صراع جيوسياسي تحتَ غطاء مُختلف في الأيديولوجية والاستراتيجية الدولية في الهيمنة والبقاء.. لماذا تم استبعاد المبعوث الدولي إلى سورية غير بيدرسون من ساحة المفاوضات وما تأثيرهُ على المشهد السوري ؟

مايا التلاوي

تعود الملفات الساخنة في إدلب وشرق الفرات إلى الواجهة من جديد ، تصعيدٌ عسكريٌ في الشمال السوري وصراعُ إراداتٍ بين القوى الكبرى ضمن تحول الدول الغير قانعة ومحاولتها فرض هيمنتها في خرقٍ واضحٍ  للنظام الدولي .

قصفُ مطار حميميم يؤكد عدم جدّية الجماعات المُسلحة في تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار وقيامها باستهداف مواقع الجيش السوري ومناطق المدنيين الآمنيين .

بعد انطلاق عجلة التفاهمات التركية الروسية حول ملف الأزمة السورية في اجتماعات أستانا الأخيرة والإعلان عن وقف إطلاق النار في مدينة إدلب السورية ، عادت الملفات للتوتر في المنطقة التي تتموضع على رمالٍ مُتحركةٍ مُعلنةً عودة المشهد العسكري الذي غابَ عن جغرافية المنطقة فترة من الزمن .

لم تكن الأحداث اليومية في منأى عن ما يدورُ في أروقةِ الاجتماعاتِ العسكريةِ التركيةِ الأمريكيةِ التي ضمت قيادات رفيعة المستوى في أنقرة ، فالتجاذبات بين الطرفين صدرت في تصريح رجب طيب أردوغان حول التحضير لعمل عسكري في شرق الفرات وفي عودة الأمريكي إحياء و تشكيل ميليشيات مُسلحة تتخذ من قاعدة التنف مُرتكز لتنفيذ هجمات ضد مواقع الجيش السوري وتحريك بعض الخلايا النائمة في الجنوب السوري من خلال استهدافات مُتكررة وعمليات اغتيال جاءت في سياق التحضير للتصعيد ضد دمشق ونسف كل الجهود الدولية والإقليمية لحل الأزمة سياسياً .

لماذا تم استبعاد المبعوث الدولي إلى سورية غير بيدرسون من ساحة المفاوضات ؟

ما الأسباب التي دفعت أنقرة إلى اللعب على حبال المراوغة مع الروسي والالتفاف حول الحليف الأمريكي  ؟

هل يتحول الشمال السوري إلى ساحة تصفية حسابات دولية على حساب الشعب السوري ؟

تساؤلات نطرحها ونُجيب عنها لنضع القارىء على مسار ما يحدث بموضوعية وشفافية

باتت الأحداث المتسارعة في العالم تؤكد سيطرة صانعي القرار في الولايات المتحدة الأمريكية على المجتمع الدولي لتنفيذ أجندتها العدائية تجاه شعوب المنطقة ، فمن إيران إلى العراق فسورية ولبنان جبهة واحدة بين فكي الكماشة ، وبعد عدّة محاولات أمريكية لتنفيذ عمل عسكري ضد طهران استطاعت الأخيرة الخروج من الأزمة وأثبتت أنها قادرة على تحمل الضغوط السياسية والدبلوماسية التي وصلت إلى درجة التهديد العسكري وإسقاط طائرات واحتجاز ناقلات نفط ، فما كان من الأمريكي إلا التراجع خطوة إلى الوراء مُتخذاً من ملفات أخرى وقوداً للضغط على إيران ومحور المقاومة لكن من زاوية مُختلفة أولها كانت في عودة النشاط الأمريكي في قاعدة التنف والقيام بتدريب مجموعات مُسلحة ضمن أيديولوجية باتت معروفة لدى الجميع واتخاذ من مناطق تواجدها مركزاً لتنفيذ هجمات ضد مواقع الجيش السوري ، فتحركت بعض العناصر في الجنوب السوري تحت غطاء التسوية المزعومة من قِبلهم وبدأت في حملة اغتيالات شبه يومية ضد أفراد الجيش السوري في صورة تعكس عدم جدّية هذه المجموعات في الوصول إلى حل يُنهي الصراع العسكري والتأكيد على جهوزيتهم في تنفيذ أوامر مُشغليهم الأمريكيين .

في سياق ماذُكر سابقاً كانت القيادة السورية تتقدم في تحقيق تفاهمات سياسية والحليف الروسي من خلال عقد اجتماعات في العاصمة الكازاخية ( نور سلطان ) للوصول إلى حل يُرضي جميع الأطراف ويُنهي الصراع العسكري ، لكن لم تُبدي أنقرة أي تقدم في ذلك على العكس فبعد انتهاء جولة أستانا الأخيرة صرح رجب طيب أردوغان عن قرب موعد تنفيذ عملية عسكرية في شرق الفرات ضارباً عرض الحائط في مخرجات الاجتماعات التي وُصفت بالناجحة والإيجابية .

استبعاد المبعوث الدولي إلى سورية غير بيدرسون جاء بطلب أمريكي من الأمم المتحدة للتأثير على توصلت إليه الدول الضامنة في اجتماعات سوتشي وأستانا والحديث عن تعرض مبعوثها الخاص لإصابة في العين وأنه سيتوقف عن ممارسة عمله الدبلوماسي لفترة من الزمن ، ما أحدث خللاً في سياق التفاهمات التي جرت في العاصمة الكازاخية ( نور سلطان ) وإخراجها من ضمن إطار الطابع الدولي بغياب حضور الأمم المتحدة .

أما الأسباب التي دفعت أنقرة إلى اللعب على حبال المراوغة مع الروسي والالتفاف حول الأمريكي وخلق أزمة للتغطية الإعلامية عما يدور في فلكها مع الأمريكي وهي أزمة تسلمها منظومة S400 من روسيا ليست إلا أزمة مُفتعلة بين الطرفين لجعل روسيا تعتقد أنها استطاعت أن تُخرج الثعلب التركي من تحالفه مع أمريكا والذي من المعروف أن رجب طيب أردوغان استمر في ذات النهج والسياسة والعقيدة من بعد بعض الرؤساء الأتراك مُنذ عام ١٩٥٠ حتى الآن فمن يعتقد أن التحالف الاستراتيجي بين أنقرة وواشنطن قد ينتهي بصفقة سلاح يكون على خطأ وواهم .

قد يتحول الشمال السوري إلى ساحة تصفية حسابات دولية وقد نشهد تطوراً عسكرياً خطيراً في ظل تراجع أمريكا عن ضرب إيران في اللحظات الأخيرة ، وفي ظل الحلم العثماني والأيديولوجية التركية تجاه الأزمة السورية والأهم تطلعات الكيان الاسرائيلي العدائية تجاه دمشق والتحضير لعمل عسكري قد يطال سورية والعراق وجنوب لبنان في سياق تنفيذ تدريبات عسكرية مُتكررة منذ فترة تُحاكي حرباً واسعة النطاق على الجبهة الشمالية من الأراضي المُحتلة .

كاتبة ومحللة سياسية سورية

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here