هدد وتوعد، ووعد بمرحلة فلسطينية جديدة، ودعا الفصائل إلى اجتماع، وضرب لحن الوحدة الوطنية. بعث كلامه تفاؤلا في الشارع الفلسطيني على الرغم من إدراك الفلسطينيين من قدرة الأعداء على مضايقتهم معيشيا في حال أصبح هناك منحى فلسطيني جديد يحرص على الحقوق الفلسطينية.

لكن مفعول خطاب عباس لم يدم طويلا بعدما قرر الذهاب إلى جامعة عربية غير موثوقة ومتآمرة أحيانا وألقى خطابا دمر ما أتى به في خطابه الأول. قال عباس إنه قطع علاقاته مع الصهاينة والأمريكان وبالتحديد العلاقات الأمنية. لكنه أشار إلى أنه بعث برسالتين إلى نتنياهو وترامب بشأن قطع العلاقات. وهنا لا بد من طرح السؤال: هل يتطلب قطع العلاقات إرسال رسائل؟ مجرد إرسال رسالة يعني الحنين إلى العلاقات، ويشير إلى أن النفس تبقى تواقة لاستمرار ما كان مألوفا. وهذا بحد ذاته يدعو الأعداء إلى الاستمرار في الاستهزاء من الفلسطينيين وممن يقودهم ولو بصورة غير شرعية. وبالإضافة، كانت رئيسة وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تزور رام الله في الوقت الذي كان يعلن فيه عباس قطع العلاقات الأمنية. وقالت السيدة الرئيسة إن التنسيق الأمني ما زال قائما ومستمرا. ألا يجب أن نحمد الله على وجود أعداء لنا يقولون لنا الحقيقة؟

والأهم أن عباس أباح وبوضوح أنه طالب بدولة فلسطينية منزوعة السلاح. أي أنه لا يريد دولة. وهذا ما رددته على قرائي ومستمعي عبر السنوات. قلت للناس إن أعمال عباس وسياساته لا تشير إلى أنه يريد إقامة دولة فلسطينية، وإنما تؤدي أعماله وسياساته إلى تدمير كل ما من شأنه أن يؤدي إلى إقامة دولة حقيقية. طبعا إذا كانت الدولة بدون سلاح فهي ستكون بدون سيادة. وأي كيان أو تجمع لا يقوى على الدفاع عن نفسه أو لا يعد العدة للدفاع عن نفسه لا يمكن أن يكون صاحب سيادة إلا إذا قرر الآخرون تركه وشأنه. السلاح مقوم وعامل أساسي في تأكيد سيادة الدولة، والدولة التي تنقصها السيادة ليست دولة. أركان الدولة يتم اختصارها بالأرض والشعب والسيادة. دولة عباس بلا أرض وبلا سيادة. هم (أصحاب أوسلو) لا يريدون دولة، ولو كانوا يسعون لإقامة دولة لما كانت تصرفاتهم الداخلية على الشاكلة التي خبرناها منذ عام 1993.

والسؤال الكبير يتمثل في: كيف ستكون هناك مصالحة فلسطينية إذا كان عباس يريد دولة بدون سلاح؟ المعنى أنه سيعمل على نزع سلاح المقاومة مثلما يطلب ترامب. وهل تقبل المقاومة التخلي عن سلاحها؟ بالنسبة للشعب الفلسطيني أو أغلبيته، سلاح المقاومة مقدس بينما التنسيق الأمني ليس مقدسا وإنما قذر ونجس ودنس. وسلاح المقاومة هو الظهير الوحيد الذي يمتلكه الشعب الفلسطيني الآن، وملاحقته يعني تجريد الشعب الفلسطيني من مصدر قوته الوحيد. وهنا لا بد من التأكيد على أن السلطة الفلسطينية منذ إنشائها حتى الآن وهي تعمل على إضعاف الشعب الفلسطيني أمنيا وعسكريا واجتماعيا وأخلاقيا واقتصاديا وثقافيا وعلميا وتعليميا وتربويا وماليا. لم يترك رئيس السلطة فرصة لإضعاف الشعب إلا استغلها ومن ضمنها إضعاف حركة فتح.

من يرمي إلى نزع سلاح المقاومة لا يريد مصالحة ولا يريد إقامة وحدة وطنية فلسطينية.

هرول عباس إلى الفصائل الفلسطينية والجامعة العربية لاكتساب شرعية لأعماله ونشاطاته. هو يدعو الفصائل للاجتماع كما العادة لكي يوصل رسالة للشعب الفلسطينية مفادها أنه شرعي ما دامت الفصائل تستجيب له. والفصائل ساعدته كثيرا على الخروج من أزماته دون أن يفي بوعوده لتحقيق مصالحة ووحدة. وبعض الفصائل للأسف الشديد تعلم أنها موضوع المؤامرة والتعاون مع الخارج من أجل التخلص منها، لكنها لا تملك من الفكر السياسي ما يؤهلها لتقييم أضرار أعمالها على المقاومة وعلى الشعب. وهو يذهب إلى الجامعة العربية لاكتساب شرعية عربية علما أن أمين عام الجامعة العربية من كبار المطبعين مع الكيان الصهيوني، وبعض دول الخليج المتآمرة مع الصهاينة هي التي تسيطر على الجامعة وتوجهها. والجامعة تضم ثلاثة أطراف يعترفون بالكيان الصهيون وهم مصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية.

المشكلة أن عباس لا يحترم الشعب الفلسطيني، وهو يختطف الشعب منذ   عام 2009 عندما انتهت مدته كرئيس للسلطة. بلغ من العمر عتيا وهو لا يعرف طريقه نحو إقامة الشرعية. وهو لا يعرف مدى الفوضى المترتبة على عدم وجود شرعية وعلى اغتصاب السلطة رغم أنوف الناس. لو كان صاحب إنجازات عظيمة، وصاحب خطط واستراتيجيات وبرامج يطرحها على الشعب لتبنيها من أجل مواجهة التحديات لغض العديد من الناس الطرف عن أعماله، لكنه على مدى سنوات تسلطه لم يطرح برنامجا ولا خطة ولا رؤية على الشعب من أجل تمتين قواه، ولم يطلب من الشعب حشد القوى والطاقات من أجل مواجهة مخططات الأعداء. وفي حال غياب الشرعية تسود الفوضى ويسود التمزق وتسود الفتن. هو غير مكترث بكل هذا. وسبق أن تحدثت حول هذه المسألة مرارا على الشاشات. وذات مرة اعتقلوني أنا على اعتبار أنني أثير فتنة، بينما عباس هو الذي يصنع الفتن بسبب امتناعه عن تطبيق القوانين الفلسطينية. النيابة الفلسطينية العامة تغض الطرف عن انتهاكه للقوانين وكذلك أغلب المحامين والقضاة الذين يجب أن يكونوا في مقدمة الناس المدافعين عن إقامة الشرعية. عباس ومن معه  يجب أن يحاكموا حول انتهاكهم للقوانين، وتجب محاكمة كل الذين تستروا على هذه الانتهاكات.

وعلى هذا، أدعو الشعب الفلسطيني إلى عدم الإفراط في التفاؤل بأن صفقة القرن لن يتم تطبيقها. فإذا كانت عناصر من السلطة، وفق تحقيق قامت به شبكة الجزيرة حول تسريب عقارات في القدس، تغض الطرف عن عمليات التسريب أو بعضها، فهل سيكون هناك من يقبض مالا مقابل تسهيل اعتداءات الصهاينة؟ الوضع الفلسطيني مزري جدا على كافة المستويات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والوطنية والأمنية والأخلاقية، ولا يصحح الوضع إلا الشعب الفلسطيني نفسه. ولهذا يجب ألا نكون أسرى للرواتب وإنما للوطن والمواطنين فقط. مستقبل البلاد والأجيال في خطر شديد وعلينا أن نتدارك أمرنا لنحسن أوضاعنا. الحلول لما نحن فيه متوفرة ومنها ما قد تم نشره على مدى السنوات، وكل من يرغب في الاطلاع يتم العمل على تزويده بما يلزم. وهنا لا بد من القول إن الصهاينة والأميركان لن يكتفوا بالاستيلاء على الأرض، بل هم يريدون الأرض بدون سكان. وعليه سيعملون في المرحلة التالية على خنقنا أمنيا ومعيشيا من أجل أن نهاجر باحثين عن أسباب المعيشة. علينا وعلى الأردنيين الحذر الشديد  مما هو قادم. وإذا بقينا على ما نحن فيه وعليه فإن الأعداء سينجحون في تحقيق ما يريدون.

كاتب واكاديمي فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

13 تعليقات

  1. يبدوا ان سلطه الشماته برام الله وسلطه خماس بغزه يرفضون صفقه ترامب كما يقولوا ولكن الحقيقه ان كل واحد منهم مرتاح على وضعه كما هو.
    الذي يعاني هو المواطن اما السياسه فأصبحت اوجههم كالحذاء البالي لايخجلوا ولايستحوا ولايوجد اصلا اي تعابير انسانيه عندهم.
    ماذا ينتظرون بحل رقابهم وسلطتهم معا؟ متى بدهم يفهموا بانهم موظفيي الشعب وليس مالكين له، عندما تصل الأمور إلى هذا الحد من الرذاله وقله الحياء عند المسؤل فيقوموا بالجزمه وليست بغيرها.
    حماس تطلب مت عباس حل السلطه ولماذا لم تحل هي سلطتها؟ وعباس يدعوا الجميع للمشاوره تحت عبائه شرعيته للتأكيد بأن خيانته شرعيه.
    وبعد هذه الهبه يعودوا إلى عادتهم ناكر ونكير.
    لابد من سحقهم معا لأنهم هم سبب خراب البيت الذي نحن فيه.

  2. نعم الشعب الفلسطيني يواجه عصابة أوسلو الجاتمة على نهوضه النضالي.. ولا بد من إزاحة القيود التي كرستها نتائج أوسلو المتمثلة في السلطة والتنسيق الامني مع العدو والفساد والقمع كشرط لاستعادة الشعب الفلسطيني دوره في النضال التحرري… عصابة أوسلو جزء من النظام العربي الرسمي وعدو لمحور المقاومة ولا تؤمن بدور الشعب الفلسطيني الموحد في خوض النضال ضد مخطط ترامب – نتانياهو – النظام العربي الرسمي…. عباس يراهن على كسب الوقت في انتظار الانتخابات الرئاسية في أمريكا… معركة الشعب الفلسطيني شاقة ومعقدة ضد العدو المباشر الصهيوني المحتل، والنضال الديمقراطي ضد عصابة أوسلو.. من الخطأ القاتل اعتبار هذه العصابة جزء من نضال الشعب الفلسطيني التحرري في هذه المرحلة التاريخية..

  3. ما زال عباس يوهمنا انه يدافع عن حقوق الشعب الفلسطيني وعبثًا يحاول اخفاء تآمره وزمرته على هذا الشعب. ما جاء في حطه كوشنر هو تجسيد لاتفاقات اوسلو التي وقعت عليها وأقرتها السلطه وها هو عباس يوكد ان سقفه اداره ذاتيه بحمايه الاحتلال ومنزوعة السلاح. لا أظن احدا اخذه على محمل الجد عندما هدد بوقف العماله الامنيه للاحتلال لاننا بتنا نعلم ان هذا ما آلت زم به عند اقامه السلطه

  4. استغرب ما يثار واستغرب من من يشكك واتسائل هل الشعب الفلسطيني قطيع مواشي يسير كما يظن البعض ؟ وهل الجزيره هي الحارس على فلسطين ؟ ما وصلت اليه فلسطين والعرب ورائه الجزيرة ومن ورائها ، ولماذا يتم هذا التشكيك في القيادات الفلسطينية ، حتى عرفات كان هناك تشكيك في مواقفه ، وبعد استشهاده صار المشككون يمتدحوه ، ياريت يا دكتور انت او عزمي بشاره ترشحوا حالكوا وتنجحوا وصيروا قيادات للشعب الفلسطيني ونشوف شو بسووووووووووووووا.

  5. إذا بقي شعبنا ساكتا على خيانة السلطة ولم ينتفض ويحول حياة المستوطنيين إلى جحيم فالخطوة القادمة هي التهجير, السيد محمود عباس وزمرته سوف يكونوا في اسقبالكم في أرض المهجر ليرفع من هممكم ومن معنوياتكم وليبشركم بأن السلطة باقية وأن التنسق الأمني مع الكيان المسخ باق إلى يوم تبعثون.!!!!

  6. هذا هو مربط الفرس.
    ليس هناك احد سواء اشخاص او هيئات او منظمات من يحمل تفويضا وتوكيلا لتمثيل الشعب الفلسطيني وقضيته.
    السلطة انتهى تفويضها قبل عشر سنوات ، وهي ايضا وهذا الاهم قامت على اساس الاستمرار لخمسة سنوات فاذا بها باقية وتمثل الحل النهائي.
    المنظمة لم تفز يوما باصوات اغلبيةالفلسطينيين ، ولو كانت انتخابات 2006 مقياسا فان كافة فصائل ما يسمى منظمة التحرير لم تفز باكثر من 45% من اصوات ومقاعد المجلس التشريعي.
    عباس بصفته ريئس السلطة انتهت ولايته منذ عشر سنوات ويزيد، اما صفاته الاخرى كرئيس لفتح وللمنظمة فهذه تلزم منتسبيها وليس الشعب الفلسطيني.
    هذه هي اهم نقطة يجب البدا فيها وهي شرعية التمثيل الفلسطيني.
    بغير ذلك ستبقى اسرائيل تعين وتعزل من تراه مناسبا .
    لو كان وجود عباس والسلطة والمنظمة سيئا لمصالح اسرائيل لما سمحت لهم بالبقاء في مكاتبهم يوما واحدا.

  7. إذا إلي متي سنرضى برئيس متخاذل متآمر متقاعس منبطح منتفع بخيانه شعبه ووطنه، لطالما نبقى صامتين، بنستاهل

  8. إلى الباحث المفكر الشريف عبد الستار قاسم
    أما انى لقامتك الفكرية والوطنية والقومية والإسلامية الشامخة أن تصارح نفسك أولا بأن الثابت الوحيد من ثوابت (الثورة والسلطة) الذي لم (يُكَودك) هو التمسك بشرعية الاحتلال الصهيوني لفلسطين ال 48 .بل وتقديسه أتحدى أي شخص أن يأتيني بثابت آخر من ثوابت رفضهم أعلنوه ولم يتدرجوا فيه من (نعم) إلى (لعم) ثم إلى (نعم)
    وما الفرق إذن بين صهيوني جاء من فرنسا أو أمريكا وصهيوني عربي فلسطيني؟ طالما الموقف ذاته.
    لا شك أن هذه الخطة وضعت لترفض وأن دور السلطة الرافض تمهيد للسيطرة على المرحلة القادمة كما فعلوا مع الانتفاضة
    هل لديك يا معلمنا تفسير لموقف حماس التي تمد لهذا الحاخام حبل النجاة كلما افتضح ؟

  9. عباس مكلف بحماية مصالح الصهاينة ولم يكلفه الشعب الفلسطيني بحماية مصالحه قد يكون هناك من يقول انه رئيس ولكن عليه ان يعلم ان فترة الولاية الرئاسية انتهت وهو غير شرعي اصلا

  10. عباس سوف يكون من شلة الذين سيحملون مظلات لو امطرت السماء حريه

  11. كعادتك استاذنا الكريم، قلمك ينطق بالحقيقة و الواقع المؤلم لما أوصلتنا اليه ديناصورات أوسلو. كفلسطيني أقول سلاحك حصانك، ان صنته صانك٠

  12. يا عبد الستار الشعب الفلسطيني بعرف ابو مازن علشان هيك ما حد مهتم

  13. لا يكلف الله نفساً الا وسعها
    من رأى منكم منكراً ان يغيره في يده ومن لم يستطع فبلسانه ومن لم يستطع فبقلبه
    نحمد الله ما زلنا محاولين تغير المنكر بألسنتنا
    بارك الله بك استاذنا العزيز وعسى ان يتعض مجتمعنا بمقالاتك القيمة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here