عادل الجبوري: حكومة علاوي.. أي فرص للنجاح في متاهة التحديات؟

عادل الجبوري

اخيرا، وبعد شهرين من استقالة رئيس الوزراء عادل عبد المهدي، تم تكليف محمد توفيق علاوي من قبل رئيس الجمهورية برهم صالح بتشكيل الحكومة الجديدة، وسط اجواء ومناخات ومواقف سياسية وشعبية متضاربة ومتقاطعة ومتأزمة.

بصرف النظر عن مجمل ملابسات وسجالات الشهرين المنصرمين، فأن التكليف يعد خطوة مهمة واساسية لحلحلة الازمة وتفكيكها، والانطلاق نحو انجاز الاستحقاقات المطلوبة التي دعت اليها المرجعية الدينية وناشدت بها ساحات التظاهر في بغداد والمدن العراقية الاخرى طيلة الشهور الاربعة الماضية.

لم يكن متوقعا ومنتظرا وممكنا، ان  يتحقق اجماع سياسي وشعبي كامل على شخص معين لتولي منصب رئاسة الوزراء في مرحلة حرجة وحساسة ومعقدة للغاية، ومن الخطأ تصور ان مهمة رئيس الوزراء المكلف ستكون يسيرة وسلسلة، لان هناك ظروفا واسبابا وعوامل موضوعية تفرض نفسها على كل الاجندات والحسابات والخطط والمشاريع والتصورات.

المرجعية الدينية وساحات التظاهر، وضعت جملة معايير وشروط ينبغي توفرها لمن يكلف بتشكيل الحكومة الجديدة، من بينها ان يكون شخصية غير جدلية، وان لايكون من الطبقة السياسية التي ساهمت بأدارة شؤون البلاد خلال السبعة عشر عاما المنصرمة، وان لايكون منتميا لكيان سياسي معين، وليس من مزدوجي يالجنسية، ويمتلك القدرة والكفاءة، ويتمتع بالنزاهة.

واذا لم يكن ممكنا اجتماع كل تلك الشروط والمعايير بشخصية ما، فيفترض ان يتوفر الجزء الاكبر منها، حتى يوضع حد لحالة الانسداد السياسي في البلد.

وبالنسبة لمحمد توفيق علاوي، تبدو القضية جدلية الى حد ما، فالرجل لايمكن ان يزعم انه من خارج الطبقة السياسية التي ادارت شؤون العراق بعد الاطاحة بنظام صدام في ربيع عام 2003، اذ انه ترشح للانتخابات البرلمانية لعدة مرات  ضمن قائمة ابن عمه اياد علاوي، وشغل مقعدا برلمانيا في اكثر من دورة، اضافة الى اشغاله منصب وزير الاتصالات في الحكومة الاولى لنوري المالكي(2006-2010)،

وفي مرحلة المعارضة، كان علاوي الذي ينحدر من عائلة بغدادية ثرية، قد غادر العراق في اواخر السبعينات، واكمل دراسته الجامعية في تخصص الهندسة المعمارية بالعاصمة اللبنانية بيروت، وكان قد انتمى لحزب الدعوة الاسلامية لفترة قصيرة من الزمن ثم انضم الى المجلس الاعلى الاسلامي العراقي(المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق) في بدايات تأسيسه بأيران اوائل ثمانينيات، وبعد ذلك اختار العاصمة البريطانية لندن مقرا لاقامته، ليمارس من هناك نشاطاته التجارية وعمله السياسي المعارض كمستقل بهوية اسلامية معتدلة بعيدا عن العناوين والاطر الحزبية الضيقة. وقد عرف عنه اتزانه وهدوئه ونزاهته، لاسيما حينما شغل حقيبة الاتصالات.

هذه الصورة الاجمالية لسيرته الذاتية تؤشر الى انه جزء من الطبقة السياسية  المرفوضة شعبيا، في ذات الوقت تؤشر الى انه اختار ان يغادرها وينزوي وينأى بنفسه عن الصراع والتنافس والانغماس في اجواء الفساد الاداري والمالي. تلك المغادرة المبكرة –طوعا لا كرها-ربما هي التي كان لها الدور والاثر الاكبر في طرح اسمه للمنصب ومن ثم التوافق عليه.

واذا كانت هناك جماعات في ساحات التظاهر قد تلقت نبأ تكليف علاوي بتشكيل الحكومة الجديدة بالرفض والاستهجان والاستنكار، فأن هناك مساحات شعبية اخرى ابدت ارتياحها وترحيبها –ولانقول حماسها وتفاؤلها-الى جانب المواقف السياسية المحلية والاقليمية والدولية المؤيدة والمرحبة بالتكليف.

داخليا، يمكن ان تساهم المواقف الايجابية للقوى الرئيسية الشيعية والكردية والسنية في تسهيل مهمة رئيس الوزراء المكلف، تكملها المواقف الاقليمية والدولية المماثلة لمنظمة الامم المتحدة ولطهران وواشنطن، وعواصم اخرى ابدت ترحيبها وارتياحها عبر القنوات الخاصة، لانها لم تشأ لاعتبارات وحسابات خاصة الافصاح عن تلك المواقف مبكرا.

  بيد ان الاطر والعناوين والاتجاهات العامة للدعم والتأييد، لاتمثل نهاية المطاف، بل ان هناك الكثير من التفاصيل والجزئيات التي لايمكن تجنبها وتحاشيها والقفز عليها، هي من سيجعل الاختلافات والخلافات تطفو على السطح.

فعلاوي، بحسب اوساط مقربة منه، يخطط لتشكيل حكومته بطريقة مختلفة تماما عن طريقة تشكيل الحكومات الست السابقة، بحيث لاتخضع للمعادلات الحزبية والطائفية والقومية، ولا تفرزها المحاصصة والمساومات والتنازلات والترضيات، في حين ان هناك مؤشرات حقيقية يعتد بها تؤكد او توحي ان بعض –او اغلب-القوى السياسية، لاسيما الكردية والسنية، مازالت متمسكة ومتشبثة بذات المنهج، تحت ذريعة الاستحقاقات السياسية والبرلمانية، وهذا من شأنه تعقيد الامور والعودة الى نفس مساحات التأزم والانسداد والتعويق، التي بدا انه تمت مغادرتها بفعل ضغوطات الشارع وتوجيهات وانتقادات المرجعية الدينية.

من الصعب جدا على علاوي ان يتمسك بكامل رؤيته، وفي ذات الوقت من الخطأ ان يذعن ويستجيب لكل املاءات واشتراطات وضغوط الفرقاء، وما هو مؤكد او شبه مؤكد انه سيحرص على تجنب مايمكن ان نسميه الاخطاء التي وقع فيها عبد المهدي، وانه-علاوي-سيعمل على الاستفادة من ورقة التظاهرات ومن توجيهات المرجعية الدينية للتخلص مساومات القوى السياسية وبالتالي تقوية موقفه فيما سيقوم بفعله، خصوصا ما يتعلق بفتح ملفات الفساد وضرب بؤره ومرتكزاته الكبيرة، وفي اتخاذ الخطوات اللازمة لاجراء انتخابات برلمانية مبكرة.

فضلا عن ذلك فان المطلوب من رئيس الوزراء الجديد، حسم ملف انهاء التواجد الاجنبي في البلاد، والحفاظ على الوحدة الوطنية وقطع الطريق امام اجندات ومشاريع التقسيم، وتفعيل الاتفاقية العراقية-الصينية، واكثر من ذلك ابعاد العراق عن ميادين وتجاذبات الصراعات الاقليمية والدولية.

كل هذه التجاذبات والاستحقاقات والمهام تبدو معقدة وصعبة وثقيلة وشائكة، مع حجم ضغوطات المطاليب والوقت وقوى الدفع المعاكسة، بيد ان الانطلاقة الصحيحة والقوية والحازمة لعلاوي، يمكن ان تفضي الى نتائج طيبة ومثمرة ولو بالحد الادنى او النسبي للتوقعات والطموحات والتمنيات.

*كاتب وصحافي عراقي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here