عائدون إلى الصومال.. عانوا من “جحيم ليبيا” ولم يروا “جنة أوروبا”

مقديشو / نور جيدي / الأناضول

المغامرة والبحث عن الفردوس في أوروبا حلم يرواد الكثير من الشباب الصوماليين الذين عبروا الحدود إلى ليبيا في طريقهم إلى القارة الغنية كما يرون بعد أن فقدوا الأمل في تحسن الأوضاع في بلدهم.

تتعدد طرق الوصول إلى ليبيا، لكن تجتمع في صعوبتها؛ فالحياة والموت متقاربان، وربما ينجح المهاجر غير الشرعي في الوصول إلى مبتغاه، لكن حتما يتذوق صنوفا من المعاناة، وفق روايات مهاجرين صوماليين عادوا من ليبيا، بعد أن فشلوا في الانطلاق من سواحها إلى أوروبا.

“نجاح هذه الرحلة التي تزينها أنوار سواحل إيطاليا بات شبه مستحيل”.. بهذه العبارات يبدأ “محمد جامع” تلخيص رحلتهم المأمولة إلى أوروبا، التي تحولت إلى كابوس لا يفارق آذهانهم ويصيبهم بحالات نفسية.

ويضيف “جامع”، في حديث مع الأناضول: “انتهى بنا المطاف بعد رحلة مصحوبة بالمتاعب في غرف مظلمة، لنبدأ رحلة العذاب على أيدي مهربين ليبيين”.

ويتابع أن “الضرب المبرح وسكب المياه الباردة على أجسادنا كانت بداية الصباح يوميا لكل المهاجرين السجناء، وهكذا تعاقب علينا الليل والنهار”.

** ظلام وجوع وعطش

أنين المهاجرين من شدة التعذيب كان وسيلة لحصول مهربين على أموال بين أربعة وخمسة آلاف دولار أمريكي من أقارب المهاجرين، عبر مكالمات هاتفية، مقابل إطلاق سراح ابنهم، بحسب عائدين من ليبيا.

وهو يسترجع ذكرياته، يقول الصومالي عبد الكريم محمد للأناضول: “شددنا الرحال بحثا عن طيب العيش والأمان، لكن الواقع لم يكن كما نأمل”.

ويمضى محمد قائلا: “قضينا أكثر من سنة من سجن إلى آخر، وتعرضنا لشتى صنوف العقاب، لدرجة أنني بقيت في غرفة مظلمة ولم أرَ النور لمدة سبعة أشهر تقريبا”.

ويستطرد: “في سجن مدينة سبها (جنوب)، بالقرب من الصحراء، كانت المحطة الأولى لملاقاتنا مع المهربين الليبيين، ومن شدة الجوع والعطش، لعدم توفر الغذاء والمياه، لقي مهاجران، إحداهما امرأة، مصرعهما؛ ما دفع المهربين إلى نقلنا إلى سجن آخر داخل المدن الليبية”.

ويضيف محمد: “فوق الجثث كانوا يساوموننا، وعندها تيقنا أن المنية ستخطفنا واحدا تلو الآخر ما دمنا في هذا الوضع المتردي.. والغريب أن كل سجن كانت تشرف عليه قبيلة واحدة والجميع يراقبوننا وكأنهم ينتظرون حصاد مزرعة ما”.

وحسب مهاجرين غير شرعيين، فإن شبكات المهربين تنتشر في جميع دول شرقي إفريقيا، بدأ من الصومال وكينيا، مرورا بإثيوبيا والسودان، وصولا إلى ليبيا، حيث يقع المركز الرئيسي للمهربيين الليبين.

** العودة طوعا

“تشكل (مبادرة العودة طوعا إلى الصومال)، التي ترعاها المنظمة الدولية للهجرة، بالتعاون مع الهيئة الوطنية الصومالية لشؤون اللاجئين والنازحين (حكومية) فرصة ناردة لمن أراد أن أن يشم رائحة الحرية، ويبدأ عجلة الحياة في تراب وطنه من جديد”، حسب رئيسة الهيئة، مريمة ياسين.

وتقول مريمة للأناضول إن “المهربين الليبيين تجاوزا حدود الإنسانية؛ إذ مارسوا جميع أنواع العنف ضد المهاجرين لجمع مبالغ مالية، لدرجة أن بعض المهاجرين توفوا نتيجة ممارسات المهربين”.

وحول عدد المهاجرين الصوماليين في ليبيا، توضح أنهم “نحو خمسة آلاف صومالي، لكن العدد أكبر من ذلك؛ بسبب وجود سجون مخفية داخل ليبيا يحتجز فيها المهربون عددا من المهاجرين الصوماليين”.

** رحلة لا تستحق

بعد تجربته في ليبيا، يقول الصومالي أحمد عبد النور، للأناضول، إن “المهربين الليبين أفسدوا تمنياتنا بعيش رغيد في أوروبا”.

ويشدد على أن “الظروف علمتنا أن أوروبا لا تستحق كل هذا الجهد والعناء وهدر الأموال عبر قوارب بلاستيكية، لينتهي بنا المطاف غرقى في المياه الأوروبية”.

ويوضح أن “الظروف كانت صعبة في ليبيا، وتعرضنا لكل أنواع العقاب حتى أن أثارها لا تزال بادية على أجسادنا؛ فكل واحد منا حصل على قسط من العقاب، لدرجة أن بعضنا لا يزال يعاني من صدمات نفسية قد يحتاج علاجها لسنوات”.

وبخصوص عودتهم إلى الصومال، قال عبد النور: “لم يكن أمامنا من خيار سوى العودة؛ فالموت في الغربة أشد وأقصى من الموت في وطنك، ولهذا كنا مبسوطين بالعودة إلى أرض الوطن”.

ويعرب عن شكره لـ”الحكومة الصومالية والهيئة الوطنية الصومالية لشؤون اللاجئين والنازحين، بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة، لحرصهم على حماية الصوماليين العالقين في الخارج، والعمل على إعادتهم، مع توفير الدعم اللازم”.

** دعم مالي

ووفق رئيس مراكز تأهيل المهاجرين (تابعة للهيئة الوطنية الصومالية لشؤون اللاجئين والنازحين) أحمد طاهر، فإن “الهيئة تنسق مع الدول الأخرى لإطلاق سراح المهاجرين الصوماليين في سجون تلك الدول وإعادتهم إلى الصومال”.

ويضيف طاهر، في تصريح للأناضول، أن “الهيئة، وبالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، توفر دعما ماليا يترواح بين 800 دولار وألف دولار لكل مهاجر صومالي غير شرعي عائد من الخارج”.

ويوضح أن “هذا المبلغ يهدف إلى المساهمة في إيجاد فرص عمل للمهاجرين العائدين من الخارج، حتى لا يخوضوا مجددا تجربة الهجرة غير الشرعية التي قد تفتك بأرواحهم”.

وتقول رئيسة الهيئة الوطنية الصومالية لشؤون اللاجئين والنازحين، مريمة ياسين، إن “المهاجرين العائدين من سجون ليبيا يعانون من صدمات نفسية، وخاصة الفتيات اللواتي واجهن مشاكل صحية نتيجة التعديات من قبل المهربيين الليبيين”.

وحسب الهيئة الصومالية، فإن الحكومة تمكنت من إعادة صوماليين كانوا يقبعون في سجون بكل من ليبيا، وإثيوبيا، وجزيرة سيشل، والهند، وجرز القمر؛ لأسباب تتعلق بالهجرة غير الشرعية.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. للاسف كثير من العرب فقدوا ادنى حد من الانسانيه بل ربما تخطوا في وحشيتهم الكوبوي الامريكي و هزموا بساديتهم و تلذذهم في تعذيب الضحيه كل اصحاب الامراض النفسيه المصتعصيه العلاج

  2. شيء مؤسف. لدي الكثير من الأصدقاء الليبيين.ما يحصل عار على ليبيا و مأسآة لا أحد يعلم إلى متى ستستمر.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here