عادل الأمين: السكة الحديد والثورة الاجتماعية في اليمن

adel-alamin11

عادل الأمين

عندما جاءت بنا رياح التغيير إلى اليمن السعيد في بدايات التسعينات1991 مع ميلاد الوحدة اليمنية، كنت معلما في مدينة الحديدة الساحلية، ولا ادري آن ذاك ما الذي كان يشدني للجلوس الساعات الطوال قبالة الساحل في كورنيش  المدينة الأنيق ، كنت أقول دائما لجلسائي من  الشباب الذين يدرسون في جامعة الحديدة ويقرضون الشعر على استحياء” إن هذا الكورنيش يشبه محطة السكة الحديد في مدينتي عطبرة..واني أكاد أرى قطار يمر أمامي واسمع ضجيجه في إذني..كانوا يستغربون حديثي عن “قطار في اليمن” ويرددون:..  تالله انك لفي ضلالك القديم.. ما فتئت تذكر عطبرة والقطار  حتى تصبح حرضا أو نسيا منسيا”..كنت أرد عليهم مازحا”يا قوم ليس بي خرف ولكني أرى ما لا ترون”… مضت السنين ودارت الأيام..وإيقاع الزمن الدوار ابتلع  الزامر والمزمار كما يقول الشاعر المصري الراحل..

 صلاح عبد الصبور..واليوم قرأت على شبكات الانترنت..انه سيكون هناك مشروع للسكة الحديد جبار يمر عبر كافة ساحل اليمن يربط بين السعودية واليمن وسلطنة عمان..وأدركت تماما أن الأحلام ليس سوى برنامج في رحم الغيب..وان الشعوب التي لا تحلم لا تتطور وقيل أن المبدع يحلم في اليقظة والشخص العادي  يحلم في المنام..

 أثمن اليوم ضرورة أن تكون هناك سكة حديد في اليمن مع التغيير ،حتى يكون التغيير حقيقي وأنا ابن مدينة كانت تعيش بالسكة الحديد وتموت بموتها ،ورغم أن السكة الحديد قديمة جدا في السودان ،منذ الغزو البريطاني في القرن لثامن عشر 1889 ،إلا أنها عملت على مر السنين على تشكيل هوية السودان  وتوحيده والربط بين مناطقه المختلفة وخلقت علاقات اجتماعية وتآخي وتالف بين الناس وأثرت   الثقافة السودانية والغناء السوداني والشعر السوداني الذي لا يخلو من تيمة القطار…

          كما بقيت في الذاكرة الوجدانية لنا ،مواسم الحجيج وقطار الحجاج، والقطار  الذي يجمع الحجاج من كل أنحاء إفريقيا والسودان في مدينة عطبرة ثم يقلهم إلى بور تسودان إلى جدة عبر السفن..كان منظرهم بملابسهم البيضاء في غدوهم إلى الأراضي المقدسة  وعودتهم منها..والاحتفالات التي تقام لهم الأثر الطيب في نفوسنا وفي هذا المرفق الرائع  “السكة الحديد” الذي يعظم شعائر الله.. وإنها من تقوى القلوب..

            اليوم وأنا انظر حولي في عصر العلم والمعلومات  إلى عالم متغير لم يتخلى أبدا على عن هذا الناقل الوطني الجبار حتى في الصين وبها أسرع قطار في العالم    يربط بين شنغهاي وهونج كونج بقطار سرعته 400 كلم/ساعة عبر 2300 كيلومتر  وارى الولايات المتحدة تسعى لتجديد خطوطها الحديدية لأهمية القطار في هذا العصر واجد أن دول مجلس التعاون الخليجي تسعى لمشروع ربط كبير بين دولها أسوة بالاتحاد الأوروبي..استغرب لماذا لا يحتفى بالسكة الحديد في اليمن؟؟!!

               في كافة الأوساط الفكرية والثقافية والسياسية على الوجه المطلوب في “مقايلهم  المتعددة”.. في المركز والهامش، حتى يكون هذا المشروع الحيوي والهام  جزء من وعي و أحلام المواطن الطيب المشروعة و يعتبر مرفق السكة الحديد من أهم المرافق في الدولة المعاصرة لأنه يحدد ملامح القطر وهو أشبه بالجهاز الدوري،القلب والأوردة والشرايين في الإنسان والثديات العليا ويقود ثورة اجتماعية حقيقية   ويربط أطراف الوطن  المترامية بالمركز،كما انه يوفر عمالة كبيرة تستطيع امتصاص كافة القوى العاملة في البلاد في مرافقه المختلفة،نسبة للحراك البشري الكبير بين اليمن والمملكة العربية السعودية ،    الربط بين البلدين عبر خط  سكة حديد الساحل المزدوج سيستوعب التحركات بين البلدين ويقننها عبر منافذ محددة ،كما انه أيضا يسهل نقل الحجيج والمواطنين و المحاصيل الزراعية و البضائع والماشية يزيد من  حجم التبادل التجاري بين البلدين..وحتما سيشكل إضافة نوعية لاقتصاد البلدين الجارين..وسيشعر المواطن أن هناك تغيير نوعي  فعلا حدث في بلاده..ويصبح جزء من إستراتيجية دمج اليمن في دول مجلس التعاون الخليجي على المدى البعيد…وتنتهي معاناة 95% من أبناء اليمن السعيد والتي هي في جوهرها اقتصادية ناجمة عن عجز في إدارة الموارد المهولة التي يتمتع بها اليمن  بصورة علمية كما هو الحال في جل الدول العربية غير النفطية وبلدي السودان ليس استثناء…كان في أوج  استقراره وازدهاره  في العصر الذهبي “السبعينات” والرئيس الأسبق الراحل جعفر  نميري واتفاقية أديس أبابا 1972 التي  جاءت بالحكم الإقليمي اللامركزي قضت بتقسيم  السودان إلى ستة أقاليم قوية..أبقت الجنوب نفسه بحكم ذاتي داخل السودان الواحد وظلت السكة الحديد تجوب البلاد طولا وعرضا بقاطرة حديثة من دولة المجر  وأمريكا,  من مدينة واو في أقصى الإقليم الجنوبي  إلى مدينة حلفا في أقصى  الإقليم الشمالي  عند الحدود المصرية وبحيرة السد العالي     ومن نيالا أقصى الغرب في إقليم دارفور إلى بوتسودان في الإقليم الشرقي…أما السؤال عن من أجهض هذه الاتفاقية الرائعة  1972-1978 فأسالوا أهل  الذكر إن كنتم لا تعلمون وأهل الذكر عندنا في السودان المفكر البارع د.منصور خالد وكتابيه “السودان في النفق لمظلم” وكتاب “الواعد الحق والفجر الكاذب” عن تجربة حكم الرئيس نميري وثورة مايو الاشتراكية  1969-1985  التي بدأت بسبع بقرات سمان وانتهت بسبع بقرات عجاف ،أو اطلعوا على روايتنا “الساقية” إصدارات مركز عبادي للدراسات والنشر في صنعاء2005  ،عن تجربة حكم الرئيس الراحل  نميري والحديث ذو شجون…

                                          *****

كان هذا المشروع الحلم قاب قوسين او أدنى في اليمن حيث ام وضعه في وزارة التخطيط والتعاون الدولي ويكلف 2 مليار دولار ولكن التغيرات الدراماتيكية التي حدثت في السعودية بعد وفاة الملك  عبدالله ..جاءت بما لا تشتهي السفن وحتى هذه اللحظة لا أجد معقولية في شن  حرب عبثية ضد اليمن وتمتد لشهور وتكلف 300 مليار دولار…وتسبب شرخ وخطا  استراتيجي في مشوار الوحدة ودمج اليمن في دول مجلس التعاون الخليجي  يعيدنا الى ايام

 د خول صدام حسين الكويت 1990…والحديث ذو شجون..ولا زالت مستحيلات المنطقة الغول والعنقاء والخل الوفي والديمقراطية المستدامة  في رواية أخرى …. ويا مصطفى يا كتاب من كل قلب قد تالف ويا زمان سياتي يمحوا الزمان المزيف”الشاعر عبدالله البردوني “

كاتب من السودان مقيم في اليمن

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here