صبري الموجي: ذكريات الأعلام عن البلد الحرام

 

صبري الموجي

لم تكن رحلةُ الحجيج إلي مكة والمدينة مُذ أذن خليل الله إبراهيم في الناس بالحج، مُجرد انتقال المسافر من بلدٍ إلي بلد طمعا في راحة الجسم والبدن، بل كانت وستظل رحلة أكبادٍ تتلظي، وقلوبٍ تنفطر، وأفئدة تحترق من لهيب الوجد، وفرط الشوق والحنين .. هناك – حيث تذوبُ الفوارق، وتنسكبُ العبرات، وتُلبي الألسنة، وتخشع الوجوه والقلوب، وترتفعُ الأكف بالدعاء؛ طمعا في تكفير الذنوب والخطايا؛ ليعود الحاجُ صفحة بيضاء ناصعة مُتجردا من ذنوبه كيوم ولدته أمُه.

رحلاتٌ عديدة

وفي نصوصٍ خالدة تتعتقُ كما يتعتق العطرُ في قارورته، سطر العديدُ من الأعلام ممن شاركوا في تلك الرحلة الإيمانية، وحطت رحالُهم في أرض المعجزات، ومنازل الوحي، ومراقدِ الأحبة (محمد وصحبه) كُتبا ومقالات تزداد نفاستها مع توالي الحقب وتتابع الدهور، فتفوح بأسمي المعاني وأعظم العبر، حيث يذكر الكاتب محمد عبد الشافي القوصي في كتابه ” رحلات الأعلام إلي البلد الحرام” العديدَ من رحلات المشاهير، مثل رحلة الخديو عباس حلمي الثاني المُسماة بـ (الرحلة الحجازية)، والرحلة الذهبية لسلطان مالي منسي موسي، ورحلة المؤرخ خير الدين الزركلي المسماة “ما رأيت وما سمعت”، ورحلة عبد الوهاب عزام، و(رحلة الحجاز) للأديب العملاق المازني، ورحلة شيخ الأزهر عبد الحليم محمود ، ورحلة القاص يوسف إدريس والتي دونها في كتابه” إسلام بلا ضفاف” ورحلة الصحفي أحمد بهجت المسماة ” الوقوع في هوي الكعبة”، بالإضافة إلي رحلة المفكر الألماني مراد هوفمان المسماة ” الطريق إلي مكة”، ولم يفُت المرأة أن تشارك في تلك الرحلة المباركة وتُدون أحداثها، فهاهي بنت الشاطئ تُمتع القارئ برحلتها المسماة بـ(أرض المعجزات).

قاسم مشترك

واللافت أن هناك قاسما مشتركا بين هؤلاء(الحجاج )من الأدباء والمفكرين، فرغم اختلاف أوطانهم وثقافاتهم، إلا أن مذكراتهم كشفت عن جانب الضعف البشري المكنون داخلهم، فلا عجب أن نري من أجهش بالبكاء عند رؤيته البيت العتيق، ومنهم من خارت قواه، وجثا علي ركبتيه بمجرد رؤيته الكعبة المشرفة، ومنهم من أصرَّ علي أن يُقيم داخل الكعبة بمتاعه ولا يبرحُها ! ومنهم من قرر عدم العودة إلي وطنه مرة أخري، ومنهم من صحح مسيرته الفكرية بعد عودته، وصار جنديا من جنود الإسلام.

الارتسامات اللطاف إلي أقدس مطاف

يُعتبر الأديب اللامع والسياسي المُحنك شكيب أرسلان (1869- 1946) واحدًا من كبار المفكرين ودعاة الوحدة الإسلامية الذين ملء الشوقُ قلوبهم لأداء فريضة الحج، فخرج إليها مُتكبدا كثيرا من المشاق، حيث كان يعيشُ في سويسرا، واتجه إلي إيطاليا ثم إلي بور سعيد، فالسويس، ومنها إلي البحر الأحمر ليصل إلي جدة، ومنها إلي مكة.

وفي كتابه السالف عبّرَ عن مُشاهداته في تلك الرحلة بأسلوب أدبي بديع جذاب، فاستخدم كلماتٍ وعبارات مُنتقاة بعناية فائقة، ترسمُ خواطره ومشاهداته في أشكال وقوالب فنية فريدة من نوعها، حيث اعتني بمختلف الأمور وأدق التفاصيل، فاستشهد لكل موقف بما يناسبه من وصف أدبي أو تاريخي أو جغرافي، وحيث إنه يكفي من القلادة ما أحاط بالعُنق، نذكر روعة أسلوبه واتساع ثقافته بما قال في مقدمة كتابه :” وبعدُ فقد مضتْ عليّ حججٌ كثيرة، وأنا أهم بأداء فريضة الحج، والعوائقُ تعوق، والموانع من حولٍ إل حولٍ تحول، إلي أن يسر الله بلطفه وحسن توفيقه علي بأداء هذا الفرض”.

في منزل الوحي.. جمال الوصف وروعة التعبير

المعروفُ عن الدكتور (محمد حسين هيكل) أنه بدأ حياته كاتب قصة، وختمها كاتب قصة أيضا، فكانت قصةُ (زينب) أول أعماله، وآخرها (هكذا خُلقت)، وقد ساعده هذا علي أن يقتحم ميدان السيِّر التاريخية، والكتابات الإسلامية التي جمعت بين عقل المؤرخ وروح الأديب، فصاغ ذلك العملاقُ رحلته إلي الحجاز ليري آثار الرسول، ويسيرَ حيث سار مُلتمسا ما في حياته من أسوة وعبرة، وقد سجل ذلك في كتابه الضخم الفخم (منزل الوحي)، الذي امتاز فيه أسلُوبه بجمال الوصف وروعة التعبير، فصور رحلته تصويرا دقيقا متناولا الجزئيات والتفصيلات والوقفات التي وقفها في بلاد الوحي ومنزله، مُستوحيا فيها مواقف الرسول الأعظم، فجاء كتابه يجمع إلي جانب الوصف الحي نوعا آخر من الوصف الأدبي والذي يمكن تسميته بـ(الوصف الروحي)، وهو قريبٌ من أوصاف الصوفية وتخيلاتهم لمنازل الوحي وأماكن النبوة، حيث وصف مكة وغار حراء، وغار ثور، والكعبة ومقام إبراهيم، وغيرها الكثير، وكان في كل ما وصف فنانا يرسم بقلمه صورة رائعة لكل ما شاهد ورأي.

رحلة الحجاز

كان الأديب الفذ (المازني) ممن شرفوا بالحج وزيارة البقاع المقدسة، وقد سجل رحلته في كتابه (رحلة الحجاز)، والذي تضمن عددا من التساؤلات الحائرة والتي تحمل في طياتها همَّا عربيا وإسلاميا، خاصة أن رحلته كانت قبيل الاحتفال بمبايعة الملك عبد العزيز ملكا علي الحجاز ونجد، فانبري يطرح أسئلة منها: ماذا يُرجي لهذه الأمة العربية التي ستشهد بعد أيام احتفالها بمبايعة ملكها؟ هلي تكُر علي العالم بنهضة جديدة؟ وهل في وسعها أن تشق طريقها إلي منزلة من منازل الحياة العزيزة؟ وغيرها من الأسئلة التي تُظهر الكاتب وقد خيمت عليه سحابةٌ كثيفة من الحزن والألم، فيتلعثم في الإجابة، ثم يعود ليتساءل مرة أخري: إن هذه الأمة تُغالب طبيعة بلادها الماحلة، وتصارعُ أهوال الصحراء، فلم لا تستطيعُ أن تكافح المصاعب التي تحفُها بها الأهواء العارضة؟

عيون مجهرية

وتكشف تلك التساؤلات أنه كان للمازني عيون مجهرية! تُمكنه من أن يري ما لا يراه الآخرون، وآذانٌ رادارية يسمع بها ما لا يسمع غيرُه، فتراه يُبدع عندما يصف بئر زمزم بمكة المكرمة فيقول: “إن أول ما رأت عيناي علي فم البئر(بئر زمزم) سور عالٍ من الحديد أقامته الحكومة؛ لأن بعض الحجاج يحلو لهم أن يُلقوا بأنفسهم في البئر ليغرقوا ويموتوا شهداء علي ظنهم!

ثم يبرز أسلوب المازني الساخر حينما يقول: “ورأيتُ وادي فاطمة، وهو وادٍ – كما هو ظاهر بالبداهة – ولكنه غير ذي زرعٍ كثير، فيه نخيلٌ وأعناب، وفيه موز وباذنجان وطماطم وليمون وملوخية وبامية”

العقاد حاجا

لم يُسجل العقاد رحلته الحجازية في كتاب مُستقل أسوة بأقرانه؛ لأنه لم يكن مُولعا بالحكي والسرد، بل دونها في مقالات عدة بمؤلفاته خاصة “اليوميات” حيث سجل فيها المواقف التي استرعته خلال رحلته إلي الحج، فتارة نجده يحدثُنا عن وعثاء السفر، ومشقةِ الرحلة، وتارة يروي أحاديثه مع رفقائه وكيف أنه طلب منهم أن يصعد جبل النور، ويدخل غار حراء، ويجلس في المكان الذي اجتمع فيه أمين الوحي(جبريل) مع الصادق المصدوق(محمدٍ)، حينما قال له “اقرأ”.

مع العاهل السعودي

لم تكن زيارة العقاد إلي الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج سرا مخفيا أو حدثا مجهولا، بل كانت حدثا معلنا سمع عنه الملك عبد العزيز آل سعود، فالتقي بالأديب الكبير ودار بينهما حديث طويل عن العروبة والإسلام وأمن الحجيج.

العميد في أرض النبوة

كما كان طه حسين ممن شرفوا بتلك الرحلة أيضا، وعبر عن سعادته بها بقوله:” لقد تركتْ زيارتي للحجاز آثارا قوية رائعة في نفسي، لا يمكن أن تُصوَرَ في حديث أو أحاديث، وحسبُك أنها الموطن الذي أشرق منه نورُ الإسلام، ونشأت فيه الحضارة العربية الإسلامية، وما أعرف قُطرا من أقطار الأرض أثَّر في عقول الناس وقلوبهم وأذواقهم كما أثرت هذه البلاد .

لبيك

علي الرغم من كثرة المؤلفات التي تناولت رحلة الحج والعمرة إلا أن كتاب( لبيك) للكاتب الإسلامي محمد كامل حته، يأتي في صدارة هذه الكتب بلا منازع؛ لأن الكاتب لم يكتفِ بمشاهداته وانطباعاته الشخصية فحسب، بل نقل انطباعات ومشاعر آخرين ممن رافقوه في تلك الرحلة وغيرهم ممن التقاهم هناك، كما استلهم صورا ومشاهد متنوعة من صفحات التراث والتاريخ الإسلامي.

البكاء عند البيت

وفي كتابه (الحج المبرور) يتساءل إمام الدعاة الشيخ الشعراوي: عندما تدخل بيت الله الحرام وتطوف حوله تجد الدموعَ تملأ عينيك.. لماذا؟

ثم يجيب بقوله: الناس لا يعرفون لهذا سببا، فالبكاء في هذا المشهد تعبيرٌ عن ترك الكبرياء الذي طالما صاحبك، وعلي قدر ما تذرفُ من دموع، علي قدر ما يذهب عنك من كبرياء، وإذا كان البكاءُ مظهرا من مظاهر الضعف والحزن، فإنه في الحج ليس كذلك، إنه إحساس بالخضوع والعبودية لله.

الغزالي والركن الخامس

كما كانت للشيخ الغزالي تعليقاتٌ رائقة عن مناسك هذا الركن العظيم، منها إبرازه أن السعي بين الصفا والمروة يؤصل لمعني الأخذ بالأسباب والتوكل علي الله، كما يري أن مشهد عرفة يُرسخ لمعني المساواة بين الجميع، والخضوع والتذلل لله وحده.

يوسف إدريس وحلاوة الإيمان

بينما يكشف القاصُ الشهير يوسف إدريس في كتابه ” إسلام بلا ضفاف” كيف أنه شعر في هذا المكان الذي هو روضة من رياض الجنة بحلاوة الإيمان، وأحس بالأمان والاطمئنان، فراح يتذكر إخوانه وأهله، ويدعو لهم، كما أبدع في وصف مشهد الطواف، حيث يجتمع المسلمون من شتي الأجناس ومختلف الألسنة، كما وصف الروضة كاشفا تدافع الزائرين من أجل إلقاء التحية علي صاحب تلك الروضة المعصوم صلي الله عليه وسلم.

هنا تُسكب العبرات!

ظل الكاتب الصحفي عبد الوهاب مطاوع حتي وفته المنية يجهش بالبكاء كلما عاوده  الحنين إلي البيت الحرام، وكلما استرجع شريط ذكرياته الجميلة التي عاشها في أقدس البقاع وأطهرها، كما عاش تلك الحالة أيضا الكاتب الإسلامي أحمد بهجت، وكذلك بنتُ الشاطئ، ولم يفت الشعراء بدءا من أميرهم شوقي مرورا بمحمود غنيم وأحمد محرم وغيرهم أن يكونوا ضمن موكب المُلبين من الحجيج، حيث شرف الكثيرُ منهم بتلك الرحلة المباركة وأنشدوا خلالها قصائد خلدها لهم التاريخ، وتغنت بها الركبان .

كاتب صحفي بجريدة الأهرام

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. ما هي فاىدة الحج وباقي الشعائر الاسلامية هل حتى نكون مستعبدين للإمبريالية ويحكمونها اليهود الصهاينة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here