صباح علي الشاهر.. سماوتنا سماوات

sabah ali alshaher1

الشمس تنهض تبدو مسرعة، إذ قبل لحظات كانت ترسل بأشعتها من خلل سعيفات النخيل، أما الآن فقد إنفلتت، وطفقت تمخر في عباب السموات… بعد ساعتين، في منتصف الضحى، سيأتي بائع البخصم والصودا سيفون، وبعده بقليل يأتي بائع الثلج الذي تعاقد معه عمي ليأتينا بربع قالب ثلج كل يوم… في كل مرّة يضع عمي ربع قالب الثلج في السطل الكبير… ربما لا يستطيع تقييم قيمة الماء المثلج في عز الظهيرة إلا أولئك الذين إغتسلوا بعرقهم تحت شمس الله المُحرقة .

يمضي الوقت بطيئاً، ثقيلاً، وتثقل خطوات العمال الذين ينتقلون بين الطابوق والإسمنت والرمل، وتتقارب توقفات الخلفة الذي كان في كل مرّة يمسح عرق جبينه بكمه، ثم يرسل نظراته في أحشاء البريّة، علًّ نظراته تكتحل ببائع الثلج أو البخصم أو الصودا سيفون .

أرض البرية السبخة يتراقص بريقها، هي تعكس أشعة الشمس، تعكسها بفوضوية، وكلما ركزّت عينيّ بالبعد كلما غامت الرؤية وتداخلت الأشياء، وأضحى الأفق مُغبراً .

خيّل لي أني اسمع دوياً عن بعد .. ربما هو دوي الأرض إذ تتمطى جزعة من حرارة الشمس التي لا ترحم، وربما هو فحيح الهواء المُغبر إذ يلامس الأرض. الريح تتدحرج على أديم أرض الله المنسرحة على المدى، فتدحرج الكسر الطينية، التي تشققت من وجه الأرض، كأن يداً حنونة تمسح عن وجه الأرض المتجدر والمتشقق نتوءاته، فتعيدة أملساً منبسطاً، الريح تجمّل الأرض المجدورة .

ما بيننا وبين الفيء، والسوق المسقوف، وتلك المقاهي شبه المظلمة ليس سوى خطو ربع ساعة، لكننا وسط هذا الجحيم نحس بأننا في عالم آخر.

 عندما قال صديقنا المتفيقه: ( سماوتنا سماوات) خلناه يهذي كعادته، أو يتلاعب بالألفاظ، وهو ما إعتاد عليه، فسماوتنا ما هي في حقيقة الأمر سوى بقعة صغيرة من الأرض، تنحصر بين شارع آل مصيوي شمالاً ، وشارع الجسر جنوباً، ما بين سكة القطار غرباً وبضعة بيوت في القشلة غرباً. بضعة دقائق تكفي لقطع السماوة من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب. عندما تكون في السوق المسقوف فإنك ستكون في قلب السماوة، ليس مجازاً وإنما واقعياً وعملياً.

سماوتي، سماوتنا الصغيرة كصبية ذات السبعة عشر، الهادئة لحد التخثر، المتململه لحد الهيجان، سماوتنا النقيض ونقيضه، صغيرة كحضن الأم، واسعة وكبيرة كالحلم.

دفتر واحد يكفي لتدوين أسماء أهل السماوة كلهم، ولكن كل دفاتر الدنيا لا تكفي لتضع مفردة ( إكتمل) عندما تنشغل بسر السماوة ولغزها. أي شيء هذا الذي كلما توهمت أنك عرفته تفاجأت بأنك لا زلت في الكلمة الأولى، في السطر الأول، في الصفحة الأولى، في الكتاب الأول من سفر المدينة المدهشة، السهلة والمعقدّة، البسيطة والمركبة، المفهومة كالبداهة للوهلة الأولى، والعصية على الفهم والإدارك كلما توغلت في حشاياها وثناياها، ماضياُ وحاضراُ، وربما مستقبلاً.

 نعم صديقي المتشدق، الحالم، الصامت عن قول المُعاد والمُكرر، المِهذار في طرح كل ما هو مُثير للإدهاش، سماوتنا سماوات.

قال مدرسنا المصري: قيّض لي العيش في العديد من المدن خارج مصر المحروسة، لكن المدينة الوحيدة التي لم أشعر فيها بأني غريب، هي السماوة.

كان رد صديقنا المتفيقه: ليس هذا بسبب الأرض، فالأرض هي الأرض، ولا الناس فالناس هم الناس، ولا المناخ فسماوتنا ليست الريفيرا.

سالناه: فما هو السبب إذاً؟ .

نظرنا بإستخفاف: لأنها السماوة يا أغبياء.

قال هذا وغادر مجلسنا دون أن ينظر في عين أي منا.

هل أجاب صديقنا المتفيقه على السؤال أم أن السؤال مازال بلا إجابه؟

ترى هل نلوذ بما لا يُفهم عندما نعجز عن توضيح ما يستوجب الإيضاح؟

شيء ما لا نستطيع إقتناصه، ولأننا لا نستطيع إقتناصه، فإننا لا نستطيع توصيفه. ربما نحوّم حوله، لكننا نعجز عن الوصول إلى جوهره أوحقيقته، ربما نحتاج إلى أحاسيس أخرى لم نوهبها، أو ربما لوعي لم نتملكه بعد، كي نكون على مشارف إجتلائه ومعرفة كنهه.

سماوتنا سماوات.. شيء أعتقد به، لكنني غير قادر على وصفه، فهل يلومني أحد؟

إنتابني هذا الشعور بقصور الوعي، عندما كنت أستمع إلى حارس الوركاء وهو يحدثنا عن أولئك الذين نحن ورثتهم، لكننا لسنا أحفادهم . كان منطقه بسيط وواضح، من بنى هذا الحجر أصبح هو ذاته حجر، ولا يمكن أن نكون من نسل حجر، لإننا بإختصار بشر.

صاح الأسطى : ابو الثلج وصل .

حدّقنا جميعاً بإتجاه المدينة، لكننا لم نر شيئاً. الضوضاء بدت أكثر وضوحاً. ماذا يحدث في المدينة ؟

قال أحدهم : ربما التلاميذ كعادتهم يتظاهرون .

قلت له : يا فالح نحن في عطله، وأنا الذي أمامك من التلاميذ.

–  إذن  ما الذي يحدث ؟

لوّح لنا أبو الثلج من بعيد، على غير عادته كان يلوح بيشماغه، وعلى ما يبدو كان يصرخ من دون أن يسمعه أحد ..

تبين فيما بعد أنه يسوق عربته التي يجرها حمار من دون أن يحمل على ظهرها شيئاً.. أصبنا بالخيبة جميعاً، فنحن في هذا الجحيم أحوج ما نكون إلى الثلج، وصاحبنا المنتظر لم يأتنا بالثلج، ولا بأي شيء على ما يبدو، جاء بمفرده ولا نفع لنا فيه ولا حاجة لنا بعربانته الفارغة، وحمارة الذي كان يجري الهوينا.

لم يعد يهمنا متى يصل. لذا عاد العمال إلى عملهم، وعندما وصل لم يهتم به أحد، غير أنا جميعاً كنا بحاجة لمعرفة لماذا لم يأت بالثلج معه.

لم يسأله أحد عن هذا، لكنه تطوع بالإجابة: لا يوجد ثلج اليوم .. معامل الثلج متوقفه. لا يوجد داطلي، ولا بخصم، الأفران متوقفه..

سالناه جميعاً، ومرّة واحده وكما لو كنا جوقة إنشاد: لماذا؟

–  الناس إما في الشوارع تتظاهر، أو في المقاهي تستمع إلى الراديو.

–  لماذا ؟

– ثورة .. حدثت ثورة .. الدنيا مقلوبة.

لم يكن بالإمكان فهم كلامه ، فتتالت عليه الأسئلة التي لم يجب عن أي منها ، لكنه واصل إخباره.

– لا تسألوني، وإسمعوني حتى الآخر.. قام الجيش بثورة .. قُتل الملك والوصي، والدنيا مخبوصة .

صاح عمي بالجميع : إلى عملكم . ما لنا وما يحدث ..

عاد العمال إلى عملهم، أما أنا فيممت وجهي صوب المدينة .

صاح بي عمي : إلى أين ياولد ؟

لم أجبه .

صرخ : خلي الثورة تنطيك يوميتك، هاي شواربي لو فلحت ياخايب .

 

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here