أ. د. جاسم يونس الحريري: صفقة القرن المشبوهة ووهم نصرة القضية الفلسطينية من قبل دول الخليج

أ. د. جاسم يونس الحريري

لم تلبث دول مجلس التعاون الخليجي أن تدعي أنها تدعم القضية الفلسطينية ، من خلال عدة خطوات منها أحتضانها للفلسطينيين في أراضيها للعيش هناك ، وتقديم المساعدات المالية للسلطة الفلسطينية ، وأسهامها لبناء المخيمات الفلسطينية من خلال بناء مايدمره الاسرائيليون عبر عدوانهم المستمر على تلك المخيمات ، بحيث أنتشر شعار((يدمر الاسرائيليون ويبني الخليجيون))، وكأنما دول الخليج لاتشارك في وضع حل عادل للقضية الفلسطينية ، لابل أن تلك الدول طرحت ((مبادرة السلام العربية)) من قبل  السعودية عام2002 عبر الدعوة بأقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود عام1967 وعاصمتها  القدس الشرقية ، ألا أن الفلسطينيين يؤكدون حقهم الكامل في بلادهم ، وأن القدس عاصمة الدولة الفلسطينية ، وتدعم  تلك الدول الجهود الدولية لتحقيق السلام العادل ، والشامل ، وحق العودة للاجئين ، وهو ماترفضه (اسرائيل)، ألا أن هذا الموقف السعودي لحقه المشاركة في ورشة البحرين  الاخيرة في يونيو2019 للترويج لصفقة القرن ، حيث قوبلت هذه المشاركة للسعودية ، والبحرين في تلك الورشة بالرفض الكبير من الفلسطينيين الذين أعتبروها ((خيانة للشعب الفلسطيني ، وتماشيا مع الرؤية الامريكية-الاسرائيلية في تصفية القضية الفلسطينية ، وتمرير صفقة القرن المشبوهة التي تقوض الحق الفلسطيني)) ، وقد وجه ((جاريد كوشنر))صهر ترامب صفعة قوية لمبادرة السعودية بأعتباره عراب لصفقة  القرن بالقول((أن الصفقة لن تلتزم بمبادرة السلام العربية ))، وأضاف ((أعتقد أننا جميعا علينا أن نعترف بأنه أن كان من الممكن التوصل لاتفاق ، فأنه لن يكون على غرار مبادرة السلام العربية ، سيكون في منطقة وسط بين مبادرة السلام العربية وبين الموقف الاسرائيلي)).

وكشفت القناة13الاسرائيلية  قبل الاعلان عن صفقة القرن عن بعض دول الخليج المتوقع أن تبدي دعمها للخطة الامريكية للسلام في الشرق الاوسط ((صفقة القرن))وقال في هذا المجال((باراك رافيد))مراسل القناة الاسرائيلية أن ((أحد المسؤولين العرب دون الكشف عن أسمه أبلغه أنه في حال سمحت الصفقة لاسرائيل بأن تقوم بعمليات ضم فوري لااراضي في الضفة الغربية ، فأننا سنتجاهل الصفقة))، وأضاف أن ((دول الخليج العربي السعودية ، والامارات ، وقطر ، والبحرين ، وعمان ليس متوقعا أن تعارض الصفقة الامريكية ، بل أنها ستصدر بيانا ، داعما لها ، وأعتبارها بداية طيبة))، ووفق بن رافيد فأن ((مسؤولا خليجيا أكد أنه رغم الدعم المتوقع من جانب الدول الخليجية ، فأنه في حال سمحت الولايات المتحدة لاسرائيل بضم أجزاء من الضفة الغربية بصورة فورية فأنهم قد يضطرون لتجاهل الصفقة))، وأعلن ترامب بنود ((صفقة القرن))في يوم الثلاثاء المصادف28يناير2020 خلال مؤتمر صحفي مع رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو في البيت الابيض متوجها بالشكر لكل من الامارات ، وعمان ، والبحرين على مشاركتهم في هذا الاعلان.

، وفعلا أيدت بعض دول الخليج مشروع صفقة القرن في تصريحات رسمية لالبس فيها ، مؤيدين الصفقة بكل وضوح وكما يأتي:-

1.دولة الامارات العربية المتحدة:-

——————————–

أعلنت دولة الامارات العربية المتحدة دعمها لخطة صفقة القرن المزعومة ، حيث نشرت السفارة الاماراتية في واشنطن على موقعها الرسمي بيانا أعتبرت فيه أن ((الخطة المعلنة اليوم(الثلاثاء)بمثابة نقطة أنطلاق مهمة للعودة الى المفاوضات ضمن أطار دولي تقوده الولايات المتحدة)).وقال السفير الاماراتي في واشنطن ((يوسف العتيبة))في البيان((أن دولة الامارات تقدر الجهود الامريكية المستمرة للتوصل الى أتفاق سلام فلسطيني-أسرائيلي))، وأكد أن ((هذه الخطة هي مبادرة جادة تتناول العديد من المشاكل التي برزت خلال السنوات الماضية)).

2.المملكة العربية السعودية:-

—————————-

جددت السعودية دعمها لكافة الجهود الرامية للتوصل الى مايسمى بحل عادل وشامل للقضية الفلسطينية جاء ذلك في بيان أصدرته وزارة الخارجية السعودية.

3.دولة قطر:-

————–

أعلنت دولة قطر موقفها من خطة صفقة القرن بحسب صحيفة ((الراية))القطرية بالقول((رحبت دولة قطر بجميع الجهود الرامية الى تحقيق السلام العادل ، المستدام في الاراضي الفلسطينية المحتلة)).

ويكشف البروفسور ((جنكير تومار))رئيس جامعة ((أحمد يسوي)) التركية-الكازاخية الدولية بالوكالة ، الخبير في شؤون الشرق الاوسط عن تحمل دول الخليج مادمره الاسرائيليون في الاراضي الفلسطينية كما أشرنا سابقا ، أذ يقول ((وحسب البنود فأن القسم الاكبر من فلسطين سيمنح لاسرائيل ، في حين سيتم تكليف دول الخليج بتمويل الدويلة الفلسطينية الجديدة ، حيث أن المخطط وفق الصفقة أقامة دولة فلسطينية جديدة على أراضي قطاع غزة الضفة الغربية بأستثناء الاراضي المحتلة التي تضم مستوطنات أسرائيلية قائمة))، ويضيف البروفيسور تومار ((ويبدو هذا البند جيدا للوهلة الاولى ، لكن لدى الاخذ بعين الاعتبار عدد المستوطنات الاسرائيلية ، وكثافة أنتشارها في الضفة الغربية نرى أنه مجرد خدعة ،ووهم))، وتبلغ مساحة الضفة الغربية 5آلاف و655 كم مربعا ، وتشير المصادر الرسمية الاسرائيلية الى أن عدد المستوطنات فيها 156 وعدد سكانها حوالي 400الف نسمة وهي في محيط المدن الفلسطينية وهي أشبه بالجزر المستقلة عن بعضها البعض ، وتتصل ببعضها بشبكة من الطرقات ، ويجعل من موضوع دولة فلسطينية في الضفة الغربية لايحمل أية معنى من الناحية الفعلية ، كما تدعو المادة الثانية من الاتفاق والتي تحمل أسم ((أخلاء الارض))الفلسطينية للاعتراف بهذه المستوطنات ، وتوسيع الوحدات الاستيطانية ، بحيث تمتد لتصل الى المستوطنات المعزولة ، وهذا الامر يجعل من المستوطنات الاسرائيلية المنتشرة بكثافة في الضفة الغربية عائقا أمام أنشاء دولة فلسطينية على أرض موحدة وحسب المخططات المسربة سابقا فأنه من المزمع أن تصبح القدس برمتها عاصمة (لاسرائيل)مقابل أن تصبح بلدة ((أبوديس))القريبة من القدس عاصمة للدولة الفلسطينية.

وفيما يخص المسؤوليات المالية وفق تومار ضمن أطار لصفقة القرن فقد تم تحميل دول الخليج القسم الاكبر من المسؤوليات ، وحسب البنود المسربة الى أنه سيتم رصد مبلغ ((30))مليار دولار على مدى 5سنوات ، بهدف أنشاء مشاريع خاصة بدولة فلسطين الجديدة ، وستسدد الولايات المتحدة من هذا المبلغ حوالي 20%مقابل تسديد الاتحاد الاوروبي 10%، في حين يقع على عاتق دول الخليج النسبة المتبقية وهي70% في حين لاتتكفل فلسطين و(اسرائيل)بأية مبالغ.

وأكد السفير الاسرائيلي السابق في مصر ((يتسحاق ليفانون ))الباحث في معهد هرتيسيليا في مقال له على صحيفة ((اسرائيل اليوم))((أن الدول العربية المشاركة معنية بأن تأخذ نصيبها من الكعكة التي سيتم توزيعها على الحضور)).

وبعد أستعراض كل تلك الحقائق هل دول الخليج لازالت تصر على أنها تدعم القضية الفلسطينية ، وحقوق الشعب الفلسطيني بعد أن ساندت ، ودعمت صفقة القرن المشبوهة التي تجعل القضية الفلسطينية مغيبة تماما ليحصد الاسرائيليون المزيد من فرض الامر الواقع على الاراضي الفلسطينية ، وتأكيد فرضية اسرائيلية طالما تريد أن تزرعها في المنطقة أن((اسرائيل حقيقة واقعة في المنطقة برضا ، أو عدم رضا شعوبها))السؤال الذي يطرح نفسه أين لجان مكافحة التطبيع  مع (اسرائيل)في دول مجلس التعاون الخليجي ؟، أين جمعيات دعم القضية الفلسطينية في تلك الدول؟ ، وهل سترضى الشعوب الخليجية بهذا الموقف الخليجي الرسمي  الذي أقل مايمكن وصفه أنه موقف يقدم المصالح الخليجية على المصالح العربية عموما ، والمصالح الفلسطينية خصوصا ، لان تلك الدول تؤمن أن دعمها للمشاريع الامريكية –الاسرائيلية سيجعلها في مأمن من الضغوط عليها ، والتفرغ لاحكام سيطرتها على أنظمتها السياسية ، مما سيخلق مستقبلا جيلا خليجيا ثوريا يمكن أن يطالب بالحقوق الفلسطينية ، وهذا التوجه سيقلب المعادلات السياسية للانظمة  الخليجية ، وسينتج أثر ذلك تحريضا للشارع الخليجي لمقاومة هذا التوجه الخليجي الرسمي الذي سيفتح المجال أمام (اسرائيل)كمرحلة لاحقة لاقامة علاقات رسمية مع دول الخليج بعد أن وضع القضية الفلسطينية على الرف ، وبقاء المعاناة الفلسطينية ماثلة الى العيان ، وتبقى (اسرائيل)تنفذ مخططاتها لتهويد الاراضي الفلسطينية تدريجيا سعيا لاخراج الفلسطينيين الى خارج بلدهم للعيش في الدول الخليجية ، وتصبح (اسرائيل)خنجر مسموم في قلب الامة العربية لامد بعيد.

   الخبير الدولي المعتمد في الشؤون الخليجية

jasimunis@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here