صفوان داؤد: لقاء بوتين اوباما صفقات على انقاض سوريّة

 safwan-daoud.jpg88

صفوان داؤد

تبدو الأزمة العميقة في سوريا نموذج تطبيقي للاستقطابات الدولية الجديدة التي اوجدها صعود روسيا ودول البريكس. ولم تزل هذه الازمة تزداد عمقاً خلال السنوات الاربع الماضية لتوفر ثلاث عوامل رئيسية خاصة بالوضع السوري هي: وجود بيئة سياسية شبه شمولية غير مرنة تمتع بها النظام السوري, وبيئة اجتماعية ذات تنوع طائفي هش, وايديولوجيا قومية عربية مفروضة بالاكراه بوجود المكون الكردي. من هنا يبدو لنا أن استعصاء الازمة السورية هو من تفاعلية بنيتها المحلية مع ارتباطاتها الدولية القطبية. بالتالي حلها يرجع ايضاً لهذه الارتباطات عبر ايجاد صيغة ما, أو بالاحرى صفقة ما تعيد ضبط بنيتها الداخلية, لذلك يحمل لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع الرئيس الاميريكي باراك اوباما هذا الاسبوع على هامش اجتماعات الجمعية العامة للامم المتحدة أهمية كبيرة للملف السوري.

إن عدم ذكر أي شيء عن إسقاط الرئيس الاسد خلال اللقاء الأخير بين الملك السعودي والرئيس الاميركي, ليس خارج هذا السياق. وبوادر صفقات تلوح في الافق. الولايات المتحدة ليست فقط عضو (مافوق اساسي) في مجلس الامن، إنها ايضاً شركات السلاح والبنك التجاري الدولي، وشركات النفط وشركات الاستثمار الأخرى. وهناك ثمة تبدلات دولية جديدة, صعود الصين, تفاعلات حصار روسيا, وموقع ايران الاقليمي بعد الاتفاق النووي, قد فرضت تحولات في السياسة الاميركية, بحيث أن ازمات اقليمية متفرقة هنا وهناك لم تعد ذات عائد جيواستراتيجي مهم للولايات المتحدة. إن مشكلة افغانستان, ليبيا, أو حتى اليمن, أصبحت في الصف الثاني من الاولويات، ولاتريد الولايات المتحدة بشكل أو بآخر الانسحاب خاسرة امام روسيا, كما أن التهدئة في اوكرانيا والدخول العسكري الروسي المباشر في سوريا يؤكد بأن روسيا لن تسمح لها الخروج منتصرة بالكامل. اذن الصفقات هي الحل. بإمكان الولايات المتحدة بالتعاون مع أنظمة اقليمية شمولية, وظيفية كالاردن, او قوية لها امكانيات ايديولوجية كالسعودية, أو صاعدة كإيران, على فرض الاستقرار ثم تسهيل وتنفيذ الصفقات. ولأن الازمات هي صناعة خارجية باستعدادات داخلية في البنية والممارسة السياسية الاحتكارية، لابد وأن تذهب الأزمة السورية الى الحل عبر الصفقات. بالطبع, آخر مايفكر فيه مقرروا السياسات الدولية, سواء كانت منظمات دولية كالامم المتحدة والبنك الدولي, أو دول معنية كالولايات المتحدة وروسيا, الأخذ بعين الاعتبار مانتج عن الأزمة السورية من تدمير للبنى التحتية, وتشظي للمجتمع السوري المنكوب.

 لقد دعمت الولايات المتحدة والغرب عموماً خلال “الربيع العربي” القوى الاصولية الاسلامية كبديل للتغيير, وجعلت مواجهتها في المقلب الآخر مُمكنة عبر العسكر “مصر” مثلاً, أو حكومات لاتملك مشاريع تنموية “ليبيا”, أو أنظمة متناقضة الإرادات “سوريا”. سوريا نموذج الأكثر فظاعة ضمن هذا المشهد، ففي أزمتها المُستعصية مسارات ترتسم خارج المبادرات السياسية، وتدمير “البُنى المدنية” لم يعد فقط  تدمير المدن ونزوح السكان والانغلاق الطائفي. إن قوارب الموت نحو اوربا هي تراجيديا حقيقية لمجتمع يتم تحطيمه. إن البيروقراطية المُزمنة والفساد المستشري في مؤسسات الدولة السورية افلتت زمام المبادرة الاجتماعية منها, وتصاعد الإرهاب السريع الذي هو من تجليات سياسات الدول الاقليمية للحصول على مكتسبات, قد فاق التصور, وجعل الصراع الداخلي يتحول بشكل دراماتيكي نحو العسكرة كحل أقصوي, يدفع قُدماً النموذج السوري-السوري المحلي للحل السياسي للإنهيار, ويُفرَض بدلاً عنه حلولاً سياسية خارجية مستوردة, أقل مايُقال عنها أنها سطحية غير ملائمة للمجتمع السوري بقدر ملائمتها للصفقات الاقليمية والدولية.

الحل السياسي – الصفقة

العسكرة موجودة والبنية الاقتصادية الرأسمالية الملتفة على الاقتصاد الاجتماعي السوري جاهزة للتكيف, وقطعت شوطاً طويلاً في تجذير نفسها ضمن  المكتسبات الشعبية (الاشتراكية؟). النتيجة القادمة: مصالحة سورية عربية تعطي للنظام السوري إمكانية تعويم نفسه امام جمهوره المُنهك عن انتصار. انتصار يتم التحضير له عبر انضمام سوريا مع اخصامها في “مكافحة الارهاب”!، وعبر إعادة انتاج النظام لنفسه، ويحصل الآخرون على مايريدون من الصفقات. لكن هل ثمة صفقات تتجاوز إرضاء الأطراف الإقليمية وتنظر الى مصلحة السوريين في وقف تدمير “البُنى المدنية”؟, ووقف التغييرات الديموغرافية على الجغرافية السورية؟, خاصة أن معسكرات النازحين في تركيا ولبنان والأردن تُشكل حالة ضاغطة على كل الاطراف, ولا يمكن تجاهلها في أي صفقة قادمة. الجواب نعم, في حال كان معيار الحل السياسي (الصفقة) لأي مؤتمر دولي قادم عن سوريا, هو محاربة الارهاب بموازاة إبقاء الجغرافية السورية مشغولة بأبناءها الاصليين, والحفاظ على التكوين الديموغرافي متماسكاً.

كاتب مختص بالشأن السوري

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here