صدر حديثاً لممدوح الشيخ.. سيرة روائية لموسى ابن ميمون

بيروت ـ “راي اليوم”:

… إنَّ الغريبَ حَزينٌ حَيثــُما كــَانــَــا

{سِيرَةٌ لـَم يَكتُبهَا مُوسَى بن مَيمُون}

ولا غَريبَ إذا أصبَحتُ ذا حـــَــــزَنٍ

إنَّ الغريبَ حَزينٌ حيثما كَانــَـا

(من شعر: ابن معصوم المدني)

…………………….

مقتطفات من الرواية

1

“قِصَّتي تَبدُو غَريبَةً، وكَذلِكَ كَانَ حَالُ اليَهودِ في مَشَارِقِ الأَرضِ ومَغَارِبِها، وكَما قَال إِبراهام بن عزرا “التَفَاسِيرُ كَالمَلبُوسَاتِ تَلتَصِقُ بِالجَسَدِ، فَمِنهَا رَقِيقٌ كَالحَريرِ ومِنهَا غَليظٌ كَالوَبَرِ”، وبَينَ الوَقَائَعِ والتَفسيرَاتِ كَانَ اليَهودُ في أَزمِنَةٍ كَثيرَةٍ ضَائِعين.

ولِماذا أَضرِبُ مَثَلَاً وحَيَاتِي أَنَا تُعَبِّرُ عَن هَذِهِ المَتَاهَةِ التَّاريخيةِ؟.

وأَنَا مُتَيقِّنٌ مِن أَنَّ أُنَاسَاً سَيَأتُونَ يَومَاً لِيَسأَلُوا: لـِمَ عَمِلَ مَعَ صَلاحِ الدِّينِ الأَيُوبِي وَأَوصَى أَن يُدفَنَ فِي طَبَريّا؟ ولِـمَ ارتَابَ فِيهِ مُسلِمُونَ ويَهوُد؟

لَكِن لا بَأس!.”

2

“وفِي عَالَـمِ الأَندَلُس سَفَكَ الَخوفُ دِمَاءَ مَشهُورينَ ومَغمُورينَ، دِمَاءٌ دَفَعَ أَصحَابُهَا – أَو كَثيرٌ مِنهُم – ثَمَنَ خَوفِ صَاحِبِ تَاجٍ عَلَى عَرشِهِ، فَلمَّا مَلَأَ الَخوفُ ردهَاتِ القُصورِ، وسَدِّ الدَّمُ أَبَوابَ الأَمنِ، صَارَ مَأَلُوفًا استِئصَالُ جَمَاعَةٍ أَو تَحطِيمَ نُفُوذِهَا بِلَا رَحمَةٍ، وشَرِبَ العَرَبُ والبَربَرُ مِنَ الكَأسِ نَفسِهِ، فَصَعَدَ نَجمُ الصَقَالِبَةِ وبَنِي مِلَّتِي اليَهود.

اضمَحَلَّت نُخبَةٌ وحَلَّت مَحَلَّها أُخرَى قِوامُها القَادَةُ والرُّؤسَاءُ العَسكَرّيونَ مِنَ الـمَوَالي والصَقَالِبَة، ومَعَ صُعُودِهِم صَعَدنَا”

3

“وحَسداي بن شبروم كَانَ سَفيرًا لِلخَليفَةِ الأُمَوَي عَبدِ الرَّحمَنِ النَّاصِر، لِلتَفَاوُضِ مَعَ أَعدَائِهِ مِن الـمَمَالِكِ النَصرَانيّةِ. كَانَت سِفَارَتُهُ الأُولَى إِلَى أردينو الثَّالِث صَاحِبِ ليون، وبَعدَ حَربٍ أَرَسلَ سَفيرين: مُحمَّد بِن حُسَين، وأَبُو يُوسُف حَسداي بِن شبروت، اللَّذَين تَمَكَّنَا مِن إِقناعِ أردينو بِالتَّنَازُلِ عَن حُصُونٍ. وسِفَارَتُهُ الثَّانيَةُ كَانَت إِلَى سانشو الأَوّل فِي لِيون، وسِفَارَتُهُ الثَّالِثَةُ كَانَت إِلى مَلِكِ الَخزَرِ. وفِي رِسَالِةٍ مِن حَسداي إِلَى مَلِكِ الَخَزَرِ سَأَلَهُ: “إِنَّنِي أَشعُرُ بِنزوعٍ إِلَى مَعرِفَةٍ الحقيقة، هَل ثَمَّةَ حَقَّاً مَكَانٌ فَوقَ هَذِهِ الأَرضِ يَستَطيعُ الإِسرَائِيليُّ المُضطَّهَدُ أَن يَحكُمَ فِيهِ نَفسَهُ؟”.

وفِي مُقتَبَلِ عُمرِي، عَجِبتُ كَيفَ أَنَّ حسداي مَا زَالَ يَشعُرُ بِالاضطِّهَادِ مِن أَهالِي الأَندَلُس رَغمَ الـمَكَانَةِ الَّتِي حَصَلَ عَليَها فِي عَهدِ النَّاصِرِ!!.

وبَعدَ أَن رَأَيتُ بِعَينَّي مَصيرَ أَبنَاءِ مِلَّتِنَا فِي مَشَارِقِ الأَرضِ ومَغَارِبِهَا، وفِي الأَندَلُس نَفسِهَا، أَدرَكتُ أَنَّ الأَمنَ لَيسَ مَالَاً وَفيرًا، ولَا مَنصِبَاً يُقَرِّبُ صَاحِبَه مِن السُّلطَانِ، ولَا شُهرَةً بَينَ النَّاسِ، بَل شُعُورٌ بِأنَّ الأَرضَ الَّتِي تَمشِي عَلَيَهَا أَرضٌ صُلبَةٌ، وأَنَّ النَّاسَ الَّذينَ تَعيشُ بَينَهُم يَرَونَكَ بِعينِ التَقدِيرِ والـحُبِّ. فإِذَا حَاصَرَتكَ نَظرَاتُ رِيبَةٍ أَو هَمهَمَاتُ كَراهِيَةٍ، أَو وَسوَساتُ حِقدٍ، فَأَنتَ عَارٍ مِن كُلِّ مًا يُمكِنُ أَن يَدفَعَ الغَوائِل”.

4

“وَهَذِهِ الرِّسَالةُ الَّتي شُغِلتُ بِكِتَابَتها مُنذ أَشهُرٍ، رِوايتي لِـمَا رَأَيتُ وَمَن عَايَشتُ، فِي بِلَادٍ اختَرتُهَا وأُخرَى اختَارَتنِي.

ولا يَخلُو اختيَارٌ من قَسرٍ!

وعُمرِي، وَأنَا أجتَهِدُ اليَومَ فِي كِتَابَتِه بَينَ دَفَّتي كِتابٍ، لـَم يَكُن كُلُّهُ رَغَدَاً، ولمَ يَكُن كُلُّهُ نكداً، لَكِنَ الزمَنَ الذي شَاءَ الرَّبُ أن تَمتَدَّ سَنَواتُ حَياتِي فِيه كَانَ زَمَنَ اضطِرابٍ وصِراعٍ صَعَدَت فِيهِ بُيوتٌ مَالِكَةٌ وبَادَت أُخرَى، وتَوَسَّع فِيهِ مُلكُ أُمَمٍ، وانحَسَرَ مُلكُ أُخرَى، وإِذ تَرتَفِعُ السُّيوفُ وتُشرَعُ الرماحُ، تُــنشَرُ أَشرِعَةُ سُفنٍ، وتُسرَجُ الدوابُ هَرَبَاً مِن فَاتِحٍ طَاغٍ أو مَهزومٍ مُنتَقِمٍ، وهكذا كَانَ شَطرٌ من عُمرِي، ومِن قُرطُبَةٍ حَتَّى بَيتِ الـمَقدِسِ كَانَت مَحطَّاتُ تَرحَالي الكَثيرةُ.

وغُربَةُ اليَهوديِّ قـــَـدَرٌ”.

في قُرطُبَة عَايَشتُ مَحَافَلَ العِلمِ مُعايَشَةً، وشَرِبتُ مِن يَنَابيعِ التَفلسُفِ حتَّى بَشِمتُ، تَشرَّبتُ العَربيَّةَ حتَّى ظَننتُ حِيناً أَني عَرَبيُّ اللِّسان، ومَع العَقلِ فَاعِلاً ومُنفَعِلاً سِرتُ في صُحبَةِ الأَنيسِ لأَنيسِهِ، وصِرتُ أُعـــرَفُ بِالانتِصَارِ لِلعَقلِ. ومَن يقرأ مَا كَتَبَهُ أَهلُ العِلمِ عَن الأَندَلُس في سَنَواتِ حَياتي فِيه يَحسَب أَنَّهُ أَكادِيميَّةٌ فَلسفَيَّةٌ يُونَانيّةٌ تَنطِقُ بِلِسانٍ عَربيّ، غَيرَ أَنَّ الأَندَلُس كَانَت في الَحقيقَةِ مُمتَلِئَةً بِأهلِ العِلمِ الشَّرعِي مِن الصُنُوفِ كَافَّة – مُسلمينَ ويَهودًا – وزِد على ذَلِكَ أَهلَ التَّصُوفِ والعِرفَانِ، بَل التَنجيم. وأَخبَرَني والِدي، طَيَّبَ الله ذِكرَاه، أَنَّه .. .. .. عَاشَ في قُرطُبَة، مَركَزِ الأَندَلُس، أُناسٌ مُحتَرَمون، انقَادَ بَعضُهُم إلى العِبَادَات التنجيمية”.

5

“ولا تَكاَدُ تَعِي ذَاكِرَتِي الكَثِيرَ مِن ذِكرَياتِ سنواتِ حَيَاتِي الأُولى، سِوَى أَنَّني لـَم أر أُمّي وعَرَفتُ أَنَّها مَاتَت وأَنَا بَعدُ رَضيعٌ. ومِن بَينِ مَا قِيلَ لي عِندمَا كَبرت وَوَعَيتُ، أَنَّني عِندمَا كُنتُ غُلاماً لـَم أُظهِر مَيلاً إِلَى التَّعلِيمِ، فَأرسَلَني أَبِي لأَعَيشَ مَع مُعلِّمِه السَّابِق الَحاخام يُوسُف بن مفاشن.

والـمَرءُ إِذ يَصَفُ بَلَداً عَاشَ فِيهِ، إِنَّما يَكونُ وَصفُهُ عَلَى قَدرِ مَا أَدرَكَ، والنَّاسُ مُتفَاوِتونَ فِي الفَهمِ والإِبَانةِ، وإِن اشتَرَكُوا فِي السَّمعِ والبَصَرِ. وكُلَّما ازدَادَ عِلمِ رَجلٍ تَوقَّعَ مِنهُ سَامِعُهُ وقَارِئهُ أَن يَكونَ فيما يَقولُ غَنَاءٌ عَن كَثيرٍ مِن الـمُعَايَنَةِ، بَل رُبَّمَا كَانَ في ما يَقولُ أو يَكتُب مَا لا يُدرِكُهُ آحادُ النَّاسِ بِالـمُعَايَنَةِ. وفي الأَندَلُس، كَمَا عَايَشتُها، كَانَ النَّاسُ مُتشَبِّعينَ بِالوَفرةِ في المالِ والَخيراتِ الكَثيرةِ والـمُنشأتِ البَاذِخَةِ، والفَقرُ صِنوُ الغِنى وقَرينُهُ، لَكِنَّ فَقرَ أَهلَ الأَندَلُس لـَم يَكُن مُزريَاً.

وخَوفُ الحَربِ كَانَ أَنكَى عَلَيهِم مِن كُلِّ خَوفٍ.”

6

“وأَهلُ الأَندَلُس أَشَدُّ خَلقِ اللهِ اعتناءً بِنَظَافَةِ مَا يَلبِسونَ وَمَا يَفرِشُون وغَير ذَلكَ مِمَّا يَتعلَّقُ بِهِم، وفِيهِم مَن لا يَكُونُ عِندَهُ إلَّا مَا يَقُوتُهُ يَومَهُ, فَيَطويِه صَائِمًا ويَبتَاع صَابُوناً يَغسِلُ بِهِ ثِيَابَهُ, ولَا يَظهَرُ فِيهَا سَاعَةً عَلَى حَالَةٍ تَنبُو العَّينُ عَنهَا”ـ والغَالِبُ عَلَيهِم كَمَا عَايَنتُهُم وأَلِفتُهُم تَركُ العَمَائِمِ, ولاسيَّما فِي شَرقِ الأَندَلُس, أَمَّا أَهلُ غَربِهَا فَلا تَكَادُ تَرَى فِيهِم فَقيهًا ولا قَاضيًا مُشَارًا إِليهِ إِلا وَهُو بِعمَامَةٍ. ولا تَجِدُ فِي خَواصِ الأَندَلُس وأَكثرِ عَوامِّهم مَن يَمشِي دُونَ “طَيْلَسَانٍ”, إِلا أَنَّه لا يَضَعُهُ عَلَى رَأَسِهِ مِنهُم غَير عُظمَاءِ الشُّيوخِ, وكَثيرًا مَا يَلبِسون غَفَائر الصَّوفِ حُمْرا وخُضْرا, والصُفرُ مَـخصُوصَةٌ بِاليَهودِ.

ولا سَبيلَ لِيَهودِي أَن يَتَعمَّمَ البَتَّة!.

7

“وكَمَا يـَجذِبُ الـمَاءُ كُلَّ حَيَّ فِي الصَحرَاءِ القَاحِلَةِ، كَانَت ثَرواتُ الأَندَلُس تَجلِبُ الطامـِحينَ والطَّامِعينَ وأَصحَابِ الكَفَاءَةِ: مُسلِمينَ ويهوداً ومستعربين. وفِي عَالـَمِ الأَندَلُس الَّذي لـَم يَعرِف السِّلمَ إِلا قَليلاً، شَغَلَ الأَمنُ النَّاسَ حُكَّامَاً ومَحكُومِين فَانتَشَرَت الأَسوَارُ والقِلاعُ. وتُحيطُ بِقُرطُبَة، الَّتي عُرِفتُ بِالنــَسَب إِليَهَا عِند كَثيرين مَوصُوفَاً بـ القُرطُبيّ، أَسوارٌ مِن جِهَاتِهَا الأَربَع طُولُـهَا ثَلاثَةٌ وثَلاثونَ أَلفَ ذِرَاع، الضِلعُ الـجَنُوبيُّ مَحميٌّ بِضِفَّةِ الوَادِي الكَبيرِ، واقتَضَت مُتَطَلِّبَاتُ الدِّفَاعِ عَن الـمَدِينَةِ حَفرُ خَندَقٍ مُوَازٍ لِضِفَّةِ النَهرِ، مَع وُجودِ السُّورِ الـجَنُوبِي. ويَتَخَلَّلُ الأَسوارَ سَبعَةُ أَبَوابٍ”.

8

“مـِمَّا عَلَّمَتنِي يَهودِيَتي أَن أَنظُرَ بِتَرَوٍّ إِلَى مَن يَعيشُونَ فِي البِلِدِ الَّذِي أَعِيشُ فِيه، وأَن أُحاوِلَ فَهمَهُم، قَلِيلِين كَانُوا أَو كَثِيرِين، ضُعَفَاءَ كَانُوا أَو أَقوياء، .. .. .. وقَد كُنَّا نَرَى أَنفُسَنَا فِي بِلادٍ كَثيرَةٍ فِي مِرآةِ الآخَرين، وكُنَّا نُعزّي أَنَفسُنَا فِي أَوقَاتِ ضِيقٍ كَثيرَةٍ بِقِصّةِ دَاوُود وجُليَات”

9

“وَكَانَ فِي الأَندَلُس سُودَانيون ورُومٌ وتُركٌ. والأَهمُّ أَنَّهُ كَانَ هُناكَ صَقَالِبَة. ولـَهُم قِصَّةٌ فِي تَاريخِ الأَندَلُس وَلـَهُم صِلَةٌ بِنَا نـَحنُ اليَهودُ تَركَت فِي نَفسِي بَصمَاتِ، بَل رُبـَمَا حَفَرَت أَخادِيدَ عَميقَة. الصَّقَالِبَةُ جُزءٌ مِن عَالـَمِ الأَندَلُس الـمُزَركَشِ الـمُضطَّرِبِ الـمَملُوءِ بـِحُروبٍ دَاخلَ القُصُورِ وخَارِجَها، وهُم كَانُوا فِيَها، حَقيقًة لا تَخلُو مِن غَرَابَةٍ، وحَقَائِقَ تَبعَثُ عَلَى مَزيجٍ مِن الأَسَى والدَّهشَةِ والـخَوفِ.

وهُم كَانُوا القَويّ الضَعِيف!

10

“وأَذكُرُ أَنَّني فِي مُقتَبَلِ عُمرِي سَأَلتُ أُستَاذِي ابِن الأَفلَحِ الإِشبِيلِيّ عَنهُم. كَانَ مـَجلِسُهُ مـَحُوطًا بـِمَهَابَةٍ مُستَحَقَّةٍ، وكَانَ الرَّجُلُ غَزِيرَ العِلمِ عَظيمَ الطَّلةِ. دَخَلتُ مـَجلِسَهُ فِي لَيلَةِ جُمعَةٍ كُنتُ قَد انتَهَيتُ قَبلَهَا مِن تَدَارُسِ أَبِي حَيَّان التَّوحِيدِي، وكَانَت اللَّيلَةُ لَيلَةَ سَـمَرٍ، بـِهَوائِهَا واكتِمَالِ قَمَرِهَا، وقِلَّةِ عَددِ مـُجَالِسيهِ مِن الـمُتَعَلِّمِين والزُوّارِ. دَخَلَ الـخَادِم ُعَليَنَا بـِخوانٍ عَامِرٍ بِالفَاكِهَةِ والشَّرَابِ، وكَانَ ابنُ الأَفلَحِ لا يَقرَبُ الـخَمرَ ولا يُقَدِّمُهَا لِضُيوفِهِ أَبَدَاً، وكَانَت أَلوانُ الشَّرابِ تَشِي بِكَثرَةِ أَنوَاعِهِ.

كَانَ ابنُ الأَفلَحِ قَد خَلَعَ عَبَاءَتَهُ تـَخَفُّفَاً ومَودَّةً، واتَّكأَ عَلَىَ حَشِيَّةٍ يَغلُبُ عَلَيهَا اللَّونُ الأَزرَقُ الزَّاهِي ومَدَّ رِجلَيهِ، ثُـمَّ أِشَارَ إِليَّ أَن أُجَالِسَهُ عَلى بِسَاطِهِ الوَثِيرِ، وَهوَ وَاحِدٌ مـِمَّن يُشَارُ إِلى تَواضُعِهِم كَمَا يُشَارُ إِلى عِلمِهِم وكَرَمِهِم. جَالَستُهُ ولـَم أَستَطِع أَن أُفَكِّرَ وَلَو بِالـخَاطِرِ، فِي أن أَمُدَّ رِجلَيَّ كَمَا فَعَلَ هُو، وَهُوَ ألـَحَّ أَن أَفعَلَ، وأَصرَرَتُ أَلا أَفعَل. وَاستَجمَعتُ شَجَاعَتِي وَسَأَلتُهُ عَنِ الـخِصيَانِ الصَّقَالِبِةِ وَكَيفَ أَنَّ أَمرَهُم أَدهَشَنَي عِندَمَا سَـمِعتُ بِه لِأَوَلِ مَرَّةٍ. خَانَتنِي لُغَتِي فَتَعَثَّرتُ قَلِيلاً تـَحتَ سَيفِ الـحَيَاءِ، فَرَبَتَ عَلَى فَخذِي وَضَحِكَ بِوقَارٍ، وقَالَ: مُحِقٌّ أَنتَ فِي الشَّغَفِ والحَرَجِ مَعَاً!”

11

“ومِن أَسبَابِ كَلَفي بِالسُّؤالِ عَن الـخِصيَانِ الصَّقّالِبَةِ، ارتِبَاطٌ قَدِيمٌ بِبَني مِلَّتِي اليَهُودِ بـِهَذِهِ التِّجَارَةِ، وهُوَ أَمرٌ حَيرَّنِي وأَرَّقَنِي، ولـَم يـَخلُ حَالِي مَعَهُ مِن حَرَجٍ صَامِتٍ، ولـِمَا لـَمِستُ مِن رِفقِ أُستَاذِي وحِلمِهِ سَأَلتُهُ، فَردَّ السَّهمَ وسَأَلَنِي: “فَلِمَ ارتَبَطَ اليَهودُ بِبَيعِ الخِصيَانِ الصَّقَالِبَةِ وشِرَائِهِم؟”.

لـَم أَكُن قَد فَكّرتُ فِي أَن أُجِيبَ عَن سُؤالٍ كَهَذَا واجتَهَدتُ مَا استَطَعتُ. أَوضَحتُ لِلسَّائِلِ أَنَّ يَهُودَ الأَندَلُسِ كَانُوا العَمُودَ الفِقَرِي لـِهَذِه التِّجَارَةِ بِسَبَبِ انتِشَارِ جَـمَاعَاتـِهِم تـُجَّارَاً فِي مَشارِقِ الأَرضِ ومَغَارِبـِهَا. يـَجلِبُون الصِّغَارَ والكِبَارَ مِنهُم بِالشِّراءِ، وفِي الـمَشَافِي يَقُومُ أَطِبّاءُ يَهُودٌ بـِخِصَائِهِم. وشَعُرتُ أَنَّ مُعَلِّمِي يَستَدَرِجُنِي لأَتَكَلَّم بَأَكَثَرَ مـِمَّا أَسـمَع، وكُنتُ فِي الـحَقِيقِةِ مَشغُولاً بِالأَمرِ، وكَانَت اللَّيلَةُ تَبدُو فُرصَةً لأَروي عَطَشِي مِن العِلمِ بـِهَذِهِ الطَّبَقَةٍ مِن النَّاسِ، فَمَدّدتُ يَدِي إِلَىَ كَأسٍ مِن عَصِيرِ الرُّمَانِ لأُوقِفَ بِهِ استِرسَالِي فِي الكَلامِ، ولِأَعُودَ سَائِلاً يُريدُ الـجَوَابَ!”

12

“واستَغَلَّ بَعضُ أَبنَاءِ مِلَّتَي اليَهُودِ رَغبَةَ بَعضِ الآبَاءِ فِي بَيعِ أَبنَائِهِم وإِخصَائِهِم لِلعَمَلِ فِي القُصُورِ. ووَصَلَ تـُجَّارُ العَبِيدِ اليَهُودُ فِي تـِجَارَتـِهِم هَذِهِ إِلىَ الـهِندِ والصِّينِ.

ودَائِمًا كُنَّا كَيَهُودٍ مُتَّهَمِين بِاستِغلالِ هَذِهِ العَلاقَاتِ وهَذهِ اللُّغَاتِ، وأَصبَحنَا وُسَطَاءَ بَينَ الأُمَرَاءِ والـمُلُوكِ سُفَرَاء بَينَهُم.

فَهَل كَانَ تَدبِيرًا بِلَيلٍ؟!

أَبنَاءُ مِلَّتِنَا مِن اليَهُودِ يَرونَ أَنفُسَهَم مـَحسُودِين عَلَى مَكَانَةٍ مُستَحَقَّةٍ، وغَيرُ اليَهُودِ يَرونَ الأَمرَ لَصِيقًا بَيهُودِيَتِنَا لا يَنفَصِلُ عَنهَا، وقَلَمِي حَائِرٌ حَيرَةَ عَقلِي وقَلبِي. ولأَنَّنِي أَكتُبُ هَذهِ الرِّسَالةَ آمَلاً فِي أَن تَكُونَ شِهَادَتِي أَمَامَ الرَّبِ وأمَامَ الـخَلقِ، أَتـَهَيَّبُ مِن النَّفِي وأَتَأَلـَمُ إِذ أُفَكِرُ فِي الإِثبَاتِ، فِالاتـِّهَامُ قَاسٍ، والوَقَائِعُ ظَاهِرُهَا يـَحتَمِلُ الوَجهَين. وبَعضُ الـجَمَاعَاتِ تـَجدُ نَفسَهَا – شَاءَت أَم أَبَت – جِسرَاً بَين مَكَانَين، وأَبنَاؤهَا دَائِمًا، يـَجِدون أَنفُسَهُم مَوضِعَ رِيبَةِ مِن الـجَمِيعِ، فلا هُم يَنتَمُون إِلَى الـمَكَانِ الَّذِي يَنتَقِلُ النَّاسُ مِنهُ، ولا إِلَى الـمَكَانِ الَّذِي يَنتَقِلُ النَّاسُ إِلَيهِ.

وبَعضُ الجُسُورِ يَتَأَلَّمُ فِي صَمتٍ!”

13

“وفِي القُصُورِ قَضَيتُ أَوقَاتًا لـَم تـَخلُ مِن مُتَعٍ ومـَخَاطِر وآمَالٍ، وفِي كُلِّ قَصرِ أَندَلُسِيّ يُدرِكُ اليَهُودِيُّ أَنَّهُ ضَيفٌ عَلَيهِ التَّأدُبُ والـحَذَرُ، فَأَهلُ البِلادِ الـمُسلِمُون يـَملِكُون القُصُورَ ويـُمسِكُون مَقَالِيدَ الأَمرِ فِيهَا صَغِيرَهَا وكَبِيرَهَا، وأَهلُهَا الـمَسِيحِيّون يـُحَارِبُون لِاستِعَادَةِ مَا كَانَت عَلَيهِ قَبلَ وُصُولِ الـمُسلِمِين.

وأَمَّا نـَحنُ فَـ “يَهُودٌ”!

غُرَبَاءُ دَائِمًا. مَبغُوضُون مَهمَا عَلا شَأنُ أَيٍّ مِنَّا، وقَلِيلُون بَينَ أُمَمٍ كَثِيرَةِ العَدَدِ.”

14

“ذَاتَ لَيلَةٍ خُضتُ مُكرَهًا جَدَلَاً بَائِسَاً عَن اليَهُودِ اجتَهَدتُ فِيهِ أَن أَلزَمَ الرَّويّةَ والصَّبرَ، لَكِنَ وَاعِظَاً يَتَعَيّشُ مِن رِوَايَةِ الـخُرَافَاتِ ويـَمنَحُ تُرَّهَاتــِهِ انتِشَارًا وَاسِعَاً أَنـَّهَا تَطفَحُ بِالكُرهِ لَنَا، أَخرَجَنِي عَن وَقَارٍ لَزِمتُهُ وصَبرٍ تَذَرَّعتُ بِهِ وأَدَبٍ تـَجَمّلتُ بِالتِحَافِ بُردَتِهِ. كَانَ يَسأَلُنِي عَن اليَهُودِ ومَا عُرِفُوا بِهِ فِي حِكَايَاتِ القُصَّاصِ أَمثَالِه مِن خِيَانَةٍ وجَشَعٍ وغَدرٍ،  و.. .. ..

كُنَّا فِي مـَجلِسِ عَامِرٍ بِثُلَّةٍ مِن وُجُوهِ أَهلِ قُرطُبَة، كَثُرَ فِيهِم التُّجَارُ ومُلَّاكُ الضِياعِ وأَصحَابُ الـمَالِ وقَلَّ فِيهِ العُلَمَاءُ، ودَارَ عَلَينَا خَادِمٌ بِأطبَاقِ فَاكِهَةٍ شَهِيَّةٍ نَاضِرَةٍ نـُخَفِّفُ بـِهَا عَن أَنفُسِنَا حَرَّ الصَّيفِ اللَّاهِبِ، فَتَشَاغَلتُ بِالفَاكِهَةِ عَن حَدِيثِهِ. تـَجَوَّلَت عَينَاي بِرهِةً فِي الفُرُشِ الـجَمِيلَةِ والنُقُوشِ الزَّاهِيةِ الأَلوانِ والـمَنَاضِدِ الـمُدهِشَةِ الـمُزيَّنَةِ بِالعاجِ، واستَوقَفَتنِي مِشكَاةٌ كَبِيرةٌ تَتَدَلَّى مِن السَّقَف فِي دَلالٍ والنُّورُ يـَخرُجُ مِن زُجَاجِهَا الـمُلوَّنِ بَاعِثَاً عَلَى البَهجَةِ، لَكِنَّهُ أَبَى إِلَّا أَن يَستَفِزَّنِي!

خَتَمَ جـُملَةً مَلِيئَةً بِالتّحَامُلِ، بَل البُغض، ووَضَعَ اليَهُودَ مُبتَدَأً فِي عِدّةِ عِبَاراتٍ مُقَزّزَةٍ وهُوَ يَرفَعُ صَوتَهُ ويَضغَطُ عَلَىَ مـَخَارِجِ الـحُرُوفِ كَأَنَّهُ يـَحفِرُ عَلَى الـخَشَبِ، ثــُمَّ التَفَتَ إِليَّ وقَالَ بِتَبّجُحٍ مُتَحَدٍّ: “واسأَلُوا الشّيخَ الرّئيس ابن مَيمُون الإِسرَائيلِيّ”.

فَتَجَاهَلتُ تـَجَاهُلِي وصَبرِي وأَدَبِي، وقُلتُ بِنَبرةٍ صَارِمَةٍ: “يَا هَذَا .. .. أتُنكِرُ عَلىَ نَبِيِّكُم قَولَه لِصَفِيّة بِنتِ حُيّي بن أَخطَب عِندَمَا عَيَّرهَا البَعضُ بِأنَّهَا ابنَةُ اليَهودِيّ، فَقَالَ نَبيّكُم: إِذَا قُلنَ لَكِ ذَلِكَ فَقُولِي لَهُن: أَبِي هَارُونُ وعَمّي مُوسَى”.

وكَانَ الـمُجَادِلً مُــستَــنفَراً فَقَالَ: “فَهل تُنكِرُ أَنتَ مَا فِي القُرآنِ عَنكَم مِن الغَدرِ وخِيَانَة العُهُودِ وقَتلِ الأَنبيَاءِ؟”.

وبَعدَ نــَــفَسٍ عَميقٍ سَاعَدَنِي عَلَى استِعَادِةِ هُدُوئِي قُلتُ: “فِي القُرآنِ كَانَ اليَهودُ يَحمِلُون مِشعَلَ الإِيمَانِ فِي وَجهِ فِرعَون، وفِيهِ أَنَّ اللهَ فَضَّلَهُم عَلَىَ العَالَمِين، وفِيهِ أَنَّ التَّورَاةَ فِيهَا هُدىً ونُوُر، ومَا كَانَ بَين نَبيّكُم ويَهُودِ المَدِينَةِ لَيسَ تَارِيخَ اليَهُودِ، كُلِّ اليَهُودِ فِي كُلِّ مَكانٍ وزَمَانٍ. وإِن يَكُن مِن اليَهُودِ مَن قَتلَ الأَنبِياءَ، فِمنكُم مَن قَتَلَ الخُلَفَاءَ الرَّاشِدِين وسِبطِ النَّبِيّ. وأَنتُم خَيرُ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ”.

وتَعَالَت غَمغَماتٌ مُنكِرَةٌ فَأمسَكتُ طَرفَ عَبَاءَتِي وطَويَتُهَا بـِحزَمٍ وغَادَرتُ الـمَجلِسَ تَارِكًا وَرَائِي دُخَانَ وُجُومٍ وأَلسِنَةَ لـَهَبٍ تَستَنكِرُ!

15

“وفِي الكَثِيرِ مِن الـحِكَايَاتِ الشَّعبِيَّةِ فِي الأَندَلُسِ حِكَايَاتٌ كُنتُ أُغَالِبُ حُزنِي عِندَ سَـمَاعِهَا، وأَتَذَرّعُ بِشَيءٍ مِن الـحِكمَةِ عِندَمَا تَطرُقُ سَـمعِي فِي مـَجلِسٍ مِن مـَجالِسِ غَيرِ اليَهُودِ الَّتِي أَغشَاهَا، وأَكثُرُ هَذِهِ الـحِكَايَاتِ يَدُورُ حَولَ اليَهُودِيّ الـجَشِعِ. ومَا خَبرتُهُ فِي هَذَا الأَمرِ الشَّائِعِ الـمُؤلـِمِ أَنَّ بَعضَ اليَهُودِ كَانُوا بَارِعِين أَغنِياء، بَل رُبـمَا كَانَ بَعضُهُم فَاحِش الثَّراءِ. لَكِّنَ التِّجَارَةَ آنذَاكَ كَانَت، فِي الـحَقِيقَةِ، مِهنَةَ مُسلِمِين ومَسِيحِيين كَثِيرِين.”

16

“كَانَ أَبِي طَبِيبًا، وفِي صِبَاي كُنتُ أَرَى فِيهِ، وفِي الوَزيرِ حَسداي، أُمنِيةً أَتـَمنَّى أَن أُحَقِّقَ بَعضًا مِنهَا عِندَمَا أَكبر، وسَأَلتُهُ ذَاتَ يَومٍ عَن طَبِيبِ المَلِكِ وكَيفَ يـُمكِنُ أَن أُصبِحَ يَومَاً طَبِيبًا فِي قَصرِ مِن قُصُورِ الـمُلُوكِ. وصَمَتَ أبِي بُرهَةً ثـُم رَبَتَ عَلَى كَتِفِي وقَالَ: “اسمَع يَا مُوسَى .. كُن طَموحًا ولا تَكُن خَامِلاً، وامشِ مُبتَعِدًا عَن كُلِّ قَصرٍ، فَقَدِيمًا قَالَ الحَكِيمُ: “ثَلاثَةٌ لا يَأَمَنُهُن إِلّا غِرٌّ:

مُصَاحَبَةُ المُلُوكِ

وائتِمَان النِّسَاءِ عَلَىَ الأَسرارِ

وشُربُ السُّمِ لِلتَجربَةِ”

وقَالَت الحِكمَةُ: “السُّلطَانُ مَن لا يَعرِفُ بَابَهُ السُّلطَانُ”.

وطَبِيبُ المَلِكِ يَكُونُ قَريبًا مِن المَلِكِ، وتِلكَ مُخَاطَرَةٌ، والأَسوَأُ أَنَّهُ يَرَى المَلِكَ عَارِيًا”.

واستَغرَبتُ العِبَارَةَ فَسأَلتُ مُتَرَدِّدًا، تَرَدُّدَ الـخَجُولِ الـمُندَهِشِ: “عَارِيًا؟”

فَرَدَّ أبِي: “نَعَم .. .. .. يَرَاهُ ضَعِيفًا ومُتَأَلِمًا، بَل رُبَّمَا عَاجِزَاً ومُشرِفًا عَلَىَ المَوتِ، والمُلُوكُ .. .. كُلُّ المُلُوكِ يُحِبُّونَ أَن يَرَاهُمُ النَّاسُ بِالتَّاجِ والصَولجَانِ، مُحَاطينَ بِالحَرَسِ تَتَلَألَأ مَهَابَتُهُم بِزِينَةِ المُلكِ”.

كَانَ أَبِي يَقرَأُ الكُتُبَ اليَهُودِيّةَ قَلِيلاً، بَينَما كَانَت صُحبَتُه لُكُتُبِ حِكَايَاتِ الـمِلُوكِ طَويلَةٌ وحـَمِيمًة، وكَانَت قِصصُهَا تُعِينُهُ عَلَىَ اتِّقَاءِ الـخَطَرِ خَفِياً كَانَ أَو ظَاهِرًا، ومَا عَاشَهُ – مُعَايَشًة أَو سـَمَاعَاً – مِن مَصَائِرِ بَعضٍ مِن قَادَتـهُم أَقدَامُهُم نـَحوَ القُصورِ وخَرَجُوا مِنهَا مُقيَّدِين بِالأَصفَادِ أَو مـَحمُولِين عَلَى الأَكتَافِ، جَعلَتهُ يُكَوِّنُ ثَروةً كَبيرَةً مِن هَذِهِ الـحِكمَةِ الَّتي لا غِنىً عَنهَا لأَمثَالِهِ. ومِن هَذِهِ العِبَرِ الَّتِي كَانَ دَائِمَ الاحتِياجِ إِلَيهَا فِي عَمَلِهِ كَطبِيبٍ حِكَايَةُ الصَّبِيِّ الَّذِي رَأَى الـمَلِكَ عَارِيَاً.

يـُحكَى أَن مَلِكًا مُستًـبِّدًا خَدَعَه خَيَّاطٌ مـُحتَالٌ وأَقنَعَهُ بِأَنَّهُ سَيَصنَعُ لَهُ ثَوبًا سِحرِيًّا عَظِيمًا لا يَرَاهُ إلَّا الـحُكَمَاءُ. اقتَنَعَ الـمَلِكُ بـِمَهَارَةِ الـخَيَّاطِ الـمُحتَالِ وخَرَجَ عَلَى النَّاسِ عَارِيًا تـَمَامًا، وقَالَ لـَهُم: “مَا رَأيُكُم فِي هَذَا الثَّوبِ السِّحرِيّ الَّذِي لا يَرَاهُ إلّا الحُكَمَاءُ ..؟!”.

خَافَ النَّاسُ عَامَّةً وخَاصَّةً مِن بَطشِ الـمُستَبِدِّ، فَلَم يـَجرُؤ أَيٌّ مِنهُم عَلَى قَولِ الـحَقِيقَةِ، وبَينَ صَيحَاتِ الاستِحسِانِ الـمُنَافِقَةِ، خَرَجَ صَوتُ صَبِيٍ صَغِيرٍ يَصرُخُ: “إِنِّي أَرَى المَلِكَ عَارِيًا”.!

“فَإِن صِرتَ طَبِيبَ المَلِكِ فَاحذَر أَن تُخبِرَ أَحَدًا بِأَنَّكَ تَرَى المَلِكَ عَارِيًا”.”

17

“ولـَم يَكُن فِي الأَندَلُسِ مَن استَوعَب مِهنَةَ الطِّبِ، إِنـِّمَا كَانَ غَرَضُ أَكثَرِهِم مِنهُ قِرَاءَةُ الكنَانِيسِ، وكَانَ النَّاسُ يَقُومُون فِي الطِّبِ عَلَى قَومٍ مِن النَصَارَى، لـَم يَكُن عِندَهُم تـَحَقُّقٌ بِهِ ولا شَيءٌ مِن سَائِرِ العُلُومِ، وإِنَّـمَا كَانُوا يَقُولُون عَلَى كِتَابٍ بَأيدِيهِم مِن كُتُبِ النَصَارَى يُقالُ لَهُ الإبريشم. واشتَرَكَ بَنُو مِلَّتِي مَعَ النَصَارَى فِي امتِهَانِ الطِّبِ، فَكَانَ القُسسُ يُعَالـِجُونَ الـمَرضَى فِي الأَديرَةِ، وفِي الأَندَلُسِ امتَهَنَ اليَهُودُ الطب كَونُهُ أَرفَعَ العُلُومِ اليُونانيّةِ وأَسـمَاهَا شَأَنًا، فَضلاً عَن الـمَنزِلَة السَامِيةِ والـمَكَانَةِ الرَّفِيعِةِ الَّتِي يـَحظَى بـِهَا الأَطِبَّاءُ فِي قُصُورِ الـخُلَفَاءِ، بـِجَانِبِ مَا كَانُوا يَتَقَاضَونَهُ مِن رَواتِب عَاليةٍ مـُجزيَةٍ. وكَانَ تَرحِيبُ الـمُسلِمِين بـِهِم واطِّلاعِهِم عَلَى حُرمَاتـِهِم وأَسرَارِهِم والـمُحَافَظَة عَلَيها خَوفًا مِن البَطشِ بـِهِم.

وهَذَا شَأنُ الضَّعِيفِ القَويّ دَائِمًا، ومِن هُنَا شُغِلتُ بِالصَّقَالِبَةِ الخِصيَانِ، ورَأيتُهُم يُشبِهُونَنَا!”

18

“مُنذُ الصَّباحِ تُلِحُّ عَلَيَّ رَغبَةٌ قَويَّةٌ فِي إِعَادَةِ قِرَاءَةِ مَا كَتَبتُ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ، قَبلَ أَن أَشرَعَ فِي إِكمَالِ كِتَابَتِهَا. عُدتُ إِلَى الأَورَاقِ وقَرَأَت، ووَجَدتُ أَنَّنِي فِي مَا كَتَبتُ حَتَّى اليَومِ، لـَم أَكَد أَصِفُ زِيَّاً، ولا دَارَاً، ولا طَعَامَاً، ولا شَرَابَاً، ولا نُزهَةً، ولا نَزوَةً، ولا تـَحدَّثتُ عَن كَلَفٍ بـِحُرَّةٍ ولا جَارِيةٍ. وفِي كِلِّ مَا كَتَبتُ، لـَم أُورِدَ خَاطِرَاً رَاودَنِي، ولا سِرَّاً أَخفَيتُهُ فِي مِلاهِي الشَبَابِ الأَوَّلِ، ولا وَاقِعَةً مُستَملَحَةً، مِن طَرائِفِ مَا يَروي الكُتَّابُ، وذَلِكَ ضَربُ مِن الكِتَابَةِ يـُحِبُّهُ القُرَّاءُ، ويَومًا مَا – فِي الأَجَلِ القَرِيبِ أَو البَعيدِ – سَتكُونُ رِسَالَتِي هَذِهِ بَينَ أَيدِي النُسَّاخِ، ومِنهَا سَتنتَقِلُ إِلى مَن يَقرَأونـَهَا.

ومـِمَّا لا يـُجِيدُهُ أَهلُ العِلمِ والتَّفَلسُفِ أَمثَالِي أَن يـَجعَلُوا مَا يَكتُبُون مـُحبَّبًا إِلَى العَوامِ، وقَد أَجَلتُ بَصَرِي في دَارِي وتَفَرَّسُتُ غُرفَتِي طَويلاً، وَوَقَفتُ أَمَامَ الـمِرآةِ بُرهَةً، آمِلاً أَن أَكُونَ بَعدَ ذَلِكَ قَادِرًاً عَلَى وَصفِ نَفسِي وَوَصفِ مَا يـُحِيطُ بِي وَصفًا تـُحِبُّه العَوامُ، وكُنتُ أَحسَبُ أَنَّنِي أَقدرُ عَلَى ذَلِكَ مِن شَاعِرٍ جَوَّالٍ يـَجتَمعُ حَولَهُ النَّاسُ بِالـمِئاتِ، بَل رُبَّـما الآلاف. ومَا أَكتُبُهُ فِي رَسَائِلِي تَعرِفُ قِيمَتَهُ الـخَاصّة، لا العَامّة، ويُقَدِّر قِيمَتَهُ الـمُؤمِنُون، وقَد تُكَافِئُ عَلَيه الـمُلُوكُ، لَكِنَّهُ يَبقَى أَقَلَّ إِمتَاعًا مِن إِنشَادِ شَاعِرٍ جَوَّالٍ. فَهوَ يُصَوِّرُ بِكَلِمَاتِهِ عَالَـمًا يُثِيرُ الـخَيالَ ويُلهِبُ الوُجدَانَ، ورُبـَّمَا تـَمنَّيتُ أَن أَكُونَ فِي هَذِهِ الرَّسَالِةِ – دُونَ غَيرِهَا مـِمَّا كَتَبتُ – قَادِرَاً عِلَى القَصِّ بِلِسَانِ شَاعِرٍ جَوَّالٍ.

لَكِنَّنِي لَستُ شَاعِرًا جَوَّالاً!

والشعَراءُ الـجَوَّالون فِي مِيزانِ النَّاسِ والـمُلوكِ أَهمُّ مِن كُلِّ مُتَفَلسِفٍ، وهُم أَشعَلُوا حُرُوبًا بِقَصَائِدِهِم الزَّاهِيةِ الأَلوانِ، الـمُحتَشِدَةِ بِالأَكاذيبِ الـمُثيرَةِ الـمُمتِعَةِ، وهُم يُطلِقون أَلسِنَتَهُم لا يَعبَأَون بِصدقِ مَا يَقولون، ولا يَكَادُون يُوقِّرون حَقِيقَةً، وقَصَائِدُهُم تَبعثُ فِي نُفُوسِ النَّاسِ حـَمَاسَةً فَينخَرِطون فِي الـحُرُوبِ بـِمئاتِ الآلافِ. ورِسَالَتِي هَذِهِ رُبَّـمَا كَشَفَت عَجزِي عَن القَصِّ والسَردِ كَمَا يَفعَلُ القُصَّاصُ والشُّعَرَاءُ الـجَوَّالون، ولا أَدرِي هَل جَنَى عَليَّ أَم لا، مَا تَرَكَتهُ فِيَّ عُلُومٌ طَبَعَت قَلبِي وخَيَالِي ولِسَانِي بِطَابَعِهِا؟”

19

“من يهوديتي يبدأ كل شيء: الفخر، والخوف، والكره، والخطر، والرفعة، والمعاناة، والغربة، والألم؟

كيهودي – بل كمنتمٍ إلى بيت يهودي كبير – كان عليَّ أن أدرك ما لا يدركه كثير من عامة اليهود، وربما كان متوقعاً مني أن أحلَّ ألغازه، أو أن أدرك أسباب تعقيده، أو أن أبني جسراً لليهود الآخرين ليفهموا كيف يجتمع الاختيار الإلهي مع المعاناة وأحياناً المذلة والضعة، وكيف يمكن أن يتحمل اليهودي عبء الشريعة بأحكامها المعقدة والواقع بقيوده المرهقة؟ وكيف يستطيع إنسان أن يبتلع صورة شائعة عنه تنزعه من سياقه الإنساني، بينما هو يرى نفسه عضواً في الشعب المختار؟ وكيف يمكن أن يتعايش اليهودي مع حب جارف لأرض الأجداد، وفي الوقت نفسه مع غربة لا تكاد تتوقف من الشرق إلى الغرب، ومن منفى إلى منفى؟!!”

20

“وأثبتت الوقائع أن الحروب الصليبية كانت شؤماً ودماراً كاملاً ليهود أوروبة، إذ جعل الصليبيون شعارهم الأول: الثأر للسيد المسيح من قتلته اليهود، واتهموا اليهود بموالاة المسلمين، ما جر إلى سلسلة متعاقبة من حملات الاضطهاد والتنكيل والمذابح الجماعية ومصادرة الأموال والممتلكات، وفرض الإقامة الجبرية على اليهود في مناطق مقفلة، حصروا فيها، وألزموا بلبس القبعات المدببة، ووضع شرائط صفراء على صدورهم بغية فرزهم وفصلهم عن المسيحيين. وفي بعض المحن اختار اليهود الانتحار الجماعي لبعض الآلاف في مدن جرمانية كسباير وورمز ومينز، على الضفة الغربية لنهر الراين أثناء الحملة الصليبية الأولى. واعتبر اليهود الذين انتحروا شهداء، وهذه الكتابات أثنت على هؤلاء الشهداء. وعند كل حملة جديدة كانت ذكريات الأولى تعود عليهم بالخوف والذعر”.

21

“كان الملوك في الشرق والغرب يحتاجون إلى سفراء ولزمن ليس بالقصير احتكر اليهود السفارة بين ممالك أوروبا وإماراتها، وبينما الفلاح هو ابن الفلاح، والفارس هو ابن الفارس، والنبيل هو ابن النبيل، يرث لقبه وعمله ومصيره، وفي بلاد فرضت السكون والثبات على الجميع حقيقة لا مجازاً كان اليهود يتحركون عبر العالم مزودين بمعرفة وعلم بلغات متعددة وصلات بإخوانهم في الملة جعلتهم قوة أسطورية، وبدخولهم قصور الملوك، عرفوا الكثير وكان يسيراً على بعضهم أن ينقلوا ولاءهم من عرش إلى عرش، وأن يحعلوا ما عرفوا من أمور الملك ثروة لا تقدر بمال.

22

… ولكل يهودي أكليل شوك!

أول الإشارات على استخدام الشوكة في تناول الطعام ظهرت في الدولة البيزنطية في القرن الحادي عشر الميلادي، لكن كثيراً من الغربيين نظروا باستهجان إلى الشوكة ورفضوا استخدامها، لأنهم اعتبروا أن الرب خلق للإنسان شوكة طبيعية هي أصابعه، وفسروا استخدام الشوكة كأنه سخط على خَلّقْ الله. حتى أن وفاة أميرة بيزنطية بالطاعون في البندقية فُسرت على أنها عقاب من الله لهذه الأميرة المتعجرفة التي تستخدم الشوكة في أكلها.

وبهذه العجائبية المسكونة بالشر، المضمر حيناً والظاهر أحياناً كثيرة، نظر الأغيار إلينا في بلاد كثيرة وأزمان مديدة. وعندما ضرب الموت الاسود بلاد أوروبة وجدت الكنيسة من تلقي اللوم عليه، وهو الآخر، موضع الإدانة واللوم ثم الموت لاحقاً، في:

اليهود.

واندفعت الجماهير المستثارة بالخوف من الوباء والموت إلى اليهود. ودفعت بهم إلى محاكم أدانتهم سلفاً. وعُذب كثيرون للحصول على اعترافات كانت جاهزة أصلاً. وفي ستراسبورغ، مثلاً، نُظمت محرقة لنحو ألفي يهودي. وخُيّر هؤلاء بين ترك ديانتهم باعتناق المسيحية والموت. وأخذت شفقة البعض بالأطفال، فنُزعوا من بين ايدي آبائهم ليُعمّدوا بحسب الطقوس الكنسية، ثم تبنتهم أُسر مسيحية.

وأصدر مجلس المدينة أمراً بمنع دخول اليهود مائة عام!

وفي مشهد تكرر بتفاصيل متشابهة، قام أهل مدينة بجمع سكانها اليهود وإحراقهم متهمين بنشر الموت الأسود وتسميم الآبار. هجم الناس على أعضاء الجماعات اليهودية في أنحاء متفرقة من أوربة، لعل أقلها كان في الأَندَلُس وجنوب الغال وأكثرها في الإمبراطورية الرومانية المقدَّسة، وخصوصاً جرمانيا، وكانت التهمة الموجهة إليهم: تسميم الآبار للقضاء على المسيحيين. وفي بلاد النورماندي كان أتباع جماعة الدومنيكان والملك ريتشاد قلب الأسد يقتلون كل من يقع في أيديهم من اليهود، وكان بعض اليهود يلجأون إلى السجون للفرار، ودفعهم اليأس بعد أيام إلى الانتحار الجماعي خوفاً من التعذيب والصلب في حال وقعوا في أيدي الصليبيين. وعندما انتشر الطاعون في أوروبة ساورت الجرمان الشكوك بأن اليهود سمموا آبار المياه .. فقامت حملة شاركت فيها جماعة الدومنيكان لإبادتهم. ولم يكن من تفسير لذلك، فأصاب الناس الذهول، واتجهت شكوك الناس نحو اليهود لأن القتلى منهم كانوا أقل عدداً، ولعل هذا كان يعود إلى الانعزل في الجيتو وإلى ثرائهم قياساً بغيرهم. وإلى قوانين الكوشير التي كانت تضمن لهم نظافة في إعداد طعامهم.

وبالطريقة نفسها التي كانت تجعل تناول الطعام بـ الشوكة سخطاً على خلق الله، كانت قلة وفيات اليهود بـ الموت الأسود، في فهم غير اليهود، تدبيراً بليل سالت به دماء اليهود!!.

23

“والتوراة وبعدها التلمود وكتب أخرى جعلت اليهود – أو بعضهم على الأقل – يجيدون القراءة والكتابة في أمم من الأميين، وكل ملك أو أمير في مشارق الأرض مغاربها في زماننا هذا وقبله، إنما يعتبر الكاتب القاريء مغنماً، ومن هنا ترسخت صورة اليهودي كقريب من الملك أو الأمير، ولم يكن في الأمر سرٌّ مردُّه يهودية اليهودي تجعله في مكانة أعلى من الآخرين، وإن كان لكتابه المقدس فضل كبير على كل يهودي تعلم القراءة والكتابة ليخدم التوراة، فرفعته القراءة والكتابة.

والفضل شيء .. .. والتدبير بليل شيء آخر!

وقد أكون محطئاً، والاعتراف بالخطأ مزية لكل ذي عقل، إن أنكرت أن اليهودي إذ يحوز السلطة، شأنه شان كل إنسان يتملكه زهوٌ ويداخله غرور هو من غرائز بني آدم، لا من سمات بني إسرائيل. وقد سألني ذات يوم شيخ الوراقين في قرطبة وهو يتحسس كلماته … ولحيته: “ترى يكون اليهودي مسئولاً عن كراهية غير اليهود لليهود؟”.

قلت: “وكيف يكون مسئولاً؟ .. .. ولا تزر وازرة وزر أخرى”.

فقال: “انظر إلى حال بعضهم هنا في الأَندَلُس وهم يتعاملون بكثير من التعالي واحتقار الآخرين ويجعلون خيرهم بينهم لا يكاد يتجاوزهم إلى غيرهم و ….”

فقلت: “لا بأس .. .. .. كل الغرباء والضعفاء، في كل زمان ومكان، يبالغون في الاحتماء بشيء غيبي وبالاحتماء ببعضهم البعض. والضعيف يمتليء خوفاً فيسعى بكل ما أوتي من قوة إلى حيازة أسباب القوة ظاهرة وباطنة .. .. .. قوة القناعة، وقوة الوسيلة. والغرباء يحرصون كل الحرص على ما خفَّ وزنه وغلا ثمنه، فترى اليهودي يفضل اكتناز الذهب على شراء الأرض والدور .. .. وكلما سمعوا ما في حكايات العوام عنهم، وكلما تناهت إلى مسامعهم حكايات الطرد والتهجير التي تعصف بأمثالهم في بلاد الشرق والغرب، حسبوا أن الذهب خير درع يصد سهام الزمن. فهم مظلومون لا ظالمون”.

وابتسم الرجل الوقور في حياءً، وقال متصنعاً الرضا عما قلت: “لعلهم ظالمون مظلومون!”

24

“حين كانت الأَندَلُس ساحة صراع بين المسيحيين والمسلمين، والحروب تحرك الآلاف هائمين على وجوههم في بحار من الرمال وطرق السفر المحاطة بالخطر، ومن المغرب والأَندَلُس جاء كثيرون. في القرن الحادي عشر وبداية الثاني عشر، أيام سلطة المرابطين، كانت حالة اليهود أفضل نسبيًّا. تولّى العديد من اليهود الوزارة، ووصل أطباء يهود إلى بلاط يوسف بن تاشفين، وطلب مساعدتهم في إنشاء مدرسة للطب في مراكش. انتهى ذلك العصر الذهبي في أيّام الموحِّدين، الذين ارتقوا العرش في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي، ليفرضوا على جميع اليهود في المغرب والأَندَلُس اعتناق الإسلام.

وعندها بَدَأت غربتي.

كان الزمان، كما أحسب، زمن رجال كبار الهمم والعقول يئس كل منهم من أن يدرك بغيته في البلد الذي ولد فيه فحمل عصا الترحال مضطراً أو طامحاً. هكذا كنت، وهكذا كان عبد اللطيف البغدادي، خصمي الذي يشبهني، وهكذا كان القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني، وهكذا كان محمد بن تومرت”.

25

“وُلد القاضي عياض بسبتة وكانت تحت حكم المرابطين، وفي ظلها تعلم وتمهر وتقدم في شتى العلوم، وفي ظلها أيضًا صار من أعلام العلماء، وكبار القضاة، واشتهر بين الناس بغزير علمه وحفظه، وصدق طريقته، ودقة فتياه، وحياده الكامل، حتى طارت شهرته في كل مكان. وبعد عمله قاضياً ثم عزله لم يَفُتّ هذا العزل في عضده فعاد إلى سبتة، وعكف فيها على التدريس. وبسقوط دولة المرابطين كان خطر الموحدين يقترب وقد سفكوا دماء مئات الآلاف واستحيوا نساءهم، وأبادوا مدنًا بأكملها من على وجه الأرض، حتى إنهم قتلوا قرابة ألف ألف مسلم. أخذ القاضي عياض يسير شئون سبتة حسب مقتضيات الشرع والعدل، وقرر الاتصال بآخر من بقي من قادة المرابطين يحيى بن غانية، ليسلمه سبتة. وتخاذل بن غانية وأسرع الموحدون لحصارها، وعفا عبد المؤمن بن علي عن القاضي عياض مشترطاً الإقرار بعصمة ابن تومرت ومهديته، وأن يكتب بذلك كتابًا للآفاق كلها، فأعلن القاضي عياض أمام الموحدين؛ أنه لا عصمة لابن تومرت، ولا مهدية له وأنه دجال ضال. فقام الموحدون بقتله بالرماح حتى قطعوه إربًا، ثم قاموا بجمع أشلائه ودفنوها في مكان مجهول بمراكش، بلا صلاة ولا غسل”.

26

“جئت إلى مصر وعشت سنواتٍ لا أحمل همَّ شيءٍ من أمور الدنيا وكان ذراع شقيقي ديفيد سندي القوي. وقد عدت إلى رسالة كتبتها بعد سنوات من وفاته نسخها لي ابني لأحتفظ بما في سطورها من مرارة وحزن، فهو حزن على زينة دنياي، شقيقي الذي أظلمت الحياة بفقده عام 1177م. ومما كتبت: “إن أقسى أزمة واجهتني كانت وفاة أخي الكامل التقي غرقاً عند سفره في المحيط الهندي. ومع مضي عام على وفاته لا زلت أرقد على السرير مريضاً أواجه الحمى وخيبة الأمل. ومضت ثمان سنوات على وفاته ولا زلت أنوح عليه ولا شيء يخفف عني. وأي شيء يمكنه مواساتي. وكانت متعتي الوحيدة أن أراه. والآن تحولت متعتي إلى ظلام، لقد ذهب إلى الحياة الأبدية وتركني منهكاً في أرضٍ غريبة”.

وفي مصر عشت سنوات شعرت فيها بالأمن وحزت المال والجاه، وكتبت وقرأت ودرست وطببت، صاحبت أهل الصولجان، وأهل السيف، وأرباب البلاغة، ومن ألبسهم العلم طليسانات العز، وفي السراء والضراء كانت الغربة شبحاً قد ولىّ، بعد أسفارٍ لم تخلُ من مهولات ومخيفات، وبين ألمرية وعكا وبيت المقدس جرعت مشقة كدت أشيب من عواصفها. وفي البلد التي شاء الرب أن تكون مستقري، ذقت رغداً وشربت صفواً.

وما من صفوٍ إلا وفيه كـَـدَر!

أخذت ما رزقني به الرب من الكدر من الغربة، ومعاينة الموت في مركب يوشك على الغرق، وموت أخي، ومشقة عملي طبيباً، ودسائس الحاسدين، وهموم إخواني من اليهود، هموم كانت تحملها رسائل كأنها بوم شؤم ينعق، وكنت كمن اعتصر كل ثمار الحزن في الأرض وشربها مكرهاً كارهاً. وبين منابع الكدر جميعاً، كان عبد اللطيف البغدادي يغرقني بماء عداوته، ويحرقني بنار بغضه”.

27

“وكان يحز في نفسي ما يبدأه البغدادي بقوله: “رأيت” أكثر بكثير مما يبدأه بقوله: “سمعت”، فالرجل كما عرفته لا يكذب، وإخباره إخبار الصادق. ومما رواه أنه رأى امرأة يسحبها الرعاع في السوق ظفروا معها بصغير مشوي تأكل منه، وأهل السوق ذاهلون عنها ومقبلون على شئونهم وليس فيهم من يعجب لذلك أو ينكره. يقول: “فعاد تعجبي منهم أشد وما ذلك إلا لكثرة تكرره على إحساسهم حتى صار في حكم المألوف الذي لا يستحق أن يُتَعجَّبَ منه، ورأيت قبل ذلك بيومين صبياً مشوياً وقد أخذ به شابان أقرَا بقتله وشيِّه وأكل ْ بعضه … ثم فشا فيهم أكل بعضهم بعضاً حتى تفانى أكثرهم، ودخل في ذلك جماعة من المياسير والمساتير، منهم من يفعله احتياجاً ومنه من يفعله استطابة”.

حكى البغددي عن فقراء جوعى انتشروا في الشوارع الصغار ويأكلونهم، فإذا عوقب أحدهم بالحرق أكله الآخرون .. !!

بل يحكي عن حيل كان يخترعها بعضهم للإيقاع بالناس وأكلهم .. الوالي حكي له أن إمراة دعيت إلى وليمة فوجدت لحماً كثيراً فاسترابت في الأمر وسألت بنتاً صغيرة من المنزل سراً عن ذلك اللحم فقالت: إنها فلانة السمينة دخلت لتزورنا فذبحها أبي وها هي معلقة .. فهربت السيدة إلى الوالي فهجم على المنزل، لكن صاحبه هرب. ويروي من الغرائب أن امرأة ثرية كانت حاملاً وكان جيرانها من الصعاليك فكانت تشم عندهم رائحة طبيخ فاشتهت منه كما هي عادة الحبالى، فأكلت منه وأحبته وعرفت منهم أنه لحم آدمي فأدمنته وصاروا يتصيدون لها وغلبها السعار. وفي بيت الوالي كانت غرف تضم أجزاء مطبوخة من جثث آدمية كانت تودع للتحقيق مع من وُجِدَت عنده، وكان أحدهم يقول إنه أكل ولده أو زوجه أو حفيده، ومما شاع نبش القبور وأكل الموتى وبيع لحمهم، وحكى قطع الطرق وقتل المسافرين وجثث عائمة في النيل!

كنت أقرأ هذه الفاجعات بعيني يهودي اقتات على خبز اضطهاد أهل ملته في مشارق الأرض ومغاربها. وذات يومٍ سألت نفسي: أنحن شعبٌ من المنكوبين؟! كان حسد من يروننا أغنى وأقوى ومولودين من صلب النبوة ومختارين من بين الأمم يفسر المعاناة ويزيدها ثقلاً على النفس، فمذلة العزيز – أو من يرى نفسه عزيزاً – ليست كمذلة غيره أو مهانته.

28

“كانت الحرب الأولى التي شنها عليّ البغدادي حرب ردتي عن الإسلام. كنت في رحلتي غربتي الطويلة أتذكر مصير أستاذي يهودا بن شوشان الذي رفض اعتناق الإسلام فقتل. وشأن كثير من اليهود اخترت أن أعتنق الإسلام علناً، وكذلك فعلت. كنت أرتل القرآن وأقيم الصلاة وفي مصر كنت قد عدت إلى يهوديتي وفي فاس، كتبت: رسالة عمن يُكرهون على تغيير عقيدتهم، ردًا على الحاخامات بشأن أن الشهادة أفضل من تغيير العقيدة. ومما كان شائعًا، آنذاك، نداء اليهود بمسايرة واقع الإكراه الديني، بالتمسك سرًا بالعقيدة، والاستمرار في الصلوات، والتمسك بالأوامر والنواهي.

ولولا أن القاضي الفاضل أفتى بأن المكره لا يكون مرتداً إذا عاد إلى دينه الأول لكنت لحقت بأستاذي يهودا بن شوشان.

29

“كانت رائحة الموت تفوح من الشرق الأدنى خانقة، وكانت الحروب الصليبية محنة المسلمين واليهود معاً. وفي أواخر القرن الحادي عشر الميلادي بدأت تجمعات اليهود في بلاد الشام تقل وتنحصر في مراكز محددة لعلها عشرة، موزعة على مدن ساحلية وفي الرملة وطبرية والقدس، ويبدو أن ذلك راجع لأنباء المذابح المرتكبة في أوروبة ضد اليهود، وقرب وصول الصليبيين إلى بلاد الشام، ووصلتهم خطابات وتحذيرات من إخوانهم في الغرب والشرق من الصليبيين.

“فبعد وصول الصليبيين للساحل الشامي 1097م وصل خطاب من مدينة رفح بصحبة أحد سكانها من اليهود يطلب من إخوانه يهود القدس أن يهربوا إلى عسقلان خوفاً من الخطر الصليبي. فوقعت هجرة جماعية”.

وصارت الرسائل تحمل إليَّ من المفجعات ما لا يحتمله قلب غريب، صار الحزن يزاحم بعضه بعضًا، وجمع الرب عليَّ الخوف والحزن والفقد والقلق والتعب في صعيدٍ واحدٍ. وحملت إليَّ بضاعة الوراقين والنساخ ما لا مزيد عليه. كان من عاداتي في الأَندَلُس وفي مصر أن أشتري من النساخ والوراقين كل ما يصل إلى أيديهم من كتب عن اليهودية وعن حال بني ملتي من اليهود في مشارق الأرض ومغاربها. وكنت قد جعلت يوم الجمعة لمطالعة ما يرسل الوارقون.

وكانت الدماء تكاد تقطر من بين السطور!”

30

“عشت سنين عمري في الأَندَلُس وفاس أتأرجح بين قمع أعاينه وحرية أتنفسها وأحلق في سمائها متفلسفاً ومفتياً لأبناء ملتي من اليهود، ومنذ صرت أتلقى رسائل من يهود في شرق الدنيا وغربها، صارت أجنحة لنقل الحزن!

رسائل تقطر أسى، قد لا يخلو بعضها من مبالغات وحكايات صنعتها شائعات ومآسٍ تناقلتها الألسن فزادتها مأساوية، كل راوٍ يزيد عبارة هنا أو هناك، أو يختلق ما يجعل القصة أكثر إثارة لسامعيها. وخلال سنوات طوال كانت – في مجملها – ترسم ملامح صورة كئيبة ليهود العالم أو كثير منهم، فالطرد والاضطهاد والقتل الجماعي، مجتمعين أو منفردين، كانت وقائع تنتهي في مكان لتبدأ في مكان آخر. والأسئلة التي يلتمس أصحابها فتوى تجيز الارتداد أو اعتناق اليهودية سراً، كانت كثيرة حد التفشي، وبعضها كان يأتي لأجل فتوى لجماعة من اليهود لا لفرد.

وفي مصر كتبت رسالتي المشهورة بـ رسالة اليمن، وبعد زمن تأملتها، وتفكرت في البلد الذي تمكنت فيه من كتابتها بما بين سطورها من كلام عن الإسلام وأنا على يقين من أنني آمن، ففي الأَندَلُس رأيت صعود يهود قمة المال والنفوذ ورأيت مصارعهم، وكنت شاهداً على معارك أهل الأديان حامية الوطيس، ودسائس الشانئين مدبرة بليل ومنشورة بنهار، فعرفت أن ما كتبته في هذه الرسالة لو كتبته في زمن قبل هذا لربما كتب السيف نهاية رحلة حياتي”.

31

“أخرج عبد اللطيف البغدادي هذه الرسالة وبدأ يقرأ منها بلغة ملؤها التحريض والدس، وأنا أتقلب على جمر غضب وحيرة وأتردد في الرد على ما يقرأ، وهو يكاد يدعو أهل المجلس إلى قتلي. وكان سبب الرسالة أن حاكمًا شيعياً، اضطهد يهود اليمن حتى خيَّرهم بين الإسلام والموت. ولم يؤد هذا إلى موت العديدين فحسب، بل ظهر بين اليهود مسيح دجال أو مبشر بقدوم المسيح، رأى في هذه الحوادث الظلام الدامس الذي يسبق الفجر، الذي يبشر بقرب مجيء العصر المسياني. فاستدار يهود اليمن بيأس إلىَّ.

………..

كان يقرأ بتمهل ويشير بيده محرضاً .. .. وكأنه مفترس جائع استطاع أن يدفع فريسته إلى مكان مغلق: “مبارك الرب الذي أخضع اليهود للمعاناة فلا يبقى إلا الذي يحفظ التوراه ويطيع أوامرها في أقصى مناطق شبه الجزيرة .. .. حين تركنا الغرب كي ننظر لطافة الرب ونزور مكانه المقدس، علمنا أن أباكم غادر إلى راحته الأبدية. نرجو أن يحل الله عدالته وخيره عليك. ونرجو أن يدخل في السلام ويستريح على سريره. ونرجو أن يرسل إليه ملاك الرحمة. ونرجو أن يستريح ثم يقوم لثوابه في نهاية الأيام. هذه هي العلامة، أيها الصديق المحبوب الغالي، التي تدل على أن الله كان مسروراً من مآثر والدك، وأنه سيعوض عليه أضعافاً، ويسبغ عليه السلام. لأنك، وأنت ابنه، نهضت مكانه كي تعزز الدين في اليمن والالتزام به، كي تزيد العدل والصلاح، كي تطيع وصاياه وشرائعه، وكي تلتزم بعهده. وأرجو أن يكون الله ربك معك مثلما كان مع آبائك. وأرجو أن لا يهجرك ولا يتركك. وأرجو أن يعطيك فهماً شاملاً كي تحكم بين أبناء شعبه”.

استمد عبد اللطيف البغدادي المزيد من عنفوان العداء لي من امتقاع وجوه سامعيه، بعضهم كانوا أهل معرفة واسعة بما بين الأديان من اختلافات فلم يكن على وجوههم ما أخشى منه على نفسي، وبعضهم كانوا أشبه بمن خدَّرهم رنين صوت الرجل، وحماسه في تبشيع ما أكتب، فكانت حرارة وجوههم تكاد تحرق عباءتي!

وهو منطلق يجلجل: “تكتب أنّ القائد الثائر في اليمن أصدر قراراً بالردّة القسرية على اليهود وذلك بإجبار السكّان اليهود في كلّ المناطق التي أخضعها له على ترك الديانة اليهودية .. .. .. والحقيقة أنّ هذه الأخبار كسرت ظهورنا وصعقت كلّ جماعتنا وشدهتها. والحقيقة أنّ قلوبنا متعبة، عقولنا مشوشة، وقوى جسدنا مبددة بسبب المصائب الرهيبة التي جلبت علينا الإضطهادات الدينية من طرفي العالم، الشرق والغرب .. .. ..فلقد قطع هذا الخبر ظهورنا، وأبهت وأدهش جملة جموعنا، وحق لنا. …. ولقد ضعفت قلوبنا وتشوشت أفكارنا وانوهنت قوانا لهذه الضيقة العظيمة الذي بدانا الإجبار على الردة في طرفي العالم، الشرق والغرب”.

          ……………………..

          اختار البغدادي بعناية ما يثير حنق السامعين مسلمين ونصارى، وكانت الكلمات تحكم سواراً من الغضب حول عنقي، وتعيد أمام ناظري صوراً من الماضي القريب والبعيد في الأَندَلُس وفي فاس تملأني بالأسى. وهو استشعر لذة في ما يفعل، وكان صوته يجلدني:

“كان يسوع الناصري، الذي أرجو أن تسحق عظامه، أول من تبنى هذه الخطة. كان يهودياً لأن أمه كانت يهودية، مع أن أباه كان من الأمم. لأنه بحسب مبادئ شريعتنا، فإن الطفل المولود من يهودية وأحد أبناء الأمم، أو من يهودية وأحد العبيد، هو شرعي. وعلى نحو رمزي فقط دعي يسوع ابن حرام. لقد دفع بالشعب إلى الاعتقاد أنه كان نبياً مرسلاً من الله لإيضاح الإلتباسات في التوراه، وأنه كان المشيح الذي تنبأ به كل المتنبئين. وراح يفسر التوراه ووصاياها بطريقة تقود إلى إلغائها بالكامل، وإلى إبطال كل أوامرها وانتهاك محرماتها. أما الحاخامون، طيب الله ذكراهم، وقد أدركوا خططه قبل انطلاق شهرته بين الشعب، كان دانيال قد لمح إليه حين أنذر بسقوط أحد الأشرار من بين هراطقة اليهود والذي سيحاول القضاء على الشريعة، مطالباً لذاته بالنبوة، زاعماً أنه يقوم بالمعجزات، ومدعياً أنه المشيح، كما هو مكتوب”.

          وكان الوصف الذي أشير به إلى قاسياً وكان عبد اللطيف البغدادي ماهراً في استخدامه لإثارة الخواطر، وكان للنصارى نصيب غير قليل بين رجال السلطان وأعيان البلد، وهو التفت إلى أحدهم محدقاً في عينيه وقرأ: “فأول من عمد على هذا الرأي يشوع النصري المسحوقة عظامه وهو من إسرائيل، وإنه وإن كان أبوه غوى وأمه يسرائليت فهو إسرائيلي، .. .. .. وإنما نسميه ابن حرام على جهة المعاملة. فأوهم أنه مبعوث من الله ليبين مشكلات التوراه، وإنه المشيح الموعود به على يد كل نبي. فتأول التوراه تأويلاً يؤدي إلى إبطال جملة الشريعة، وتعطيل جميع أوامرها وارتكاب جميع مناهيها على ما قصد وغرض. فشعر الحخميم، طيب الله ذكراهم، لغرضه قبل أن تتمكن شهرته في الملة، ففعلوا به ما كان أهلاً له”.

وفار الدم في رأسي وأنا انتظر أن يصل البغدادي إلى ما كتبت عن نبي الإسلام، وتمنيت أن تنشق الأرض وتبلعني أو أن تحترق الدار بنا .. .. بل كدت أصرخ في وجهه ليصمت، ولم يكن من مفر!

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here