طارق قديس: سوريا والوجود الروسي

طارق قديس

لا يُخفى على أحد أن الوجود الروسي في سوريا الحبيبة قد قَلَبَ الموازين على أرض الواقع، ووضعَ حدّاً للقطبية الواحدة في أنحاء العالم، وكسر كبرياء الإمبريالية الأمريكية المتغطرسة الطامعة للسيطرة على “الشرق الأوسط” بأكمله. ولا يُخفى على أحد أيضاً، أنه لولا الدخول العسكري والسياسي المباشر لروسيا في المشهد السوري لنجح المُخطّط الكوني المتآمر في تفتيت دول الشرق، وجعلِها لقمة سائغة في فمِ الإرهاب والرجعية. فلولا الدخول الروسي القوي على الأرض لَمَا استطاع أحدٌ أن يوقف تنظيم “داعش” الإرهابي عن مطامعه في إنشاء ما يُسمّيه بـِ”دولة الخلافة” القائمة على الدّم، ولِمَا استطاع العربي أن ينفكَّ من قيد الغرب المتآمر على الشرق، ولانضمت سوريا إلى كلٍّ من العراق وليبيا اللتين عانيتا من الفوضى السياسية بعد إسقاط أنظمة الحكم فيهما بالقوة العسكرية، ورَغماً على إرداة الشعوب ومطالبها.

 وكحليفٍ إستراتيجي وتاريخي للشعب السوري، كان الدخول البوتيني العسكري المُبَاشِر هو الحل لوقف “أمركَةِ الشرق الأوسط” ووضع حدٍ للتوسّع العسكري والسياسي والاقتصادي والإعلامي الأمريكي، إيذاناً باستعادة (الروسيا) التاريخية لكيانها البّراق ودورها المحوري في العالم، بعد أن كان دورها قد إنحسر مع تفكّك الاتحاد السوفييتي وانهياره في عام 1991. وقد كان الدخول مدروساً ومُحْكماً، بأمرٍ من الرئيس المُحنّك الصديق فلاديمير بوتين، وبالتنسيق العَميق مع الرئيس الشجاع بشار الأسد الذي استطاع أن يُعرقل حرب التدخل الكونية على وطنه سوريا ويوقفها وينتصر على قوى الشر، بما يَخدم مصلحة الشعب السوري، والشرعية الدولية، وكان الرئيس الأسد بعيد البصيرة إذ أنه لم يَقع في فخّ المكائد الأمريكية لابتزازه غير مرة، وكان المَشهد السياسي – العسكري واضحاً أمامه، حيث قامت الولايات المتحدة الأمريكية بقصفٍ عددٍ من مرافق القوات المسلحة السورية، والبُنية التحتية المدنية دون تفويضٍ من مجلس الأمن الدولي، بحجة واهية ومُفبركة يَدّعون فيها استخدام القوات السورية موادّاً سامة ضد المدنيين. وكان الأمريكان ينتظرون أن تقع روسيا في الشرك، وتعمد القوات الروسية إلى الصّدام الدولي المباشر معهم، مما سيمنحهم ذريعةً لتصعيد الموقف، ليَجد الروس أنفسهم بعدها في مواجهة مجموعة دولية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية عسكريّاَ، لكن المؤامرات الأمريكية ذهبت إدراج الرياح واحدة بعد أُخرى، وللآن أيضاً.

 لقد أعادت المُساندة الاممية الروسية لسوريا الأمور إلى نصابها، واستطاعت بمساعدة حقيقية من القوات السورية البطلة أن تنهي الوجود المتطرف والارهابي في كُبرى المحافظات والمدن، وتمكنت القيادة السورية من أن ترفع أعلامها فوق معظم التراب المقدّس في كل البقاع التي وصلت إليها وطهَّرتها من الدنس المتطرف.

 إن الوجود الروسي الصديق في سوريا ضروري وحتمي للحفاظ لاحقاً وفي المستقبل أيضاً على الآمان والسلام، ليس في سوريا الحبيبة والجارة فقط، بل وفي الدول المجاورة لها أيضاً، وفي المنطقة العربية عموماً المُبتلاة بالارهاب الغربي والدولي، فالوجود الروسي في منطقتنا لا يمكن مقارنته أبداً بالوجود الأمريكي الاستعماري التوسّعي في بلادنا، فأمريكا لم يكن همّها أن تقيم ما تسمّيه وما تدّعي بأنه الديمقراطية حيثما حلَّت، وإنما على العكس من ذلك تماماً، أن تنشر الفوضى بهدف السيطرة على مقدرات “الشرق الأوسط” من البترول والنفط، والمعادن الثمينة، ونهب الآثار التاريخية التي لا تُقدّر بثمن، ناهيك عن سعيها المتواصل القديم – الجديد لضمان وجود دول تابعة لها، بحيث يمكن من خلالها تمرير قراراتها أيًّا كانت دون أن يُعارضها أحد!

 ولعل مِمَا يلفت النظر، هو أن الإعلام الغربي الموجّه بخبث والذي حاول مراراً أن يُقنع العالم بأنه لا يوجد من العرب مَن يؤيد الوجود الروسي في سوريا، لم يستطع أن يفرض هذا التضليل الإعلامي على العالم، وقد ظهرت أصواتٌ عربية عديدة تعارض ما يُبَث من سموم في الإعلام الغربي والأمريكي بخاصة، ومن خلال مواقع عديدة، أبرزها (مجموعة الرؤية الاستراتيجية “روسيا – العالم الإسلامي”)، وهو الموقع الذي جعل من نفسه بوابةً للحقيقة عن الواقع الروسي، وكل ما يتعلق بالعلاقات العربية الروسية، وذلك دون كللٍ أو مَلل.

 لقد مَنحت روسيا للشعب السوري قُبلة الحياة ليعود إليه الاستقرار والأمان وليثق بالمستقبل الذي يُبشّر برخاء وتطوّر وازدهار كبير في سوريا الصامدة، ويَعود الدور المحوري لروسيا على مستوى العالم في مواجهة التوحّش الرأسمالي الأمريكي اللامتناهي، إذ مَنحت موسكو بوتين واقعنا العربي فرصةً جديدةً وثمينة للحُلم بغدٍ أفضل بعيداً عن التطرّف والإرهاب بإسم الدين والعيش على ذمة الموت!

شاعر وإعلامي وكاتب أردني معروف، يَنشر في عدة بلدان، وعضو قيادي متقدّم في رابطة القلميين العرب حُلفاء – الأردن.

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. بعد نهاية الحرب العالمية الثانية كانت روسيا تقف مع القضايا العربية وعلي سبيل المثال كانت تهدد العدوان الثلاثي من انجلترا وفرنساواسرائيل لمصر في وقت عبد الناصر
    عبد الرزاق شيخ علي زياد
    صومالي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here