طارق الحايك: ناقـل البحرين.. “أنبوب السلام” الذي تأبى المياه الجريان فيه

طارق الحايك

خلال السنوات الأربعين الماضية تقلصت مساحة البحر الميت بنسبة 35%، إذ إن منسوب المياه فيه ينخفض بمعدل متر ونصف المتر سنوياً، وبدعوى حمايته من الجفاف والزوال، برزت فكرة مشروع ناقل البحرين في قمة الأرض التي عقدت في جوهانسبرج عام 2002م، حين اتفقت كل من الأردن وفلسطين واسرائيل، على مشروع يهدف لنقل المياه عبر انبوب بطول 180كم من خليج العقبة حتى جنوب البحر الميت، فقدمت البدان الثلاثة طلباً للبنك الدوليّ من أجل دراسة جدوى المشروع، والإشراف على عمليات التقييم البيئي والاجتماعيّ له، وفقاً لمبادئ البنك وسياساته.

وعدا عن رفع منسوب البحر الميت، يهدف المشروع إلى استخدام المياه المنقولة من البحر الأحمر في توليد الطاقة الكهربائية، من خلال إنشاء محطة لتوليد الطاقة الكهرومائية، للاستفادة من الارتفاع الشاهق لسقوط المياه والبالغ 507م، كما يهدف إلى زيادة إمدادات المياه الصالحة للشرب للدول الثلاث، والتي تعاني نقصاً حاداً في مياه الشرب، من خلال إنشاء محطة لتحلية المياه بقدرة استيعابية تبلغ 850 مليون م3 سنوياً، إلى جانب ذلك فمن الأهداف التي كانت مرسومة في رؤية المشروع، إعمار المنطقة الواقعة بين خليج العقبة والبحر الميت، وإقامة مناطق صناعية حرة، ومنتجعات سياحية على طول القناة، ومشاريع زراعية، ومشاريع لتربية الأسماك في برك وبحيرات صناعية، ومشاريع تكميلية للمشروع نفسه مثل صناعة تحلية المياه وغيرها.

بيد أن المشروع في حال تنفيذه يمكن أن يخلف أضراراً بيئية كبيرة، إذ إن هناك احتمالات أن تغرق المياه المتدفقة أراضٍ واسعة، وأن تغمر منشآت ومواقع سياحية وأثرية، وأجزاء من طريق غور الصافي العقبة، ومنشآت البوتاس، إضافة إلى احتمال زيادة النشاط الزلزالي، كما أن تدفق المياه إلى البحر الميت قد يعمل على تحويل البحر الميت إلى بحر حي، بسبب انخفاض تركيز الاملاح، فضلاً عن خطر احتمال انفجار القناة، لأسباب طبيعية أوتخريبية.

وبحسب تقرير لمعهد فلسطين للدراسات الإستراتيجية في قطاع غزة فإن تدفق نحو 2 مليار متر مكعب سنوياً من مياه البحر الأحمر إلى البحر الميّت، سيؤثر على كنوز البحر الأحمر وثرواته، حيث مناطق الشعب المرجانية وحدائقها التي لا تقدر بثمن، والأسماك الملونة النادرة التي ازدهر بها جنوب سيناء سياحياً، كما أن تغير الخصائص البيئية للبحر الأحمر وتياراته المائية، سيحدث تغييراً في حياة الأحياء المائية الموجودة به، مما سيحدث تدميراً للشواطئ والأحياء المائية والشعب المرجانية التي تعيش في بيئته منذ آلاف السنين.

وبين التقرير أن القشرة الأرضية في منطقة البحر الأحمر بشكل عام رقيقة وغير متماسكة، الأمر الذي عرّضها في الماضي لعدد من الزلازل والهزات الأرضية الخطيرة، ونقل 2 مليار متر مكعب من مياه البحر الأحمر سنوياً إلى البحر عبر القناة المقترحة، وإسقاطها من هذا الارتفاع سيزيد من اضطراب القشرة الأرضية وتشققها، وسيؤدي إلى حدوث مزيد من الزلازل والهزات الأرضية التي ستتأثر بها المنطقة كلها.

لكن ومع كل هذه المخاطر التي قد يسببها المشروع، فإن التمسك بتنفيذه من قبل الأردن ودون إجراء أية مراجعات مدعاة للاستغراب، فهو يعتبر ناقل البحرين مشروع القرن بالنسبة له، والحكومة الأردنية تصرّ على أن المشروع لا يشكل محطة للتعاون مع إسرائيل بقدر ما يشكل حاجة وطنية ملحّة للأمن المائي الأردني، إلا أن التكلفة العالية للمشروع تحول دون تنفيذه من الجانب الأردني بمفرده، وهو ما يحتم أن يتم التمويل على شكل منح وقروض، وأن يكون مشتركاً بين الأردن وفلسطين وإسرائيل، وبالتالي فلا بدّ من طرح المشروع بشكل إقليمي كجزء من المشاركة الدولية في العملية السلمية.

المشروع مطروح منذ زمن بعيد عند الاسرائيليين، إذ تفكر الحركة الصهيونية منذ نشأتها، في الربط بين البحر الميت وأحد البحار المفتوحة (المتوسط أو الأحمر)، وتم خلال أكثر من مئة سنة مضت إنجاز عشرات الدراسات التي تناولت الموضوع، وقد ولدت الفكرة في منتصف القرن التاسع عشر، خلال مرحلة التنافس الاستعماري بين بريطانيا وفرنسا على التحكم بالطرق المؤدية إلى المستعمرات في الشرق، خاصة مع تبلور فكرة حفر قناة السويس لدى الفرنسيين، ما دفع البريطانيين للبحث عن ممر بحري دون المرور بالقناة، وقد طرح المهندس البريطاني وليام آلن عام 1850م فكرة ربط البحر الميت بالبحر المتوسط عبر قناة تبدأ من خليج حيفا إلى وادي الأردن، بحيث يمكن رفع منسوب المياه في البحر الميت وخليج العقبة إلى مستوى تستطيع السفن معه الإبحار من البحر المتوسط إلى البحر الأحمر عبر البحر الميت، وعرض آلن هذه الأفكار في كتاب له بعنوان (البحر الميت – طريق جديد للهند).

لاحقاً تراجعت بريطانيا عن المشروع، لكن الحركة الصهيونية التقطت الفكرة وطورتها، إذ اقترح منظروها شق قناة من خليج حيفا إلى غور بيسان، ومن ثم السير بمحاذاة نهر الأردن، وصولا إلى البحر الميت، بهدف استغلال فارق الارتفاع 400م ما بين سطح البحر المتوسط والبحر الميت لتوليد الطاقة، وقد قام تيودور هيرتزل بعرض هذا المشروع في كتابه (أرض الميعاد) الذي صدر عام 1902، ثم تتابعت الجهود بعد ربطها بزيادة عدد اليهود في فلسطين، والذين يتطلب استعمارهم للأرض مزيداً من المياه، فتم تشكيل “لجنة استقصاء الحقائق في فلسطين” بهدف دراسة ومعرفة إمكانيات استيعاب المستوطنين اليهود في فلسطين، بناء على استغلال أقصى للأراضي والمياه الفلسطينية، ونشرت اللجنة أول تقرير لها في عام 1943 يتضمن عدة اقتراحات منها: تحويل مياه نهر الأردن لأغراض الري، وتعويض انخفاض مستوى البحر الميت الناتج عن ذلك بنقل مياه البحر المتوسط عبر قناة إلى البحر الميت، إضافة إلى استغلال ذلك في توليد الطاقة.

في السبعينيات بدأت الفكرة تتبلور، إذ وجهت اسرائيل دعوة للأردن للمشاركة في تنفيذ المشروع الإسرائيلي لربط البحر الميت بالبحر الأبيض المتوسط ، لكن الأردن رفض المشروع  وطرح مشروعاً بديلاً يربط الميت بالبحر الأحمر، وهو ما رفضته إسرائيل في البداية، لكن بعد إتفاقية وادي عربة تم تشكيل لجنة لبحث قضايا المياه، أسفرت عن اتفاق لإنشاء قناة البحرين، إلا أن المشروع ظل معطلاً بسبب تعثر المفاوضات على المسارات الأخرى، واندلاع الانتفاضة، ومعارضة مصر للمشروع الذي يهدد مصالحها في قناة السويس، إلى أن تم الاتفاق في قمة الأرض في جوهانسبرج عام 2002، على شكل جديد للفكرة، يقضي بمد خط أنابيب أطلق عليه “أنبوب السلام” قبل أن تتغير التسمية إلى (ناقل البحرين)، وذلك عوضاً على القناة التي تم الاتفاق عليها سابقاً.

لكن اسرائيل ومنذ عدة أعوام، بدأت تتراجع عن تنفيذ المشروع، بحجة تكاليفه المرتفعة وعدم جدواه الاقتصادية، رغم أن تكاليف المشروع كانت معروفة ومحددة قبل توقيع الأطراف الثلاثة عليه، إذ عادت الحكومة الإسرائيلية واقترحت مشروع ربط البحر الميت بالمتوسط، الأمر الذي شكل صدمة للحكومة الأردنية، التي طلبت من البيت الأبيض الضغط على اسرائيل لإتمام المشروع، إلا أن نتنياهو رفض الضغوطات التي مارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأصر على موقفه في عدم الرغبة بإتمام المشروع، رغم إدراكه لأهميته السياسية، وتحديداً فيما يتعلق بتعزيز السلام مع الأردن الذي اتجه لبديل محلي أسماه (الناقل الوطني) يقضي بتحلية مياه البحر الأحمر ونقلها إلى المحافظات، وهو المشروع الذي من المنتظر أن يبدأ تنفيذه بداية العام 2021.

*صحافي أردني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

1 تعليق

  1. اسرائيل تمهد لاغتصابها الارض بالاساليب الناعمة مثل عقد الاتفاقات التي ظاهرها الخير والبركة وباطنها سموم قاتلة وحراب لاغتصاب الارض ، وهي عادة لا تجاهر بنواياها الخبيثة بل تظهر حسن النية ، وهذا ما فعلته تنهيداً لاغتصاب فلسطين ، فحين ارسل يوسف ضياء الدين الخالدي رسالة الى هرتزل : إن كنتم تنوون إقامة وطن قةمي لكم في في فلسطين فسيكون ذلك على رقابنا . فرد عليه هرتزل : لو كنا نريد وطناً قومياً في اية منطقة في العالم بأموالنا . وحين قابل حاييم وايزمن الملك فيصل الاول قال له : نحن نريد العيش فقط في فلسطين هروبا من الاضطهاد الذي نعيشه في اوروبت . فرد عليه فيصل : إن كان هذا هدفكم فأهلا وسهلا بكم . فلا تغرنك اخي اتفاقية ناقل البحرين واهتم بأردنكم فهو قطعة من ارض الميعاد او من مملكة اسرائيل الكبرى . فعيونهم اليوم على الاردن بعدما كادوا ان يطمئنوا على انتهائهم من اغتصاب فلسطين .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here