صفقة القرن وردود الفعل المطلوبة!

 

 

موسى العدوان

بعد طول انتظار، انطلق الدخان الأسود من سقف البيت الأبيض، حارقا كل ما تحته من آمال، في الوصول إلى سلام عادل وشامل، بين الفلسطينيين والإسرائيليين. فبعد ما يقرب من 45 عاما من المحادثات والاتفاقات التي شاركت بها بعض الدول العربية، إلا أن نتائجها كانت متواضعة. لقد كان منظرا معيبا عندما وقف ترامب رئيس أعظم دولة في العالم، في مؤتمره الصحفي في البيت الأبيض يوم الثلاثاء الماضي، وإلى جانبه نتنياهو رئيس وزراء إسرائيل، الذي أملي على ترامب إرادته ورغبته، في تحقيق مصالح وأمن إسرائيل.

صحيح أنه تم الإعلان في المؤتمر الصحفي عن حل الدولتين كما طالب به العرب. ولكن الدولة الفلسطينية المقترحة ظهرت كدولة شكلية منزوعة الدسم، تحمل المواصفات المعلنة التالية : لا سيادة للسلطة الفلسطينية على أراضيها، مناطق الحدود والمعابر تحت السيطرة الإسرائيلية، لا جيش ولا مطار ولا تواصل بين أجزاء الدولة الفلسطينية إلا من خلال الجسور والأنفاق، قضايا الأمن تتولاها إسرائيل، القدس عاصمة موحدة لإسرائيل، ولا عاصمة لفلسطين في القدس الشرقية، لا سيطرة للفلسطينيين على المستوطنات المقامة على الأراضي الفلسطينية، لا اعتراف بحق اللاجئين الفلسطينيين، ضرورة الاعتراف بيهودية الدولة. فهل يمكن بعد فرض هذه المواصفات، وصناعة هذا الأرخبيل الهش متقطع الأوصال، أن يشكل دولة فلسطينية مستقلة ؟

           لقد كانت ردود أفعال الدول العربية بما فيها السلطة الفلسطينية، تجاه هذه الصفقة المشؤومة دون المستوى المطلوب. فبعضها وافق على الصفقة بلا تحفظ، والبعض الآخر أصدر بيانات خجولة وغامضة، تدعو إلى التروي ودراسة المقترحات الواردة في الصفقة. أما بالنسبة للسلطة الفلسطينية، فقد أعلن رئيسها محمود عباس رفضه لها، كما جرى من رفض قرارات سابقة، ولكنه بقي متربعا على كرسي الرئاسة.

كان من الأولى بالدول العربية لو صدقت النوايا، أن ترفض الصفقة من حيث المبدأ، وأن تدعو لعقد مؤتمر قمة طارئ، لبحث خطة الردّ على هذه الصفقة السيئة، التي تجاهلت الحقوق العربية والفلسطينية. وأن تعمل على إعادة النظر بالاتفاقيات المعقودة مع الإسرائيليين، ومحاولة إيجاد حلفاء جدد بعد فشل الصداقة مع الحليف الأمريكي.

كان على الرئيس الفلسطيني محمود عباس أن يخلط أوراق اللعبة ويقدم استقالته فورا، وتشكيل رئاسة سلطة فلسطينية جديدة، تعمل على توحيد الفصائل الفلسطينية، وتنتهج سياسة أخرى تتحول بها إلى المقاومة المسلحة. لأن  سياسة المقاومة السلمية التي اتبعها سيادته طيلة العقدين الماضيين، كانت وبالا على القضية وعلى الشعب الفلسطيني. ولنا في الانتفاضات الفلسطينية السابقة، التي أقضت مضاجع الإسرائيليين، دروسا وعبر يمكن الاقتداء بها.

لقد جُرّبت كل الحلول السلمية، منذ عقد السبعينات وحتى الآن، ابتداء باتفاقية كامب ديفد مع مصر، ومرورا بمحادثات مدريد مع الأردنيين والفلسطينيين، وباتفاقية أوسلو مع الفلسطينيين منفردين، وأخيرا  باتفاقية وادي عربة مع الأردنيين. وهذه جميعها كانت مصحوبة بوعود السمن والعسل على الأمة العربية. إلاّ أنها حصادها كان فشلا ذريعا ومضيعة للجهد والوقت.

ورغم الاعتراضات التي كان يبديها بعض السياسيين والناشطين الوطنيين، عن عبثية تلك المحادثات والاتفاقيات، إلاّ أن المسئولين المعنيين، اتهموا أصحابها بالجهل ومحاولة تخريب مسيرة السلام. ثم ردوا على تلك الاتهامات بلاءات متكررة ورفض القاطع لادعاءاتهم. وها نحن نقطف نتائجها المحزنة. في هذه الصفقة الخطيرة والتي جرى التحذير منها مرارا في السابق، قدمها الرئيس الأمريكي اليوم للعرب، على طبق إسرائيلي يحمل القهر والظلم.

وهنا أتساءل : ماذا بقي لأمتنا العربية، وكيف يمكن أن تدافع عن حقوقها وكرامتها، بعد كل ما مارسته الولايات المتحدة الأمريكية ضدها عبر عقود ؟ أعتقد أنه لم يبقَ علينا كعرب، إلاّ الاعتماد على الذات، والقرار على أي من الطريقين سنسلك ؟ طريق الاستسلام للقدر وانتظار ما يفرضه علينا الآخرون، أم الثأر لكرامتنا وانتزاع حقوقنا، من خلال توحيد جهودنا، وإطلاق عمليات المقاومة الفعّالة داخل الأرض المحتلة، ضد عدو متغطرس لا يعرف إلاّ لغة القوة. وهذا ما فعلته الشعوب الحية، فحققت حريتها ونالت استقلالها.

فريق ركن اردني متقاعد

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

5 تعليقات

  1. الأخت المحترمة بيان ابو عطا – القدس المحتلة
    شكرا على مداخلتك القيمة، وقد أرسلت لرأي اليوم الغراء هذا اليوم الأحد، مقالا يبين كيف يجب أن نواجه العدو الإسرائيلي وصفقة القرن. أرجو أن يجد طريقه إلى النور على هذا المنبر المحترم. وشكرا لهيئة التحرير.

  2. السيد موسى العدوان
    دائما ما يستشهد بمقالاتك في احاديثنا عن فلسطين والاردن والكيان الصهيوني ونحترم ونقدر التزامك وحسك الوطني والواقعي. لم افهم توقعاتك حول الرد العربي على صفقة القرن للاسباب التالية: الدول العربية تعني 22 زعيما يتصرفون تبعا لمصالحهم الفردية والتي مرت بمرحلتين. المرحلة الولي مقايضة تقسيم الوطن العربي وقيام اسرائيل مقابل تنصيبهم في الحكم، فلم ينتخب اي شعب عربي زعيمة في تلك المرحلة وكان ذلك صفقة القرن الماضي. وتعامل الغرب مع الدول العربية على هذا الاساس : نحن من نصبك بالحكم وعليك السير في ركابنا. توارث الزعماء هذه الصفقة حتى يومنا هذا. المرحلة الثانية والتي نمر بها اليوم مفادها المحافظة على الوضع القائم (الغاء اي توجه للوحدة العربية ) وانهاء القضية الفلسطينية وزرع معظم الدول العربية بالقواعد العسكرية الغربية والتنسيق الامني مع الغرب ومع المخابرات الاسرائيلية (الموساد) واقامة علاقات اقتصادية وسياسية مع اسرائيل (مقالكم المميز حول صفقة الغاز مع الاردن كمثال) ونهب خيرات الامة مقابل تثنيتكم بالحكم والسكوت على الفساد ومصادرة حقوق الانسان العربي…الخ. فالشعب الفلسطيني مثلا لا يستطيع اجبار سيادة الرئيس عباس على الاستقاله وحل السلطة وهو مطلب كل فلسطيني عاقل. والشعب المصري (100 مليون) لا يستطيع اجبار السيسي على فك الحصار عن غزة مثلا او رفض صفقة القرن .او تقديم قطعة سلاح واحدة لاهل غزة. والشعب الاردني لم ولن يستطيع الغاء اتفاقية الغاز… وهكذا بالنسبة لباقي الدول العربية. هل اخذ اي زعيم عربي موافقة البرلمان او المجالس الاستشارية الصورية على اقامة القواعد الامريكية على اراضي دولته؟ وسيستمر هذا الوضع حتى يصحو الشعب من احلام اليقظة وعندما يشعر بالمستقبل الاسود الذي ينتظرنا جميعا. اتمنى على كتاب رأي اليوم الذين يخاطبون ابناء وبنات هذه الامة العربية المنكوبة ان يركزوا على الاجابة على السؤال الجوهري: ما العمل؟

  3. ولنا في ارض الشام عبره قام النظام العربي المقبور بزعامة ال سعود وقطر بتجييش الجيوش في غوطة دمشق ودربوا وسلحوا بالدبابات والصواريخ وفتحوا الحدود وادخلوا كل ما يلزم للتدمير وحدود تركيا من اجل تدمير النظام السوري بقيادة بشار الاسد كونه سمح لايران بتمديد خط نفط وغاز عبر اراضيه الى المتوسط ويالتهم افلحوا عندما امرهم ترامب بالتوقف توقفوا ؟! وهنا لابد لنا ان نسأل نفس النظام المهترئ ماذا لو كان كل ذلك من اجل تحرير فلسطين هل سيصمد الكيان تلك السنوات ؟! فلسطين وشعبها لازالوا يتعرضون لابشع صنوف الظلم والخذلان وربما هو قدرهم بل هو قدرهم وهم في رباط الى يوم الدين . ودمتم بخير ياباشا

  4. الاعجب ممن يطالبون بالرضوخ لامريكا واسرائيل والانبطاح امامهما وكأن الاردن بقعة جغرافية فارغة بلا شعب ولا قيادة بل مجموعة من الانتهازيين المطبعبين والشخصيات الاذعانية التي تنبطح باشارة من ترامب والصهاينة ….على بعض العرب ان يستحوا من انفسهم خصوصاً في هذه المرحلة المصيرية:ـ فاما نكون او لا نكون ـ …..بسام الياسين.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here