ضيف حمزة ضيف..بين شرف “روان” في سورية.. وأقفال المُحبين في الجزائر.. ثـُــلّمة لم تُسدّ!

daif hamzeh daif22

ضيف حمزة ضيف

صُدمَ العالم كله سيما المشّاهد العربي، بما أقدم عليه التلفزيون السوري الرسمي من عرضه لفيديو وصفهُ بالإعتراف “القاسم” و”الحاسم” وشحن لأجل ذلك كلّ موارده الدّعائية والبشريّة … كان ذلك فيديو الطفلة السوريّة: “روان قدّاح 16 عامًا” تعترفُ فيه بتفاصيل مثيّرة عمّا تعرضت لهُ ممّا بات يُعرف بــ”جهاد النكاح” .
لم يقم التلفزيون الرسمي بتغطيّة وجه الطفلة حمايةً لها من كل ما يتأتّي عن “إعتراف” بـ”جهاد النّكاح”، ورواسب هذا الإعتراف عليها وعلى عائلتها ومنطقتها ككلّ ، وجاءت الذريعة واهيّة كسيل الحججّ التي يتمعّن النّظام السوري في حشّدها، كلما إنصرفَ عن البواعث الأخلاقيّة من أجل أن يخدمَ رغبتهُ المزمنة في البقاء والإستمرار، فقد جاء ردّ أنصاره بالغ السخف والهزال الإخلاقي و هو، أن كشّف هوية الطفلة يؤكد مصداقيّة القصة، و يضفي عليها طابعًا توثيقيًا يدرأ أيّ شك من المتوقع أن ينشبَ حيال القصة برمتها .

والحال، إنّ حجّة مثل هذه، تعمّق الشّرخَ أكثر، وتتجه الى التأكيد بأنّ النظام السوري الإستبدادي لم يعد قادرًا على التغلغل إجتماعيًا و أخلاقيًا إلّا من خلال الأقنيّة المشبوّهة واللاأخلاقيّة، خاصةً وقد يتعمّق الشّك في القصة كلها حالما نعرف أن” روان قدّاح”هي إبنة “ميلاد قدّاح” أحد رموز الحرّاك في درعا منذ أوائل الإنتفاضة.

من جهنه “هيثم منّاع” رئيس التنسيقية الوطنية في المهجر، إعتبر ما حدث عمليّة “إعدام على الهواء مباشرةً”، ولا يمكن أن تأخذ شهادتها كـدليل إدانة، أو “وثيّقة قضائيّة”  بلّ هي “جريمة حرب” .

لا أحد يُنكر أنّ الطفلة “روان قدّاح” كانت تتكلم بطلاقة دون أن تتلكئ و لو تحت تأثير الصدمة أوضغطّ الذّاكرة، حيث بدت و كأنها تحفظ نصّ “الإعتراف”  وتحافظ على تتاليّ الكلام وتواتر الأحداث دون أن يشوّبها أيّ خلل منطقي في ترتيبها،  على نحوّ مثير و سينمائي سديد الحبكة برباطة جأشٍ ملفتة .

قناة الشّروق الجزائريّة : “غزوة” تليلملي لنزع أقفال الحب:

لم أكنّ أريد الحديث عن قناة “الشّروق”، فقد سبقَ وأن تناولنا أدائها في الأسبوع الماضي ، لولا أنها غيّرت برمجتها في وقت الذروة و إستعادت برامج “التوك شوّ” مستلهمةً هذه المرّة البرامج السجاليّة المثيّرة، وكان تقليدها لبرنامج “الإتجاه المعاكس” واضحًا جدًا من خلال برنامجها “أستوديو الجزائر”، حتى أن مقدم الحصّة بدا أنه متأثر بفيصل القاسم في طريقة إعادة تدوير الأسئلة، و سقفها بهالة من الإستفزاز تجعل الطرف الآخر يخرج عن طوّره حيناً، وحيناً يتفادى – دون قصدٍ- أيّ “دبلوماسيّة” في الحوار أو الردّ، هذه المرّة كان الموضوع غاية في الطرافة و الوجاهة في ذات الوقت ، إنّها “أقفال الحب” التي عكفَ العشّاق على تعليقها على شبّاك حديدي في جسر يطلّ على ربوة جميّلة في قلب العاصمة الجزائرية مقلدين الأقفال الباريسيّة.

كانت المواجهة بين دكتور في علم الإجتماع و رئيس حزب الصحوة “غير المعتمد” – وهو حزب سلفي- الشيخ عبد الفتاح حمداش، ومردّ هذا الحوار أن الإخوة السلفيين قاموّا بـ”غزوة” الى الجسر المذكور، وقاموا بكسّر الأقفال بحجّة أن هذا ليس من العادات والتقاليد الجزائريّة و أمر مخالف للشّرع ، و يساهم في نشر الرذيلة و سوء الأخلاق ، بلّ لقد أطنبَ الشيخ عبد الفتاح في شرّعنة ما فعل مستعيّناً بما فوّضه إليه الجيران حمايةً لإبنائهم من الإنحراف ، ومشّاهدة مناظر تمس بالخصوصيّة المجتمعيّة…. و تبلغ ذروة الإثارة حين قال الشيخ عبد الفتاح :
لقد وجدنا بعض الأقفال تحمل رسومًا و أشكالاً ، إتضح بعد أن تمّ سكب “ماء زمزم” عليها أنها تحمل السّحر و محدثات الأمور..
بيّنما كان خصمه ضعيفاً ..مركزًا على سماحة الإسلام، بصيغ لغويّة مملّة يتوسطها الصمت والتعثر كثيرًا ..

ينبغي أن نفتحَ جبهتين للنّقد في هذا الأمر:

جبهةٌ: تتناول الأداء الإعلامي الجيّد للبرنامج ومساحة الحريّة الممنوحة للأطراف و قدرة مقدم البرنامج السجاليّة، بعيدًا عن الأسئلة الجاهزة و المرور العابر على النقاط التي تستأهل وقوفاً  مليّاً و جادّاً ..فقد كان المقدّم جيدًا في هذا .

أمّا الجبهة الثانيّة : فتتناول ما أقدم عليّه الشيخ عبد الفتّاح من إجتهاد شخصي ، رفقة حركته غير المعتمدة قانونيًا وأنصاره من الإخوة السلفيين الى إحتلال الجسر وكسّر الأقفال وتعليق شارات مكتوب عليها :
لا حول ولا قوة إلّا بالله ، اللهم لا تأخذنا بما فعل السفهاء منّا” .

هذا الأمر يحيّل الجزائريين الى أوائل التسعينيّات، حيث كان أنصار “الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ” يُواجهون مخالفيّهم بالمصاحفَ و كتب السننّ ..بما يبعثُ  في نفس النّاظر أننا بإزاء فسطاطين إثنين : فسطاط الحرب و الإسلام و فسّطاط الكفر و الفسق و عظائم الأمور ؛ ثمّ من خوّل هذه الجماعة أوّ تللك أن تجتهد للنّهي عن المنكر فيّما يشبه “الشّرطة الدينيّة” بعيدًا عن أيّ تفويض رسمي !
بيّنما  إكتفت الدّولة بمشّهد المتفرّج ، ولمّ تعطي الأمر أيّ مساحة تًذكر ..
و هو الذي يقودنا الى إستنتاج لا يخرج عن أمرين :

الأمر الأوّل : هو أن الدوّلة و قوّات الامن يتفادون أي مواجهة مباشرة مع المدنييّن ، خوفاً من إستثمار ذلك إعلاميًا، وبالتالي عوّدة الملف الجزائري الى الواجهة الإعلاميّة و هو الامر الذي لا يخدمُ حالة ” الهدوء” و “السلم” و قدّ ينجرّ الى طرح ملفات أثقل و أكثر تأثيرًا .

الأمر الثاني: هو إنشغال الدوّلة بالتعديل الوزاريّ ، و الزوّبعة التي تلتهُ و حديث “العهدة الرابعة” أو “التمديد” الذي طفا الى السطح مجددًا .
و لأنّ إنشغال المواطن بــ “أقفال العشّاق” سوف يزيد في خصوّبة الإستقالة الشعبيّة من ملفات السياسة و الإقتصاد ، فمن المتوقع أن تترك الأمر يمر في سياق العابر تفاديًا لكل ما ذكرنا ، وتحقيقاً لسلام ثميناً بينها وبين المواطن . و لأن “الحب” و “العشّق” هو المكافئ النووي  للسياسة؛ فلا غروّا أن تشتري الدوّلة السلام الوردي بالأقفال و الخرزّ الزرقاء على شبّاك الجسّر المسكين .
كما أنّ ” الجسر الذي كان يستقبل المنتحرين سابقاً،  أصبح يستقبل الآن المحبين للحيّاة ، والمؤمنين بإنتصار دولة الحب على دولة التمديد” قال لي عاشق يائس بليغ اللغة  و الحجّة .

بين شرف “روان” في المشرق، وأقفال المحبيّن في المغرب، ثُلمة لم تُسدّ  :

أمر يبعث على الحرج والألم ، هذه الحالة العربيّة التي سادها نوع مقلق من الإستقلال و الإنكفاء ، أن تجدّ جرحاً مشرقيّاً سورياً آخذٌ في الإتسّاع و التباين ، بيّنما ينفصل المغرب العربي بشيء من الإختصار والإختزال عن القضايا التي تمس المناخ العربي المشّترك ، فبعد أن ظفرت العلائق العاطفيّة بين مشّرقٍ لا يركنٌ الى سلام حميم ، ومغربٍ يخلق حكّامه قشّرة صلبة تؤمن بقائهم على سدّة الحكم تحت شرطيّة بالغة القسوّة شارتها الإبتدائيّة : “إننا منشغلين بــ “إتحاد مغاربي” لا يزال يحبوّ بأرجل كسيّحة ” ، الأمر الذي يعمّق الهوّة الوجدانيّة بين المشرقين العربيين .
رغمَ أن الوعي الشعبي لا يزال ينبضُ بالهمّ العربي / الإنساني الواحد ، قد يبدوّ هذا الكلام طوبويًا بدين الخيال ، ولكنهُ موجود و لوّ بخطوط رفيعة تجتهد وسائل الإعلام المغاربيّة – بقصدٍ أو دون قصد – أن تأكد نحافته وتماثله الى الإضمحلال .

Print Friendly, PDF & Email

10 تعليقات

  1. موضوع الفيديو المفبرك – بصفة مؤكدة – أحدث زوبعة كبيرة وترك انطباعا لدى العالم أجمع ان النظام السوري يسقط اخلاقيا كل يوم حيث بات يمارس حاليا كل الالاعيب الشيطانية المعروفة وغير المعروفة تحت مظلة دولية . وبالنسبة للحالة التي طرحتها حول قضية أقفال الحب في الجزائر رغم النكتة التي تلف هذا الموضوع فهو في الحقيقة يكشف عن انقسام خطير يضرب المجتمع العربي في الصميم ، وهو صراع المتأسلمين من جهة وبين اللامبالين من جهة اخرى . وأريد ان ابدي رأيا حول ظاهرة التدين المتطرف وغير القابل للتعايش ، فهذه الظاهرة يتحمّل الفصيل المقابل لها نسبة كبيرة في نشأتها وتطرفها ويتبع كل هذا لاحقا الصدام الأكيد معها .

  2. رغم اني ضد النظام السوري ولكن لا ادري كيف يمكن للمصالحة ان تتم بين الشعب السوري ويوجد من يسمي وسيلة اعلام “ثكنة عسكرية” !!!!!!!!! ماهذه القسوة

  3. كان من المفروض أن لا يصل الأمر بنا الى خطاب موجه للمشرق وآخر للمغرب لولا هذا الواقع الاليم الذي خلفته أنظمة تقبع على صدورنا، ولكن رغم كل هذا فلا يزال ذلك الرابط الوجداني الذي يشعر به كل فرد عربي من المحيط الى الخليج . ومقالك هذا يؤكد ذلك بصفة واضحة وصريحة . مايحزّ في أنفسنا كثيرا تلك المعالجة الإعلامية المتخلفة والساذجة والغبية لقضايا ذات أهمية ، فترى مثلا كيف ان الرئيس السوري يبذل خطابات جدية موجهة للراي العالمي او للانظمة الغربية بينما يعرض على شعبه مايشبه البروباغاندا المتكلفة كتسويقه لرواية ” روان قداح ” حول جهاد المناكحة . وهو بالمناسبة كذبة ابتدعها النظام ولا يوجد لها أي أثر .

  4. كان من المفروض أن لا يصل الأمر بنا الى خطاب موجه للمشرق وآخر للمغرب لولا هذا الواقع الاليم الذي خلفته أنظمة تقبع على صدورنا، ولكن رغم كل هذا فلا يزال ذلك الرابط الوجداني الذي يشعر به كل فرد عربي من المحيط الى الخليج . ومقالك هذا يؤكد ذلك بصفة واضحة وصريحة . مايحزّ في أنفسنا كثيرا تلك المعالجة الإعلامية المتخلفة والساذجة والغبية لقضايا ذات أهمية ، فترى مثلا كيف ان الرئيس السوري يبذل خطابات جدية موجهة للراي العالمي او للانظمة الغربية بينما يعرض على شعبه مايشبه البروباغاندا المتكلفة كتسويقه لرواية ” روان قداح ” حول جهاد المناكحة . وهو بالمناسبة كذبة ابتدعها النظام ولا يوجد لها أي أثر .

  5. selon votre article , il y a vraiment une grande coupure entre l’orient et l’occedent , malgris cette appeletion n’existe que dans notre imaginité arabe , psq les orientalistes donne une autre appelation au monde arabe mais en tous cas votre tentatives d’approcher les deux cotés va permettre de minimiser cette coupure merci Monsieur

  6. أستاذ قرات المقال ولم افهم المقارنة التي وضعتها بين ماعرض في الاسبوع الفائت في قناتين الاولى تابعة للنظام السوري – ونعرف كلنا ان هذه القناة اصبحت في هذه الايام ثكنة عسكرية تعرض مالا يجوز ان يعرض – والثانية تدعي انها خاصة وهي بالاحرى تابعة للنظام الجزائري . مايهمني هو اختيارك للموضوع الذي طرحته قناة الشروق وهو في رايي لا يستحق الكتابة عنه .

  7. selon votre article , il y a vraiment une grande coupure entre l’orient et l’occedent , malgris cette appeletion n’existe que dans notre imaginité arabe , psq les orientalistes donne une autre appelation au monde arabe mais en tous cas votre tentatives d’approcher les deux cotés va permettre de minimiser cette coupure merci Monsieur .

  8. من المفترض اننا نتكلم عن عالم عربي موحد في همومه وقضاياه إلا ان هذا المقال يكشف حقيقة الامر ولو ان هدا الإنفصال يبدو في القمة فقط ، فمن الملاحظ أو من المؤكد ان الإرتباط الوجداني بين جهتي الامة حاضر وبقوة في ذهن الفرد العربي ، مقال جميل يكشف هذه الرؤية بوضوح وبدقة متناهية

  9. للاسف حال البعض كحال الزروج المخدوع الذي اخر من يعلم …هل سوء النظام السوري يعطي المعارضة كرت البراءة وينفي عنها السلبيات والفواحش ..لا اريد تكذيب او تصديق ما نشره التلفزيون السوري ولكن لماذا التصميم ان النظام كاذب ..اليس محتملا ان تكون هذه الصبية ضحية وحوش جهاد المناكحة ..
    المقنع في الامر هو ما قاله السيد هيثم مناع ان ما حصل على شاشة التلفزة هو اعدام بشع لهذه الطفلة ولكن الم نسمع ونقرأ ونشاهد قصص ليست اقل ايلاما ..هل العائدة الى تونس وفي احشاها سفاح وفي دمها فيروس الايدز ..هل قصتها اقل ايلاما من قصة روان ؟؟..
    للاسف سيخرج البعض متهما الشيعة والروافض بكل هذه الافعال ..هذا النوع من البشر يعاني من انفصام ,فهو بطبيعته يرفض هذه الافعال البشعة وفي نفس الوقت يريد تصديرها ونسبها الى طرف يستطيع اقناع جزء من الجمهور بالصاق التهمة له ..طبعا الاسهل هنا الشيعة والروافض لان الكثيرين مهيئون لتصديق اي امر يشوه سمعتهم ..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here