صبري الموجي: “جسر السويس” رواية تتمرد علي حُب الشفقة

 

 

صبري الموجي

” جسر السويس” هي رواية جديدة للكاتب الطبيب رأفت الخولي، تدور أحداثُها حول طبيبٍ شاب مُتخصص في الأمراض النفسية، مصابٍ بشلل الأطفال في إحدي ساقيه، وقادمٍ من عمق الريف ليعمل بمستشفي العباسية للأمراض النفسية؛ هربا من مأساة نشأته، وذكري وفاة والديه، ونزوح أخته الوحيدة مع زوجها من مصر للعمل بإحدي دول الخليج، وفارا أيضا من ذكرياته المؤلمة مع زملائه أثناء عمله عدة سنوات مُديرا للمصحة النفسية ببنها، وما لاقاه خلالها من صراعاتٍ وأحقاد من قبل هؤلاء الزملاء.

وفي سياق بحثه عن مسكن بالقاهرة مقره الجديد، لم يجد سوي غُرفة فوق سطح إحدي البنايات المرتفعة في شارع “جسر السويس”، فيقبل الإقامة فيها مُضطرا، لتصبح تلك الغرفة الضيقة مع باقي السطح نافذة يطل منها علي أحداث البناية المواجهة، أو بالأحري ينفُذ منها إلي تفاصيل أحداث الحياة من خلال مجموعة الأسر التي تسكنها، فيشاهد بعينه الفاحصة أفراحهم وأتراحهم، ويستخلص من أحداث حياتهم عبرا ما كان له أن يصل إلي شيء منها حتي بين مرضاه الذين أحبهم  واستمع بعناية لقصصهم، وعاش وحيدا من أجلهم.

وفي “جسر السويس” يُقدم الراوي رؤية ذاتية عن نفسه، وربما عن عددٍ لا بأس به من المشابهين له في الإعاقات البدنية، تتلخص في وقوعه المُتكرر في حب يظنُه (شفقة) علي ظروفه من جانب الطرف الآخر، حتي إنه لا يستطيع التفريق في كثيرٍ من الأحوال بين الحب الحقيقي، ونظرة الإشفاق التي يراها مُتكررة في أعين الكثيرات فيظنها حبا، ويُسهم في تغلغل ذلك الحب في ذاته وحدّته ألمُه الخاص، وقسوةُ الحياة عليه.

وتطفو علي سطح الرواية شخصية “سعاد” التي لازمته طوال أحداث الرواية أو أغلبها، وروت ظمأه من الحب والرغبة لفترات طويلة بدافعٍ من الشفقة ليس إلا، وهو ما تجلي له واضحا من خلال  بُعدها عنه بمجرد مُقابلتها لشابٍ آخر مُكتمل البنية من زملائه، ليتكرر وقوع الراوي في حبٍ جديد وهو حب “تهاني” التي تجرع مرارة فقدها وبُعدها عنه هي الأخري بسبب قسوة أخيها الذي أخفي وراء (لحيته الكثّة) التشدد والتطرف، ليعلن لنا الراوي في النهاية أن هذه هي الحياة بكل معاناتها وهمومها وسرورها أيضا، شاهدها وقصَّها بدفء وحميمية عن سكان العمارة المواجهة لمسكنه، وعن نفسه وحياته الشخصية البائسة، وعن قريته التي نشأ فيها ولازمها في طفولته وصباه.

” جسر السويس” هي الرواية الثالثة للقاص الطبيب رأفت الخولي، العارف جيدا ببنية العمل القصصي، المالك لأدواته، وهو ما دفع  بعض الروائيين لأن يقول إن أسلوبه أشبه بأسلوب الكاتب الراحل خيري شلبي من ناحية واقعيته وجنوحه إلي تصوير البيئة الريفية.

يُذكر أن ” جسر السويس” قد سبقتها للكاتب نفسه روايتا” الخريف الأخير” ، و” أيام محبوبة”،  وصدرت كلُها عن دار النسيم للنشر والتوزيع بالقاهرة لمديرها العام أشرف عويس.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here