صفقة القرن حلقة من محطات الصراع

زكي بني ارشيد

بالتزامن مع إيقاعات صفقة القرن، والزيارات المكوكية لسماسرة الصفقة الأمريكان، يجري تسخين الحالة السائلة في الشرق الأوسط إلى درجة الغليان، ثم التبريد المفاجئ إلى مستوى الاسترخاء، مع بقاء حالة الترقب والتوتر والاحتكاك وقرع طبول الحرب، ما يعيدنا لاستدعاء طبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني ومحطات الانعطاف التاريخية في مسار هذا الصراع.

فعلى الرغم من تواصل الشعب الفلسطيني بثوراته المتتالية منذ اللحظة الاولى للاحتلال البريطاني الا ان تلك الثورات أُُجهضت بفعل الخذلان العربي و / أو غياب الرؤية الاستراتيجية لادارة الصراع.

الثورات الفلسطينية التاريخية التي حُوصرت وقُمعت اصبحت نشيداً خالداً ملهماً للشعراء والأدباء ومنعشاً للخيال الوطني، واشواق التحرر والانعتاق.

واخرى استهدفت بالاحتواء لدرجة الانحراف بعد ان فقدت الصبر وقالت :

( يا وحدنا ) وتاهت البوصلة فاذعنت لمعطيات اللحظة الراهنة وخضعت لقواعد الاستسلام ورضيت بواجب الدور الوظيفي في حماية الأمن الصهيوني كما هو حال الانظمة الرسمية العربية، التي خضعت لمقولة أن “اسرائيل” شرٌ لا بد منه – هذا مع افتراض حسن النوايا- ثم تبدلت الخنادق والبنادق، فأصبح ” الكيان الإسرائيلي” صديقاً مقرباً  لبعض الأنظمة العربية، وقائداً لناتو عربي لمواجهة الخطر الإيراني، بعد أن نجح في تسويق نظرية العدو البديل، واصبح حفظ الامن الصهيوني واجبا وطنيا او قوميا من اجل بقاء الانظمة والكراسي.

في ظل هذا التهافت تبرز أهمية العودة إلى البدايات الأولى لنشأة الصراع، باعتباره صراعاً وجودياً، وليس على الحدود والمكاسب وبطاقات ال vip .

الصراع في نشأته لم يكن من اجل اقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، ولم تنشأ منظمة التحرير لاجل قيام تلك الدولة على حدود الرابع من حزيران ١٩٦٧ .

نقطة البداية وفلسفة الصراع هو دحر الاحتلال وتحرير فلسطين واما البرامج المرحلية والواقعية وما يتبعها من اعتراف وتطبيع وتدجين انما هو تفريط بالحقوق وانحراف خطير من شأنه ان ينتج العربي الجديد الذي يقاتل لاجل “اسرائيل” وحفظ امنها.

هي حرب الارادات إذا، بين مشروع “إسرائيل الكبرى” سيطرةً وتفوقاً وقيادةً، وبين المشروع الوطني والقومي والإسلامي في مواجهة مخاطر صفقة القرن، ورفض الارتهان والتطبيع والتبعية.

وابرز تجليات المواجهة انها حرب الإرادات والادمغة والعقول، الخاضعة لقواعد الإعداد وبناء منظومة الردع.

( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ).

كعب أخيل “اسرائيل” ونقطة ضعفها الأمن المهدد من فوقهم على الرغم من القبة الفولاذية  وخشية من الانفاق التي من أسفلهم، وجيش الاحتلال الذي اعتاد أن يخوض معاركه مع الجيوش النظامية ويحسمها لصالحه بصورة خاطفة ومتفوقة، لا يحتمل الخسائر المؤلمة وحروب الاستنزاف، وهذا هو العنصر الجديد الذي

 أنتج ثقافة جديدة أصبحت غزة بموجبه شر لا يمكن تلافيه، فالبحر لم يبتلعها كما تمنى رابين ذات يوم، ولا الإرادة قابلة  للانكسار والشعب يتجلى بابداعاته النضالية كلما اشتد الحصار.

  والنتيجة لا مفر من  تجنب الاحتكاك او الاشتباك معها لان اهلها اولي باس شديد.

والولايات المتحدة الأمريكية بعد دورة من الزمان واحتدام القتال مع حركة طالبان، تعود الدبلوماسية الأميركية الى طاولة التفاوض معها، بعد أن فشلت في احتوائها او تطويع إرادتها.

 وتتراجع الإدارة الأمريكية أيضا عن تصعيد الحرب الإقتصادية مع الصين، ويبادر الرئيس الأميركي دونالد ترامب بزيارة كوريا الشمالية، ولقاء رئيسها، ويتراجع أيضا عن قراره بتوجيه ضربة عسكرية رادعة لإيران، ويحجم عن حماية حلفائه من نيران الحوثي التي باتت تهدد المدن والمصالح الخليجية،   ويتشاور مع روسيا من أجل تقاسم المصالح والنفوذ.

هذه هي سنن التدافع، وقوانين الحياة ما يعني أن الفرصة لم تتلاشى في قرن جديد يخلو من الصفقة المذلة والتبعية المهينة.

من حق الشعب العربي أن يبحث له عن مكانة بين الأمم، وأن يحلم بنهضة تخرجة من حالة التخلف والانحطاط، وتخلصه من تفشي ثقافة الاستبداد، وتغول سلطة الفساد.

ضاع منا وقت طويل وجهد كبير، وغرقنا في جدال عبثي بين مقولة : ( كما تكونوا يُولّى عليكم )، وأن الشعب غير مؤهل للحرية والديمقراطية، ومقولة : (ان الناس على دين ملوكهم ) وأنهم – اي الحكام هم سبب الهزائم والتخلف، تماما مثل الجدل البيزنطي الذي أفسد الحياة في البحث عن أيهما اولاً ؟ الدجاجة أم البيضة ؟

ان كانت هذه مسئولية مشتركة بين الشعوب وحكامها فلا شك بأن القيادات السياسية غير المنتخبة تتحمل المسئولية الكبرى في تحقيق الحلم العربي بالانعتاق والتحرر والنهوض، وإذا عجزت عن ذلك فاولى بها ان لا تقطع  الطريق على غيرها وان تركن إلى الظل، وتعيد الأمانة إلى أصحابها، بعقد اجتماعي ومصالحة وطنية تحقق الطموح وتنجز الاهداف والغايات.

الأمين العام الرابع السابق لحزب جبهة العمل الإسلامي في الاردن

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. ولكن كانت حركة الاخوان جزء من حملة الترويج للمد الصفوي حتى وقت قريب… كيف تبررون ذلك؟؟
    هل موقفكم اليوم موقف صادق ام انه اعادة تموضع بعد الحملة المصرية السعودية الاماراتية ضدكم وضد قطر وتركيا؟؟؟
    احيانا الصمت يكون افضل خيار

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here