ظاهرة ‘‘الدولة الإسلامية‘‘ والتحالف الدولي.. غارات تُثمر بيعات

 

yassin-jameel66

 

ياسين جميل

‘‘الدولة الإسلامية‘‘ ظاهرة تستدعي التوقف عندها للتأمل بغض النظر عما قامت به من فظائع وما صنعته من شنائع، فلننحي جانباً مقاطع عمليات النحر ومشاهد الجثث المتراكمة وصور الرؤوس المعلقة فذلك كله وإن كان يثير التقزز والإشمئزاز من الدولة إلا أن إتساع رقعتها بزحف جندها وإخضاعهم المدن والولايات لسلطان ‘‘الخليفة‘‘ بالغلبة والقهر يثير التعجب والإنبهار بمقدارٍ أعظم.

وهم ليسوا وحدهم إرتكبوا الفظاعات، فقوات المالكي وقوات الأسد وقوات المعارضة السورية جميعها إرتكبت فظاعات وتجاوزات وإنتهاكات .

بل وهناك من أوغل سفكاً في دماء شعبه ممن رفضوا إنقلابه العسكري على شرعية الإنتخابات وما أفرزته صناديق الإقتراع ومع ذلك يعترف به الغرب ويتعامل معه كرئيس دولة.

كذلك البغدادي يحكم دولة، وجيش دولتهِ بسط سيطرته على ما يقرب من 35 في المائة من مساحة سوريا وذلك بما يعادل خمسة أضعاف مساحة لبنان، وسيطر على ما بين ثلث العراق ونصفه، أي أن البغدادي يحكم دولة أكبر من الأردن.

ولدى هذه ‘‘الدولة‘‘ ميزانية تتراوح بين 2 و3 مليار دولار وتصل قيمة إيراداتها من حقول النفط والغاز التي تسيطر عليها  إلى 3 ملايين دولار وكانت مواردها الرئيسية هي الفديات والأتاوات من رجال أعمال وأثرياء ومؤسسات حكومية وشركات تجارية ومصانع مقابل إعطائهم الأمان في أنفسهم وذويهم وبيوتهم وممتلكاتهم وبعد سيطرتها على مناطق واسعة ومساحات شاسعة من العراق والشام إزدادت موارد الدخل وتعددت مصادر التمويل بإستيلائها على الأسواق ومعدات شركات النفط وحفارات الألماس وصوامع الحبوب والقطن والمعامل والآثار والذهب وبيعها إلى عدة جهات عبر وسطاء.

ولدى ‘‘الدولة‘‘ جيش كبير لم يحصهِ أحد، غنِم في معاركه وغزواته أسلحة وذخائر ومعدات عسكرية من الجيش العراقي ومن الجيش السوري ومن الجيش الحر, وهبطت عليه أُخرى من السماء في (كوباني) كانت مقررة ومخصصة لعدوه فأصبحت من غنائمه دون أن يحتسب.

وكان هذا الجيش قد هزم الجيش الحر وانتزع منه شمال حلب وإعزاز، وأخرج لواء التوحيد التابع للإخوان المسلمين من مدينة منبج وأخذ مقراته، وطرد جبهة النصرة وحركة أحرار الشام من محافظة الرقة، واسترجع محافظة دير الزور من قبضتي الجبهة الإسلامية وجبهة النصرة .

وهزم ذلك الجيش قوات المالكي وقوات النجيفي وابتلع الموصل إبتلاعاً وضم محافظة نينوى إلى أمصارهِ ثم إحتل الرطبة والقائم وأجزاءاً من كركوك وسيطر على تكريت ومعظم أجزاء محافظة صلاح الدين، وبسط حكمه على معظم محافظة الأنبار ثم هزم الفدائيين الأكراد (البيشمركة) وألحق جلولاء وزمار وجبل سنجار بدولته.

وهاجم مقر الفرقة 17 آخر معاقل نظام الأسد في محافظة الرقة السورية ومقر اللواء 93 ومطار الطبقة العسكري وسيطر عليها جميعاً .

والمعارك التي خسرها ‘‘جيش الدولة‘‘ معدودة حتى الآن ومحدودة، كهزيمته أمام الجيش العراقي وسرايا السلام في بلد وآمرلي بصلاح الدين، وهزيمته أمام الجيش العراقي والحشد الشعبي وكتائب حزب الله العراق في جرف الصخر وتقهقره في زمار أمام البيشمركة الكردية، ولايزال جيش الدولة الإسلامية يخوض معارك أخرى بالكر والفر في الرمادي وعامرية الفلوجة وبالقرب من سامراء وبيجي وديالى وعين العرب (كوباني) على الحدود السورية التركية وغيرها.

وقد كثر الحديث عن هوية البصمات في صناعة الدولة الإسلامية أو الأصابع التي تحركها، والحقيقة أنها صناعة نفسها وليست صناعة أحد، فمن قال أنها صناعة نظام بشار الأسد فوجيء بالحرب بينهما بعد حين، ومن قال أنها صناعة أمريكية تراجع عن قناعته بعد أن شنت أمريكا عليها الحرب، ومن قال أنها صناعة إيرانية يتغافل أو يجهل القتال الدائر على الأرض بين ‘‘ ذراع إيران‘‘ حزب الله وبين الدولة الإسلامية في الحدود السورية اللبنانية ‘‘عرسال والقلمون‘‘، ومن قال أنها صناعة الإستخبارات الروسية لإنقاذ نظام الأسد لعله سمع تهديد الدولة لبوتين قائلة له (سنأتيك في عقر دارك)، ومن قال أنها صناعة صهيونية ربما لا يعلم أن الكيان الصهيوني وضعها على قائمة الإرهاب بعد إعدام الصحفي الأمريكي الذي يحمل الجنسية الإسرائيلية ستيفن سوتلوف وأدلى حينها نتنياهو بتصريحه الشهير أن حماس ليست أقل إرهاباً من ‘‘ داعش‘‘ على حد تعبيره، وبعد مؤتمر جدة الذي أعلن الحرب على ‘‘الدولة الإسلامية‘‘ سكت أتباع رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الذين كانوا يرددون في وسائل الإعلام أن السعودية تمول وتدعم ‘‘الدولة الإسلامية‘‘، ومن يتهم تركيا بالتهم ذاتها لعله نسي أو تناسى ‘‘غزوة‘‘ جنود الدولة للقنصلية التركية في الموصل واختطاف الديبلوماسيين منها، وليس غني عن البيان أن تفجير الريحانية الذي وقع في لواء إسكندرون وسقط خلاله عشرات الضحايا من الأتراك إنما كان من تنفيذ الدولة الإسلامية قبل إنشقاق جبهة النصرة عنها إذ تم تجهيز السيارة المفخخة في الرقة السورية.

تنظيم الدولة لم يكن ينوي إعدام الرهائن الغربيين لأنه كان في حالة هدنة مع الأمريكيين والبريطانيين بعد إنسحاب القوات الأمريكية والبريطانية من العراق غير أن أوباما وكاميرون بتدخلهما في الحرب ضده فتحا على المواطنيين الأمريكيين والبريطانيين الأبرياء أبواب الجحيم بعد أن دعا تنظيم الدولة أنصاره إلى قتل المدنيين (غير المسلمين) من رعايا الدول المشاركة في التحالف الدولي الذي تم تشكيله لمحاربته في العراق وسوريا.

وحرب التحالف الذي تقوده أمريكا على جيش ‘‘الدولة الإسلامية‘‘ لن تقضي عليه، قتلت وستقتل منه أعداداً لكن أضعافهم ينضمون إليه من الساخطين على هذه الحرب التي يرونها (حرباً صليبية على الإسلام) على حد وصفهم، وقد رأينا البيعات والولاءات تتوالى للدولة الإسلامية وخليفتها من الأقارب والأقاصي، ومن أولئك الذين باركوا قيام دولة الخلافة الإسلامية وارتضوا أميرها البغدادي جماعة أنصار بيت المقدس في سيناء وجماعة جند الخلافة بأرض الكنانة، وجماعة بوكو حرام في نيجيريا، وكتيبة عقبة بن نافع التونسية وتنظيم أنصار الشريعة في تونس، وكتيبة أبي محجن الطائفي التابعة لتنظيم القاعدة في ليبيا وكتيبة البتار التي أعلنت عن ماسمي (مجلس شورى شباب درنة) الذي أعلن مدينة درنة الليبية إمارة تابعة للدولة الإسلامية، وجند الخلافة في الجزائر المنشقة عن تنظيم القاعدة في بلاد المغرب العربي، وجماعة أبو سياف وحركة “مقاتلو بانجسمورو الإسلاميين” في الفلبين، وشبكة مجاهدي شرق إندونيسيا، وجماعة أنصار التوحيد في الهند، وجماعة أنصار الإسلام في شمال العراق، وتنظيم “خراسان” الذي إنشق عن القاعدة في بلاد الشام، وسرية تابعة لجبهة النصرة في البوكمال، ولواء أحرار السنة في بعلبك – لبنان، وجماعة الإعتصام بالكتاب والسنة السلفية في السودان، وجناح من القاعدة في اليمن يتبع القيادي في تنظيم القاعدة في جزيرة العرب أنس النشوان بينما رفض زعيم التنظيم ناصر الوحيشي مبايعة البغدادي وتمسك ببيعة الظواهري .

وفي باكستان أعلنت حركة أوزبكستان الإسلامية المرتبطة بالقاعدة وجماعة تحريك الخلافة الباكستانية ولاءهما للدولة الإسلامية في حين نفت حركة طالبان الباكستانية بيعتها للخليفة البغدادي وقالت أنها متمسكة ببيعتها للملا عمر.

وسيسعى تنظيم الدولة وحلفاءه إلى الإنتقام من حلفاء أمريكا في المنطقة بأرتال من المفخخات وقوافل من الإنتحاريين وسيحل البلاء العظيم في المنطقة لسنوات طوال، فعندما تتدخل أمريكا في بلد بحرب برية أو غارات جوية إعلم أنه سيحل بهذا البلد الدمار والخراب والفوضى، ويتولى آخرون من أهله الإجهاز على ماتبقى منه بالفتن.

ومن الذي زرع الإحتقان المذهبي بين المسلمين وأيقظ الفتنة الطائفية غير تلك المنابر والفضائيات التي يتقيأ خطبائها ودعاتها العبارات الطائفية التحريضية وتلك المواقع والأقلام التي تنفث سمومها الفتنوية الزعاف، وبعد أن حولوا الحراك الشعبي في الشام إلى فتنة مذهبية طال أمد القتال وسئمهُ الممولون للحرب الأهلية، فلم يسقط نظام بشار كما راهنوا، ولم ينالوا من أعدائهم ‘‘النصيريين‘‘ ما أرادوا أن ينالوه منهم، حيث خرجت عليهم ‘‘الدولة الإسلامية‘‘ فحصدوا ما زرعوا.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. دعوة إلى غض الطرف عن مجازر داعش ، ونشرة مفصلة – لإنجازاتها – ، و تهديد و وعيد للرافضين مبايعة خليفتها و الخضوع لها!

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here