ضيف حمزة ضيف: “وودستوك” الجزائري! 

 

 

ضيف حمزة ضيف

 

 

في سنة 1969، أحدث مهرجان “وودستوك” المقام على مقربة من مدينة نيويورك، ضجة ضخمة. وعلى مدار الثلاثة أيام؛ تعاطى الشباب وقتذاك كثيراً من الحب، وعقدوا ضفائر حبيباتهم في سياراتٍ مسقوفةً بالحديد، وأخرى مكشوفة الظهر، فيما نصف ما تبقّى إبّان ثلاثة أيام من “السلام والموسيقى”، خلدوا إلى النوم في العراء مع قيثاراتٍ مهشّمة وعلبٍ مخرومةً من بيرة رخيصة!

الذي حدث في “وودستوك” أسّس لثقافة موسيقيّة كبرى، ظلت لردحٍ من الزمن علامة ثقافيّة بائنةٍ على زمنٍ؛ نحا بهدوءٍ وئيدٍ نحو الأفول تارةً في التقويم الكلاسيكي، وإلى الذبول تارةً أخرى في تقويم الحالمين بأزمنةٍ لن تعود.

كتب صحفيون محافظون، عن ذلك الرافد البشري، فواحدٌ تنبّأ باضمحلال “القيم”الأميركيّة، وآخرٌ رثى ما ترسّب من سلطةٍ للعائلة، في زمنٍ أميركي يبدو أنّه لم يعد يرقى إلى ما كان عليه قبل ثلاثة أيام فحسب.

الثابتُ والفارق بين هذين الزمنين؛ أيّ الزمن الأميركي وقتها، والزمن الجزائري حالئذٍ؛ هو أنّ الشباب المتدفّق إلى ساحة مقام الشهيد أعالي العاصمة الجزائريّة، لم ينبرِ لأجل ثقافة تملك رصيداً ذاتياً وشخصياً للدفاع عنها، مثل ثقافة الروك الذي ارتقى الأيام الثلاثة النيويوركيّة عالياً، تماماً كما يعتليّ متسابقٌ الركمجة فوق الموجة المتعاليّة..

إنّ ما حصل هو صراعٌ مخيفٌ بين ثقافة الشهرة التي تمنحها وسائطَ تفتقدٌ إلى احترام الخطوات لبلوغٍ مدى مسطّح، أكثر أماناً  وأشد استقراراً، وبين ثقافةٍ على ما فيها من العللِ؛ أسّست لعنوانٍ زمنيٍ لا يمكن المرور عليه بثروة أخلاقيّة في الحكم، لقد فصل الروك في “وودستوك” بين المرور الهادئ والتقييم الأخلاقي، بينما أسّس ما حصل في مقام “الشاهدِ على انتصار السخافة”  لتقييم إنساني لا يمحوهُ المرور الهادئ.

الحافز على مهرجان “وودستوك” هو الموسيقى، الدافعٌ لـ “مقام الشهيد” هو شخصٌ يخلو من أيّ عمقٍ، تمكّن بفضلهِ من سحب عشرات الشباب الفاقدين للعمق، لأجل ارتقاء مكانٍ، منذُ أنّ أسّس سنة 1982 وهو في حربٍ عتيّة مع أيّ عمق!

إنّها حالة لزجة حقاً، تدفعٌ نحو قرف التوقع، أكثر ممّا تحتفظُ بفائض التقزّز..

شخصٌ يصوّر حياتهُ الخاليّة من كل دلالة، يمكن أن نتركها لصاحبها لو لم تستقطب عشرات الشباب، لأجل إحياء عيد ميلادهِ، في موقعِ ينزّ بالتفاهة، فيما حياتهم في وطنهم، عصيّة عن التحقّق، ودولتهم دون الدولة، وإنسانهم – مع الوقت- صار دون أناسي الأوطان المجاورة.

ذلك أنّ بلادهم لم تعد تحتمل كل هذا البذخ من تفاهة السياسيين، وصولاً إلى مثول السخيفين الواجهة، وليس انتهاءً بتفكّك قيم المواطنة التشاركيّة بين أفراد شعبهم.

لقد كنّا نقول بأنّ السياسي في هذه البلاد أو في غيرها، بإمكانهِ أن يدفع أنصاره للكسر والشغب، ولكنّه يعجز أن يقنع نصفهم – على الأكثر- بأنّ يغرسوا فسيلة نباتٍ على عتبه منازلهم، الآن؛ لقد باتت المعركة محسومةً لمن يتمّ “قضينتهم” من قبل أنصارهم، بينما هم يفتقدون إلى مثقال ذرةٍ من قضية.

الثابت في وطنٍ كهذا، أنّ التفاهة بعد أن قضت عمراً في بيع نفسها بالرخيص، باتت اليوم غالية، وتستأهلٌ كل هذا العناء..

 

 

* كاتب جزائري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here