صبري الموجي: “الشعر وثقافة العصر”.. حراك ثقافي واسع بملتقي القاهرة الدولي للشعر العربي

صبري الموجي

علي أرضِ الكنانة مَرتع شوقي وحافظ، ومُلهمة أبو شادي ومُحرم وشكري والمازني، وحاضنة صلاح عبد الصبور، ومطر، وأبو سنة وشوشة، ومُفجرة إبداع شاعر الشعب بيرم التونسي، وغيرهم من شعراء كبار أنشدوا قصائد تغنت بها الرُكبان، أقيمت بمقر المجلس الأعلي للثقافة في الفترة من 13: 16 يناير 2020م فعاليات مُلتقي القاهرة الدولي الخامس للشعر العربي، الذي حمل عنوان” الشعر وثقافة العصر.. دورة إبراهيم ناجي وبدر شاكر السياب” برعاية د. إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة، وإشراف د. هشام عزمي الأمين العام للمجلس، بمشاركة  15 دولة، وأكثر من 100شاعر وناقد من مصر والدول العربية.

 تضمن الملتقي الذي رنت له أنظارُ العالم العربي من أقصاه إلي أقصاه أربعة محاور تناولت قضايا الشعر وعلاقته بالفنون الأخري، بالإضافة إلي العديد من الأمسيات الشعرية التي شارك فيها نخبةٌ لامعة من أساطين الشعر والنقد في مصر والعالم العربي، حيث ناقش المحور الأول قضايا : الشعر واللغة والهوية المعاصرة، ومستويات التَّناص والاستدعاء في الشعر العربي، بينما اهتم المحورُ الثاني بـ ( ركائز الشعرية العربية، والشعر والسلطة، والشعر والنسوية، وتحولات الشكل الشعري، وركز المحور الثالث علي علاقة التقنية الحديثة بالشعر، فتناول قضايا النشر الإلكتروني، والشعر من الشفاهية إلي الرقمية، والشعر والدراما، والشعر والترجمة، فيما تناول المحور الرابع قضايا: الشعر ومستويات التلقي، وتحولات الصورة الشعرية، وشعرية الجسد في القصيدة الحديثة، والشعر والتأويل.

وباعتبارهما ضيفا شرف الدورة، فقد أقام الملتقي مائدتين مستديرتين حول الشاعرين الكبيرين: إبراهيم ناجي شاعر الأطلال، والشاعر العراقي بدر شاكر السياب؛ للتعريف بهما، وبيان ريادتهما الشعرية، وتقديم العديد من قصائدهما الخالدة.

كما تضمن الملتقي الدولي الخامس للشعر  نحو 7 أمسيات شعرية ضمت أكثر من 65 شاعرا وشاعرة تغنوا بأعذب الأشعار التي حوتها  دواوينهم الخاصة، أو لشعراء آخرين..

ومن جانبه صرح د. محمد عبد المطلب رئيس اللجنة العليا المنظمة للملتقي بأن الدورة حملت اسم هذين الشاعرين الكبيرين، نظرا لإسهاماتهما الشعرية الرائدة، التي تنوعت أغراضها، وأسهمت في تشكيل فكر ووجدان الأمة العربية.

يذكر أن مُلتقي القاهرة الدولي للشعر العربي، اعتاد أن يمنح نهاية فعالياته جائزة القاهرة للشعر العربي، والتي تُعد من أهم الجوائز العربية في فن الشعر العربي، وقد فاز بها علي مدي دورات انعقاده السابقة 4 شعراء سابقين هم : الشاعر الفلسطيني الكبير محمود درويش، الذي فاز بجائزة الدورة الأولي 2007م، وفاز الشاعر المصري اللامع أحمد عبد المعطي حجازي بجائزة الدورة الثانية 2009م، كما فاز بجائزة الدورة الثالثة الشاعر اليمني الرائع عبد العزيز المقالح 2013م، فيما حصل الشاعر المصري الكبير محمد إبراهيم أبو سنة علي جائزة الدورة الرابعة 2017م، وحصل علي جائزة الدورة الخامسة 2020م الشاعر البحريني الكبير قاسم حداد.

جدير بالذكر أنه لأهمية الحدث مصريا وعربيا، فقد أصدرت د. إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة قرارا بتشكيل لجنة علمية عليا للإعداد للدورة الخامسة لملتقي الشعر العربي برئاسة الأمين العام للمجلس د. هشام عزمي، ومُقرر الدورة الناقد الكبير د. محمد عبد المطلب، وعضوية الشعراء والنقاد: أحمد سويلم، وأحمد عنتر مصطفي، ود. أسامة البحيري، ود. حسن طلب، وحسين القباحي، وشعبان يوسف، ود. عبد الناصر حسن، ومحمد إبراهيم ابو سنة، ود. محمد سليمان، ووائل حسين، وهدي عبد الدايم، وإبراهيم حسين، كما أعلنت الوزيرة رفع قيمة الجائزة إلي 200 ألف جنيه بدلا من 100 ألف مواكبة لأهمية الحدث.

الشعر وتحديات الزمن

عن علاقة الشعر بتحديات الزمن الجديد، قال د. عبد السلام المسدي إنها علاقة وثيقة، نأخذ مثالا عليها، هو علاقة الشعر بالسياسة – بحكم أنه معنيٌ بالحرية – ليتحدد مدي انخراط الشاعر في ميثاق المثقف العضوي مادام ناطقا باسم الضمائر في لحظة سعادتها، ولحظات شقائها.

ويلفت د. المسدي إلي العلاقة الجدلية بين الشاعر ورجل السياسة ومدي احتياج كل منهما للآخر إما اختيارا أو اضطرارا.

ثورات الربيع والشعر

ومن جانبه أشار الناقد المغربي عبد الرحيم العلام إلي أن الشعر العربي ظل طوال مساره العام والتاريخي مواكبا لتحولات الواقع العربي في محطاته وتطوره، وفي أزماته ونهضته.

وأضاف العلام أن الشعر العربي المعاصر ارتبط بشكل ممتد ومتواصل بالثورات والانتفاضات والأزمات المتعاقبة في بلادنا، وعلي رأسها الاستعمار الأجنبي، كما كان الشعر حاضرا وبجلاء في ثورات الربيع العربي باعتباره فضاء للصراع، ونشدان التغيير.

وعن علاقة الشعر بالسياسة أكد العلام أن اتساع الهوة بين الأنظمة السياسية والمواطنين بمن فيهم من المثقفين والمبدعين، جعل قضية السلطة قضية مركزية في ثقافة هذا العصر في أبعادها الثورية ضد الأنظمة وضد التبعية؛ بعد تفاقم فقدان ثقة المجتمعات العربية في الأنظمة المتآمرة علي شعوبها.

الأسطورة في شعر السيَّاب

وعن الأبعاد الأسطورية للصورة الشعرية عند السياب، قال د. عبد الرحيم الكردي إن ذلك يتطلب مقارنة بين شعر السياب، وشعر محمود حسن إسماعيل الذي شغف بالأسطورة أيضا، فالقارئ لشعريهما يجد بينهما تشابها كبيرا في المعجم الشعري، وفي الرؤية، وبخاصة في التشابه في طبيعة المناجم السحريةالقروية، التي استُخرجت منها معادن الصورة الشعرية، فالقرية عند كلا الشاعرين ليست مجرد مجموعة من المباني والأكواخ، بل هي العحينة الأسطورية التي صاغا من ثقافتها صورهم الشعرية.

ولفت الكردي إلي أن منابع الأسطورة عند السياب أكثر اتساعا إذ انفتحت علي الأساطير العالمية والتاريخية، بخلاف محمود حسن إسماعيل، الذي استغرقته الثقافة الأسطورية الشعبية.

شعرية التوازن المصرية

ومن جانبه أكد الشاعر د. أحمد بلبولة أن عقد هذا المؤتمر علي أرض الكنانة يؤكد فكرة شعرية التوازن المصرية، تلك الشعرية التي لا تنجرف وراء الإيقاع أو التعقيد العقلي أو الفلسفي، مضيفا أنها شعرية متوازنة تعطي قيمة كبيرة للخيال، وجمال الأسلوب، وفيها نسيجُ الحضارة المصرية من لدُن الفراعنة حتي العرب، كما أنها تحتفي بالقيمة والقيم، والمثل العليا، ولا تتطرق أبدا إلي البذاءة، ومُهمتها الأولي هي الرقي بالإنسان.

وعن مشاركته كشاعر أكد بلبولة أنه شارك بقصيدة بعنوان ” طلل فيروس سي”، وهي قصيدة قديمة سبقت حملة ١٠٠ مليون صحة التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي،  وأثمرت إثمارا عظيما، في محاربة ذلك الفيروس القاتل، وهو ما لمستُه شخصيا علي أهل قريتي، وأضاف بلبولة، وتتحدث القصيدة عن مأساة المصريين الذين كانوا يعانون من هذا الفيروس قبل هذه الحملة، وهو مايكشف أن البلد صارت تهتم كثيرا بالمواطن البسيط، وتحرص علي إزالة آلامه وأوجاعه.

الرومانسية والتجديد في الشعر

وعن مشاركته في هذا الملتقي، أكد الشاعر علي عمران أنه يشارك بقصائد من ديوانه الجديد” العارف بالحزن”، وعن السر وراء اختيار ناجي والسياب لحمل اسم هذه الدورة، قال عمران إنه اختيار موفق؛ لأن كلا الشاعرين مجددٌ فيما كتب، فناجي أحد أبرز رواد المدرسة الرومانسية، التي ظهرت بداية القرن الماضي، أما السيَّاب فيعتبر رائد الشعر الحديث بلا منازع، فقد ضخ  للقصيدة العربية دماء جديدة، وخيالات وصورا لم تكن معروفة من قبل، وهو ما يؤهله لحمل اسم هذه الدورة بالمشاركة مع شاعر الأطلال ناجي.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here