طيف سليماني في كل مكان.. الرد الإيراني بين المُهين والمؤلم جدا

 

 

عزالدين بن عطية

 قد يكون ما قاله قائد القوة الجو فضائية في حرس الثورة الإيرانية العميد أمير علي حاجي زادة ، يوم الخميس، قد أثلج صدور جمهور المُقاومة العاتب والغاضب، من الرّد الذي لم يُثبِت إلى حد الآن حجم خسائر القوات الأمريكية ،خصوصا البشرية منها، تماما مثلما أزعجت التفاصيل التي أوردها الجنرال خصوم إيران الذين يتمنون لها الشر المبين، إلى درجة أنّ منصّات خليجيّة ، وفي مقدمتها السعوديّة، تطوعت كعادتها لتعرض مقاطع فيديو مفبركة لما وصفته بأنه تصدّي الدفاعات الأمريكيّة الذكيّة للصواريخ الإيرانيّة، فهؤلاء بكل بساطة لا يمكنهم أن يصدقوا أن الدولة العظمى التي يعتقدون ،بثقة ترتقي إلى التأليه، أنها تحميهم هي عاجزة أن تحمي نفسها أمام إيران وهوما يتطلب منهم أن يصنعوا لها دفاعات ذكية، حتى وإن كانت عبر تلاعب تقني والكتروني.

غير أن الأهم في خرجة قائد القوات الجوية الفضائية هو مالم يقله، فرغم أن الخرائط والصور التي عرضها والتي التقطتها الأقمار الصناعية لم تدع مجالا للشك بأن القاعدة الأمريكية عين الأسد قد تعرّضت للدمار بالقدر الذي أرادته إيران، إلا أن الأهم  الذي لم يقله الجنرال هو أن الضربة قد تم ترتيبها بحيث أنها تؤدي هدفين وهما: 1- الأثر المعنوي المطمئن لجمهور المقاومة المتعطش للثأر للشهيد أبو القاسم سليماني ورفاقه، 2- وهو الأهم أن الرد يوصل رسالة يفهمها العسكريون فقط ،مفادها أن الضربة لم تستهدف أرواح أمريكية حتى لا تُحرَج الإدارة الأمريكية المضطربة سياسيا ونفسيا فتضطر للرد، وهو ما اعترف به الجنرال أمير علي حاجي عندما أكد أن الإيرانيين قد تعمدوا عدم ضرب مراقد الجنود الأمريكيين، وفي ذات الوقت تكون الضربة قوية وناجحة، بالمقاييس العسكرية والفنية البحتة وليس الإعلامية، بحيث يقتنع الأمريكي أن عدم سقوط ضحايا هو رأفة وفق حسابات إيرانية لا عجز عسكري وهو ما يعني أني أفهم كما أنك تفهم جيدا أيها الأمريكي أن من يقدر على القيام بهذه الضربة ،بصواريخ محلية الصنع ومتعددة الرؤوس المتفجرة ومزودة بقدرة التشويش على الرادر، ضد قاعدة عسكرية مجهزة بأحدث الرادارات والمعدات العسكرية، من يقدر على فعل ذلك يستطيع بتعديل بسيط في المرة المقبلة أن يجعلها مؤلمة للغاية وهي رسالة فهمتها الإدارة الأمريكية جيدا.

المرحلة المقبلة التي حسبت لها إيران حسابا هي مرحلة ما بعد الرد الذي ستقوم به جبهة المقاومة بعد أن منحها قصف قاعدة عين الأسد الضوء الأخضر وكلمة السر لبدأ مسلسل الانتقام الاستراتيجي الذي أعلن عنه السيد حسن نصر الله والقيادة الإيرانية، وهو إخراج القوات الأمريكية من المنطقة، وخصوصا في العراق بعد أن أعطى قرار البرلمان بضرورة رحيل القوات الأمريكية عن العراق شرعية لفصائل المقاومة لضرب القواعد الأمريكية وهو الانتقام الذي سيؤلم أمريكا فعلا، مما قد يدفعها في لحظة يأس وعجز أمام ضربات المقاومة إلى الرد في الداخل الإيراني لتنتقم من الرأس الداعم والممول الإيراني، عبر ضرب البنى التحتية الإيرانية ، بحكم أنه يصعب تتبع أو القضاء على مقاومة شبحية لا عنوان لها ولا بنى تحتية سوى أنها مشاريع شهادة لا تخشى الموت ولا تمل ولا تستكين في مقارعة الغزاة المحتلين، هذا الاحتمال كان في ذهن الاستراتيجيين الإيرانيين وهم يُحضّرون للرد، فعلى الرغم من الألم ومشاعر الحزن وهول المُصاب، فإن قرار تحديد حجم ونوع الضربة كان بالمنطق الاستراتيجي للدول العظمى، فالضربة كان الهدف منها بدرجة أولى ردع أمريكا حتى لا ترد بعد أن تبدأ المقاومة في الثأر لقائدها الذي له فضل كبير فيما وصلت إليه، أكثر من محاولة إثبات قوتها للخصوم ، حيث من المتوقع أن تزيد إيران من دعم فصائل المقاومة ماليا وعسكريا واستخباراتيا لزيادة فاعليتها ولكن للقول أيضا أن سليماني هو فكرة وليس شخصا مات وانتهى، بل أن المقاومة ستزداد قوة وعزيمة كأن القائد سليماني هو من يقودها بنفسه .

رغم التضليل الإعلامي الخليجي وما سخّره من إمكانات مادية وتقنية لطمس كل إنجاز عسكري إيراني بشكل فضح ما تبقى من مشاعر حاقدة لهؤلاء في ظرف انساني استثنائي، إلا أن الواقع والحقائق تغلّبت على التضليل والحكمة تغلبت على الحقد، فأول الدلائل الجلية بأن الضربة الإيرانية لقاعدة عين الأسد قد أدت الهدف الذي نُفذت لأجله هو عدم الرد الأمريكي على الضربة، فلو كان الرد فاشلا وأثبت ضعف القوة العسكرية كما يدّعي الإعلام الخليجي فالإدارة الأمريكية أدرى وأعلم بهذا الاستنتاج، ولكانت بدون شك قد ردت على القصف، وهي الدولة العظمى التي ضُرب كبرياؤها في الصميم والتي لم يسبق أن تجرأت أي دولة على ضربها بشكل مباشر، ورغم ذلك بلعت الإهانة وسكتت وكل ما ملكه ترامب هو التبجح بالقول كل شيء على ما يرام بينما كانت قواعده تتعرض للدّك بصواريخ باليستية إيرانية، غير أن رفع جمهور المقاومة ربما لسقف توقعاته ،التي تستند إلى العاطفة أكثر من الوقائع الميدانية والعسكرية، بأن الضربة سوف تؤدي إلى العودة الأفقية للنعوش وحين لم يحدث ذلك بدا الرد باهتا، بينما الحقيقة أن المرحلة التي كانت تُعد لها إيران بقيادة قاسم سليماني وكانت تؤجل لأجلها أي مواجهة ليس بين إيران وأمريكا فحسب بل حتى بين أمريكا وفصائل المقاومة قد انطلقت ولم يعد يُمكن تأجيلها .

عنوان تويتر: @AzzedineAttia

كاتب صحفي جزائري

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here