طارق الحايك: التحكم في الجماهير.. حروب هادئة بأسلحة صامتة

طارق الحايك

إذا كنت تعتقد أنك حر في تفكيرك وتوجهاتك واهتماماتك فأنت في الغالب واهم، وإن كنت تظن أن ردود أفعالك تجاه القضايا التي تثير انتباهك طبيعيةٌ فأنت على الأرجح ساذج، وإذا كنت ترى أن ما يجري من حولك، سواء في العالم أو حيث تقطن، هي أمور تحدث بشكل عشوائي فأنت في الحقيقة لا تعرف شيئاً، قد يبدو الكلام فظاً لا لباقة فيه، والمؤكد أنه مستغرب حدّ الاستنكار، لا بل حدّ الاستخفاف به والسخرية منه وتجاوزه، لا بأس بذلك؛ فهذا أيضاً من ضمن ما تم التخطيط له منذ سنوات طويلة خلت، حين قررت مجموعة من المتنفذين نقل الثروات من أيدي من وصفتهم بالأغلبية “غير المسؤولة وغير المنضبطة” إلى أيدي أقلية تتمتع بالإنضباط والمسؤولية، وذلك بحسب وثيقة سرية تحت اسم “أسلحة صامتة لحروب هادئة”.

الوثيقة المؤرخة بتاريخ (أيار 1979م) والتي يُرجح أنها تعود إلى بعض دوائر النفوذ العالمي، التي تجمع الرأسماليين وصناع القرار وكبار الساسة والخبراء في مختلف المجالات، تشير إلى الذكرى الخامسة والعشرين لبداية ما أسمتها “الحرب البيولوجية الهادئة” التي تستخدم فيها “أسلحة صامتة”، وهي عبارة عن دليل للتحكم في البشر وتدجين المجتمعات والسيطرة على المقدرات، إذ إنها تهدف إلى خلق اقتصاد يمكن التنبؤ بتغيراته، وبالتالي علاجه، ومن أجل خلق هذا الاقتصاد كان لا بد من إخضاع الطبقات الدنيا في المجتمعات لسيطرة كاملة، وإبقاء القيادة بيد الطبقة العليا، وقد كان الاقتصاد الأمريكي هو المستهدف أولاً، ثم توسعت الخطة لتشمل الاقتصاد العالمي.

تؤكد الوثيقة التي تم العثور عليها عام 1986م، على ضرورة “حماية أمن مثل هذه الكتابات من إطلاع الشعوب عليها”، وتوضح أن الأسلحة الصامتة نشأت من (بحوث العمليات Q.R) التي كانت تستخدم خلال الحرب العالمية الثانية، لدراسة المشكلات التكتيكية والاستراتيجية للدفاعات الأرضية والجوية، إذ تم استخدام طريقة (اختبار الصدمة) على هيكل الطائرة في الهندسة الاقتصادية، لمراقبة ردات فعل المستهلكين من خلال إحداث هزات عنيفة في أسعار السلع، كما تم استخدام الرياضيات للتنبؤ باتجاهات الاقتصاد بذات الطريقة التي يمكن من خلالها التحكم بمسار القذيفة، وتواصلت البحوث والتجارب باستخدام (الهندسة الاجتماعية) التي تسعى لتحليل وضبط المجتمعات، وبالاستعانة بالحاسوب الإلكتروني حتى العام 1954 حين تم الإعلان عن بدء “الحرب الهادئة” في اجتماع للنخبة الدولية.

وتصف الوثيقة “الأسلحة الصامتة” بأنها تحدد المواقف بدلاً من إطلاق الرصاص، وتقوم بمعالجة المعلومات بدلاً من التفاعلات الكيميائية، وتستخدم الحاسوب بدلاً من البندقية، وتخضع للأوامر المصرفية بدلاً من العسكرية، وتضيف أنها تستهدف خيارات الأفراد في الحياة، عن طريق استغلال مداركهم والتلاعب بأفهامهم، للقضاء على الطاقة الاجتماعية، وتدميرهم جسدياً وعقلياً وعاطفياً، وقد استند عالم اللسانيات والمفكر الأمريكي نعوم تشومسكي على الوثيقة لصياغة الاستراتيجيات العشرة التي تعتمدها دوائر النفوذ في العالم، للتحكم في الجمهور، وتوجيه سلوكهم والسيطرة على أفعالهم وتفكيرهم.

بحسب تشومسكي فإن الإستراتيجية الأولى تتمثل في تحويل انتباه الرأي العام عن القضايا الهامة والتغيرات التي تقررها النخب السياسية والاقتصادية، من خلال إغراق النّاس بوابل متواصل من الإلهاء والمعلومات التافهة، وهي إستراتيجية ضرورية أيضاً لمنع العامة من الوصول إلى المعرفة الأساسية في مجالات العلوم والاقتصاد وعلم النفس وعلم الأعصاب، وعلوم الحاسوب

“حافظوا على تحويل انتباه الرأي العام بعيداً عن المشاكل الاجتماعية الحقيقية، وقوموا بإلهائه بمسائل تافهة لا أهمية لها، أبقُوا الجمهور مشغولاً، مشغولاً، مشغولاً دون أن يكون لديه أي وقت للتفكير، فقط عليه العودة إلى المزرعة مع غيره من الحيوانات الأخرى”

أما الاستراتيجية الثانية فتعتمد على افتعال الأزمات وتقديم الحلول لها، وتسمى “المشكلة – ردة الفعل – الحل”، إذ يتم افتعال موقف أو مشكلة لإثارة ردود فعل معينة من قبل الشعب، الذي سيطالب بإجراءات تم التخطيط لها مسبقاً، مثال ذلك السماح بانتشار العنف في المناطق الحضرية، أو تنظيم تفجيرات دامية، حتى يطالب الشعب بإجراءات أمنية ولو على حساب الحريات، أو خلق أزمة اقتصادية يصبح الخروج منها مشروطا بقبول الحدّ من الحقوق الاجتماعية وتدنّي مستوى الخدمات العامّة، ويتمّ تقديم تلك الحلول المبرمجة مسبقاً، من أجل تقبلها باعتبارها شرّ لا بدّ منه.

الإستراتيجية الثالثة تقوم على التدرّج، إذ تشير إلى أنه كي يتم تقبّل إجراء غير مقبول يكفي أن يتمّ تطبيقه تدريجياً على مدى عشرة أعوام، وهي الطريقة التي تم اعتمادها لتمرير تحولات اقتصادية واجتماعية جذرية، وما صاحبها من ارتفاع في معدلات البطالة وتدني مستوى الرواتب؛ تحولات كانت ستؤدي إلى ثورة لو تم تطبيقها دفعة واحدة، فيما تنتهج الإستراتيجية الرابعة منهج التأجيل لتقبل قرارات لا تحظى بشعبية، من خلال تقديمها كدواء “مؤلم لكنه ضروري”، والسّعي إلى الحصول على موافقة الجمهور لتطبيق هذا القرار في المستقبل، ذلك أنه من الأسهل دائما قبول القيام بالتضحية في المستقبل عوض التضحية في الحاضر، ولأن الجهد المطلوب لتخطّي الأمر لن يكون على الفور، ولأن الجمهور يميل إلى الاعتقاد بسذاجة أن “كل شيء سيكون غداً أفضل”، وهو ما يشعره بإمكانية تجنب التضحية المطلوبة، والأهم أن الوقت يتيح للجمهور فرصة التعود على فكرة التغيير وتقبل الأمر باستسلام عندما يحين أوانها.

الاستراتيجية الخامسة تتم فيها مخاطبة الجمهور على أنهم مجموعة من الأطفال، فحين يكون الهدف تضليل الجماهير، تستعمل الإعلانات الموجهة لعامة الشعب خطاباً وحججاً وشخصيات ونبرة ذات طابع طفولي، وكثيراً ما تقترب من مستوى التخلف العقلي، لماذا؟

“إذا خاطبت شخصاً كما لو كان في الثانية عشرة من عمره عند ذلك ستوحي إليه أنه كذلك وهناك احتمال أن تكون إجابته أو رد فعله العفوي كشخص في سن الثانية عشرة”

أما الاستراتيجية السادسة فتعتمد على مخاطبة العاطفة بدل العقل، إذ إن التوجه إلى العواطف هو الأسلوب الكلاسيكي لتجاوز التحليل العقلاني، وبالتالي قتل ملكة النقد، فاللعب على وتر العواطف يفتح الباب أمام اللاوعي ويعطّل التفكير، ويثير الرغبات أو المخاوف والانفعالات.

“يجب أن تكون نوعية التعليم الذي يتم تقديمه للطبقة السفلى في المجتمع سطحية، بحيث تتم المحافظة على الفجوة التي تفصل بين النخبة والعامة، ويجب أن تبقى أسباب الفجوة مجهولة لدى الطبقة السفلى”

هذا هو جوهر الاستراتيجية السابعة التي تتبع سياسة إغراق الجمهور في الجهل والغباء، من أجل إبقاءه غير قادر على فهم التقنيات والأساليب المستعملة، وبالتالي يسهل استعباده والسيطرة عليه، فيما تكمن الاستراتيجية الثامنة في تشجيع الجمهور على استحسان الرداءة، كي ينظر العامة بعين الرضا الى كونهم أغبياء وغير متعلمين.

وتقوم الاستراتيجية التاسعة على تحويل مشاعر التمرد إلى إحساس بالذّنب، من خلال دفع كل فرد في المجتمع إلى الاعتقاد بأنه هو المسؤول الوحيد عن تعاسته، وذلك بسبب محدودية ذكائه وضعف قدراته ومجهوداته، وهكذا بدلاً من أن يثور على النظام الاقتصادي يحط الفرد من ذاته ويغرق نفسه في الشّعور بالذنب، ما يخلق لديه حالة اكتئاب تؤثر سلباً على نشاطه، ودون نشاط أو فاعلية لا تتحقق الثورة، أما الاستراتيجية الأخيرة فمبنية على معرفة النظام بالأفراد أكثر من معرفتهم لذواتهم، فعلى مدى السنوات الخمسين الماضية، نتج عن التقدم السريع في العلوم، اتساع للفجوة بين معارف العامة وتلك التي تحتكرها النخب الحاكمة، وبفضل علوم الأحياء وبيولوجيا الأعصاب وعلم النفس التطبيقي وصل النظام العالمي إلى معرفة متقدّمة للكائن البشري، على الصعيدين الفيزيائي والنفسي، وهذا يعني أنه في معظم الحالات، يسيطر على الأشخاص ويتحكم فيهم أكثر من سيطرتهم على أنفسهم.

*صحافي أردني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. اصبت عين الحقيقة وقلة قليلة فقط تدرك ذلك والأغلبية للأسف لا تعلم ذلك وتتفاجىء به وهذا ان دل على شيء فإنما يدل على مستوى ذكائهم (اقصد القلة القليلة التي تريد أن تحكم العالم وتستحوذ على املاكهم ومقدراتهم) ومكرهم واحتكارهم للعلوم والمعرفة وحجبها عن العامة والتمتع بها لوحدهم وهناك أمور أخرى على لوائحهم أعظم واشرس لا يتخيلها العقل البشري.

  2. أصبت كبد الحقيقة
    نرجو منك التوسع في بعض الحلول لهذه الحالة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here