طارق الحايك: إبادة الهنود الحمر.. المأساة المخفية

طارق الحايك

لعلّ التاريخ الإنساني لم يشهد مجزرة أكثر قذارة من تلك التي ارتكبت بحق السكان الأصليين للقارتين الأمريكيتين، مجزرة راح ضحيتها نحو 100 مليون ممن يعرفون اليوم بالهنود الحمر، رقم مهول من القتلى دفع الجلاد لتصوير الضحية على أنها كائنات همجية متوحشة لا علاقة للإنسانية بها، في صورة بدأت صناعتها منذ أن وطئت قدما الرجل الأبيض القارتين، إذ يصف أول كتاب إنجليزي عن الهنود الحمر نُشر عام 1511م السكان الأصليين بأنهم “وحوش لا تعقل ولا تفكر، كانوا يأكلون زوجاتهم وأبناءهم”، وذلك بحسب ما نقلت عالمة الإنسانية مارجريت هدجن.

هذه الصورة استمر حفرها في أذهان الناس منذ خمسة قرون وحتى سنوات قليلة خلت عبر الإعلام والأفلام السينمائية والرسوم المتحركة، في محاولة للتغطية على المجزرة التي دامت نحو 300 عام تمت خلالها إبادة شعب بأكلمه بأكثر الأساليب فظاعة ووحشية، وبالرغم من عدم وجود إحصائية دقيقة حول أعداد السكان الأصليين الذين كانوا موجودين في تلك البلاد لحظة وطئتها أقدام الأوروبيين، إلا أن أكثر التقديرات تتوافق على أن عددهم في أمريكا الشمالية عام 1500م كان يناهز 100 مليون إنسان لم يبق منهم سوى ربع مليون فقط حسب إحصاء عام 1900م.

المأساة بدأت عندما أكتشف الرحالة الإيطالي كريستوفر كولومبوس القارة الأمريكية عام 1492، وقتها اعتقد أنه وصل الساحل الغربي لبلاد الهند، فأطلق على سكانها إسم الهنود الحمر بسبب لونهم المائل إلى الحمرة، لكن بعد وقت قصير أدرك كولومبس أنه في أرض جديدة غير معروفة يقطنها أناس مسالمون عبروا إليها قبل نحو 9 آلاف سنة من مضيق بيرنغ، الذي يفصل بين قارتي آسيا وأمريكا الشمالية، وعاشوا حياة بسيطة اعتمدوا فيها على الصيد وزراعة الأراضي، وكوّنوا ثقافة خاصة بهم أسست فيها تعاملاتهم على العهود والمواثيق الشفهية، فكانوا أناساً روحانيين يمجدون الأخلاق ويعظمون الصدق ويحترمون المرأة ويقدرونها.

في رسالة بعث بها المطران الإسباني بارتولومي دي لاس كازاس، إلى الملك فيليب الثاني يحثه فيها على وقف إبادة الهنود الحمر، ذكر أن “تلك الشعوب المسالمة الوديعة البريئة تستقبل الغريب في كرم لا محدود وتقدم له الهدايا، إنهم أناس بسطاء وطيبون لدرجة كبيرة، صبورون ومتواضعون، يبدون التزاماً كبيراً بتقاليدهم ويطيعون الأسبان، لا يتنازعون ولا يتقاتلون، ليست لديهم مشاعر الانتقام والحقد والعداء، هم فقراء جداً لكنهم لا يعرفون النهم والطمع”، وهو ما أكده كولومبوس نفسه في رسالة لملك وملكة اسبانيا وصف فيها الهنود الحمر بـ “السذّج وعديمي الخبرة في السلاح والقتال”، وأن “تطويعهم أمر غاية في السهولة”، وقد تباينت نظرة الأوروبيين تجاه الهنود الحمر، لكنهم اتفقوا على أنهم كائنات منحطة وأقل منزلة من الرجل الأبيض، وهي النظرة التي مهّدت لتجريد السكان الأصليين من أرضهم، وارتكاب المجازر الوحشية بحقهم.

كان الهنود الحمر يؤمنون بأساطير تتحدث عن آلهة ستأتيهم عبر المحيط من الشرق، لذا كانوا يجمعون الذهب لتقديمه قرباناً لهذه الآلهة حين تأتي، وكانوا يراقبون الشواطئ انتظاراً لهذه الأسطورة، وحين وصل الأسبان اعتقد الهنود أنهم أبناء الشمس المنتظرين، فأحسنوا استقبالهم وحملوا سفنهم بالذهب، وعلموهم الزراعة والصيد، فأدرك المستعمر الأوروبي سريعاً أنه في أرض غنية بالثروات يسكنها شعب بسيط وساذج، لا خبرة لديه في القتال لأنه ـ باستثناء مناوشات بين بعض القبائل ـ لم يخض أي حرب لأنه كان منقطعاً عن العالم، ومن هنا بدأت أكبر عمليةُ تفريغٍ لأرض من سكانها الأصليين في التاريخ الحديث، وربما في التاريخ كله، من قبل مستعمر خاض المئات من الصراعات والحروب، منحته خبرة كبيرة في السيطرة على هذه الأرض البكر وإبادة سكانها.

في منتصف القرن السادس عشر، ومع تفاقم الصراعات في القارة العجوز، بدأ الأوروبيون بالهجرة إلى أمريكا الشمالية، فشرعوا بإنشاء المدن وتشييد المستعمرات، وقد ساهمت زراعة التبغ ورواج تجارتها، ونشاط التنقيب عن الذهب بتدفق أعداد كبيرة منهم، خاصة من الإسبان والإنجليز، وهو ما تطلب الاستيلاء على الأراضي التي كان السكان الأصليون يعيشون فيها لصالح المهاجرين الجدد، ولذلك كان إفراغ هذه الأراضي منهم أمراً لا بد منه، لتبدأ عملية إبادة نحو 100 مليون مواطن أمريكي أصلي (بعض التقديرات تشير إلى أنهم أكثر من ذلك بكثير) ينتمون إلى 400 عرقية.

وقد تنوعت الأساليب التي استخدمت في عمليات تصفية الهنود الحمر على يد الرجل الأبيض، فالبنادق وحدها لم تكن كافية لإتمامها، ولذلك عمدوا إلى حرق المحاصيل من أجل تجويعهم، بل وحرقوهم هم أنفسهم، وسمموا مياه الشرب، كما نشروا الأمراض المعدية، إذ حين بلغ تنكيل الأوروبيين بهم مبلغاً عظيماً، طلب الهنود الحمر عقد معاهدات صلح، وهو ما وافق المستعمرون عليه، قبل أن يقوموا بإهدائهم أغطية تم جلبها من المصحات الأوروبية، محملة بالطاعون والدفتريا والحصبة والسل والكوليرا، في حرب بيولوجية منظمة قضت على أكثر من 80 % من الهنود الحمر.

وفضلاً عن التهجير القسري للقبائل التي كانت تعيش قرب نهر الميسيسبي إلى مناطق موبوءة لا تصلح للعيش، عمد المستعمرون إلى وضع عقاقير تسبب العقم في آبار المياه كي ينقطع نسلهم، ثم رصدت السلطات التي بدأت تسيطر على الأرض شيئاً فشيئاً، المكافآت والجوائز لمن يقتل هندي أحمر ويأتي برأسه، سواء أكان رجلاً أو طفلاً أو امرأة؛ بواقع 100 جنيه إسترليني لرأس الرجل و50 جنيهاً لرأس المرأة أو الطفل، فانتشر الصيادون يحصدون الرؤوس بأعداد هائلة كان يصعب نقلها أحياناً، ولذلك أصبح الأمر يقتصر على فروة الرأس فقط للتخفيف من الحمولة، حتى أن كثيراً من الصيادين كانوا يتفاخرون بأن ملابسهم وأحذيتهم مصنوعة من جلود الهنود، ثم تطور الأمر لعمل حفلات للسلخ والتمثيل لا يحضرها إلا علية القوم خصوصاً إذا كانت الضحية أحد زعماء القبائل، فالرئيس أندرو جاكسون مثلاً كان من عشاق التمثيل بالجثث، وكان يحسب عدد القتلى بإحصاء الأنوف والآذان المقطوعة، وقد أقام حفلة تم التمثيل فيها بـ 800 رجل من بينهم الزعيم الهندي مسكوجي.

يذكر الكاتب الأمريكي هنري أف دوبينز في كتابة (أرقامهم التي هزلت) أنهم كانوا يأخذون الطفل الصغير من حضن أمه ويلوحون به في الهواء، ثم يتركونه ليسقط ويتهشم على حجر أو جدار، أو يقذفون به داخل النهر، وإذا حاول أحد والديه إنقاذه عاجلوه برصاصة حتى لا يفسدوا عليهم المشهد، وأحيانا كانوا يقذفون بالعائلة بأكملها داخل النهر، ويمنعونهم من الوصول للبر إلى أن تجرفهم التيارات الشديدة ويموتون غرقاً، كما كانوا يشعلون النار في أكواخهم وخيامهم، فإذا خرجوا هاربين تتم تصفية الرجال بالبنادق، ويؤخذ الأطفال كعبيد للعمل في مناجم الذهب، أو لبيعهم في سوق النخاسة، فيما يتم اغتصاب الفتيات، ويذكر المطران دي لاس كازاس أيضاً في كتابة (وثائق إبادة الهنود الحمر) قصصاً كثيرة لا تقل فظاعة ولا وحشية.

طوال أربعة قرون ظل الأمريكيون الأصليون يقاومون المستعمر، ويصارعون من أجل البقاء، لكن سلاح الأوروبيين وخبرتهم في الحروب كانت أقوى من إرادة الهنود الحمر وارتباطهم بأرضهم، ومع نهاية القرن التاسع عشر، أسدل الستار على ما يسمى بالحروب الأمريكية الهندية، وبدأت سيطرة المستعمر المطلقة على العالم الجديد، الذي بات اليوم رمزاً للديمقراطية وحقوق الإنسان، والذي يحتضن على شواطئ نيويورك تمثالاً للحرية يلوّح بشعلته للهاربين إليه من بلاد الظلم والقهر والاستبداد.

*صحافي أردني

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. أن ما جرى لسكان امريكا الأصليين من إبادة وحشية تشويه للتاريخ ، يجري الآن الفلسطينيين العزل على مرأى ومسمع العالم.
    وما جسد الفلسطيني إلا ظل لهندي احمر.

  2. وبناء على ما جاء أعلاه وهو الحق فان امريكا الحالية كيان غاصب لا يستحق البقاء طبقا لكل القوانين وعلى الجميع ان يتعاونوا لتخليص البشرية من الولايات المتحدة و لا فرق بين الكيان المسمى بإسرائيل والكيان المسمى بالولايات المتحدة فكلاهما لا يستحقان البقاء ومن يسعى في إزالتهما فهو مقاوم شريف ويجب على الجميع دعمه وتحية من عراق المقاومة لكل ام فلسطينية قادمون يا امي

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here