صلاح الدين التهامي المكي.. رواية عرس الزين من منظور انتصار الشخصية القوية

 ors alzaun

حينما قرأت رواية عرس الزين في الماضي وبالتحديد  قبل سنوات خلت استقر في ذهني أن المغزى الرئيسي للرواية هو انتصار الشخصية القوية في اطار مجتمعها الريفي البسيط وذلك حسب المعايير الي يضعها المجتمع القروى لمسألة قوة الشخصية. وفي قراءتي الأخيرة لنفس الرواية بعد أن عثرت على مجموعة أعمال الطيب صالح الكاملة عنت بعض الملاحظات و الأفكار التي تنصب في ذلك الاتجاه  أوردها فيما يلي

كان الزين منذ البداية ضحية نزعة  المجتمع الإنساني لصب أفراده وقولبتهم في أطر نمطية جامدة وهو ما يطلق عليه الغربيون – stereotyping وتستهدف هذه الممارسة الجماعات و الأفراد على حد سواء هناك بالطبع صور نمطية سالبة شهيرة مثل الصور النمطية السالبة عن اليهود أو الصور النمطية السالبة السائدة في المجتمعات البيضاء عن الأمريكيين و الأوربيين  من أصول أفريقية أو آسيوية أو شرق أوسطية وهناك صور نمطية أخرى حميدة مثل الصور النمطية عن اليابانيين او الألمان الخ وقد قولب المجتمع القروي البسيط الزين في قالب شخصية عبيط القرية و مهرجها في آن واحد. وتدور أحداث الرواية حول الصراع الناجم  لرفض الزين لهذا التصنيف الجائر وسعيه الحثيث نحو الانعتاق من ربقة ذلك الاطار الجامد الذي حد من قدراته و حجم تطلعاته الرومانسية و غيرها

اذن ما هي عناصر القوة في شخصية الزين؟  اولا و منذ الوهلة الاولى يتبادر الى الذهن أن الزين يتمتع بشخصية قوية لأنه أنتصر على عوامل الضعف في شخصيته و انتهت قصته نهاية سعيدة فهو لم يستسلم ولم ينهزم داخليا ولم  ينكسر ولم يقل لنفسه ان هذه العلة التي ألمت به هي ضربة لازب  أو هي نهاية المطاف أو نهاية التاريخ وأنه يتعين عليه أن ينسحب و يعيش محنته لوحده و يتحمل جراحاته. لكن الزين بدلا عن ذلك التوجه الانهزامي، آثر الاندماج في المجتمع ويدل  ذلك على أنه من طراز الشخصيات القوية التي لها قدرة خارقة على مواجهة التحديات و السباحة عكس التيار وليس من طراز الشخصيات الضعيفة المستكينة و التي تنحني للعاصفة من أول مواجهة.  فما هي اذن عوامل القوة في شخصيته ؟أولا كونه يتمتع بقوة جسدية ضاربة و هذا  من عناصر قوة الشخصية خاصة في المجتمع القروي البسيط الذي تنجز فيه معظم الأعمال يدويا ومن عناصر قوة شخصيته أيضا كون الزين يندرج في اطار الشخصية المنفتحة اجتماعيا– extrovert  التي يسعى أصحابها للاندماج في المجتمع وبفعالية وليس الانسحاب منه كما يتصرف البعض من أصحاب الشخصية الانطوائية التي تلحق الضرر بصاحبها و تهدد مصالحه الحيوية وتنتهي به الى زاوية قصية بعيدا عن تيار المصالح المجتمعية الرئيسية.وكان الزين كذلك يتمتع بالقدرة التعبيرية القوية التي تضارع آلية اعلامية متحركة ، فهو  يعبر عن نفسه بقوة و بطلاقة  ولا يخجل و لا يتعثر ويعتبر ذلك أيضا من عوامل قوة الشخصية.

ما هي عناصر الضعف في شخصية الزين أولا كونه قبيحا ويطنب الراوي في وصف مظاهر ذلك القبح فالزين له رقبة طويلة كرقبة الزرافة و عينان صغيرتان  كعيني الفأر وذراعان طويلان  كذراعي القرد  وساقان طويلتان رقيقتان وكان طويلا أكثر من اللازم حتى أن الراوي شبهه بصاري المركب حينا ونظرا لنحافته المفرطة فقد شبهه بالجلد جلد المعزة الجاف وهناك أيضا ما لحق به من تشويه بدني سواء أكان ذلك التشويه ناتجا من علة وراثية أو نتيجة لإصابته بمس شيطاني كما حاولت أمه أن تصور الأمر في محاولة منها أن تضفي على تشوه ابنها  بعدا أسطوريا أو تعتذر عن علته بوصفها حادثة أو شيئا مكتسبا عابرا و ليست مكونا أصيلا أو موروثا جينيا. بغض النظر عن منشأ و طبيعة هذه العلة فقد  أورثته سنا واحدة في فكه الأعلى وسن واحدة أخرى في فكه الأسفل  وكأنه من جنس الأفاعي و ليس من جنس البشر وبالتالي أصبح غير مقبول اجتماعيا ولن يتمتع بتلك الحظوة المطلوبة في عالم النساء خاصة النساء الجميلات اللواتي شغفن قلبه و خلبن لبه وحاول جاهدا أن يفوز بواحدة منهن  ويضاف الى ذلك الصورة النمطية التي استقرت في الأذهان و جعلته عبيط القرية و مهرجها في آن واحد وكان أخطر ما يواجه الزين هو تحول تلك العاهة الجسدية التي لحقت به  الى عاهة نفسية مستديمة.

فكيف تزوج عبيط القرية و مهرجها بأجمل جميلات القرية ووجد القبول الاجتماعي الذي كان يسعى للحصول عليه. من البديهي أنه توجد داخل كل مجتمع عناصر للخير و عناصر أخرى للشر تقابلها مواطن للقوة ومواطن للضعف داخل كل نفس بشرية ويتم الشد و الجذب و التفاعل  بين كل تلك المكونات  وفي حالة الزين انتصرت عوامل القوة على عوامل الضعف في شخصيته فانتصر له المجتمع  ممثلا في قواه الخيرة  فكيف انتصر الزين  على عوامل الضعف في شخصيته؟

لابد أن صراعا ما دار في نفس الزين أفضى الى ترجيح كفة عناصر القوة في شخصيته و لابد أنه كان يملك الاستعداد الفطري اللازم بحكم عناصر القوة الأصيلة في شخصيته والتي اشرنا اليها آنفا وكذلك كان للدور الذي لعبه صديقه الحنين الذي مس بيده الحانية على جراح الزين وسكب من روحه الجميلة على تلك الجراح فاجتذبه من زمرة الاشرار الى زمرة الأخيار علما بان الزين كان مؤهلا ليصبح عضوا في نادي  الاشرار وبامتياز نظرا  لرفض بعض وجهاء القرية لفكرة تزويجه و تشكيكهم في صلاحيته للزواج أولا ولكونه يتمتع بالقوة الجسدية الخارقة الضاربة التي تمكنه من الانخراط و بكفاءة في عالم الاشرارثانيا. يزخر الأدب العالمي بنموذج الدور الايجابي والبناء الذي يلعبه الصديق الوفي المساند أو الشخصية الطيبة وكأن مثل هذا التدخل أمر حيوي ولازم  ويتطلبه الموقف الانساني من أجل انتصار الخير ووضع الأمور في نصابها الصحيح. ويندرج في هذا الاطار الدور الذي لعبته ابنة عمه  ثم زوجته لاحقا نعمة التي كانت تسانده باستمرار أي أنها كانت تساند عناصر القوة في شخصيته على عناصر الضعف.ومن الملاحظ أن الزين بالإضافة الى انتصاره على المستوى المجتمعي حقق انتصارا سايكلوجيا آخر حينما منع العاهة الجسدية من أن تتحول الى عاهة نفسية

ليس لكاتب الرواية الطيب صالح أوهام حول طبيعة المجتمع القروي فهو كسائر المجتمعات الانسانية  مجتمع  انساني له ما له وعليه ما عليه وأنه يحوي عناصر للشر وأخرى للخير ويحتدم بين جنباته الصراع بين جميع هذه العناصر و لكن الغلبة في النهاية كانت لعناصر الخير في رواية عرس الزين ولعل هذه من الاشارات أو الرسائل المتفائلة التي يود الكاتب أن يلفت الأنظار اليها أو التي قد تشكل مغزى مما تحفل به هذه الرواية من المغازي والأفكار ومن الطريف ما أورده كاتب الرواية حول فكرتها حينما قال ” ويرى أهل البلد هذه الأعمال من الزين فيزداد عجبهم. لعله نبي الله الخضر  لعله ملاك أنزله الله في هيكل آدمي زري، ليذكر عباده أن القلب الكبير قد يخفق حتى في  الصدر المجوف و السمت المضحك كصدر الزين وسمته.”

ومعنى هذا أن كاتب الرواية يدعو الى التعمق في فهم حقائق الأشياء وعدم الاكتفاء بالنظرة السطحية العابرة  التي تقف عند الشكل دون الجوهر والمضمون ويحرض كذلك  على  سبر  أغوار الأشياء والنفاذ الى جوهرها الحقيقي ووضعها في سياقها الصحيح من حيث الكون والطبيعة و المجتمع و التاريخ.

وتوج انتصار الزين بليلة الفرح العظيمة  التي شملت جميع مكونات المجتمع القروي في سيمفونية رائعة و تناغم بديع يبشر بأن مجتمع الخير و الجمال و التسامح يتشكل ويولد من رحم العذاب و الصراع و الألم وأن التقدم الاجتماعي والثقافي ممكن الحدوث وقد ينضج بنار هادئة وأنه ضروري و أن الخير لا محالة غالب. وكأني بالقرية السودانية الوادعة الحالمة على ضفاف النيل تحتفل ليس بعرس الزين فحسب بل تحتفل وتعيد أيضا لانتصار الشخصية القوية في محيطها القروي الريفي.

صلاح الدين التهامي المكي- [email protected]

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. قراءة موضوعية رائعة واختيار رائع، فهي رواية تصف مشكلة أزلية كان من المفترض أن تندثر في ظل هذا التقدم الحضري والمجتمعي السائد في العالم أجمع، ولكننا في بلدانا العربية مازلنا نولي المظهر والشكل أولوية أكبر من الجوهر والمضمون، الأمر الذي أصبح سائدا على كافة المستويات.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here