صبري الرابحي: تونس: كي لا يصبح التطبيع وجهة نظر

 

 

صبري الرابحي

شاهد آلاف التونسيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي الفيديو الصادم الذي بثته احدى قنوات دولة الاحتلال في تغطية لمراسم حج الغريبة لهذه السنة و الذي يظهر دون قناع التسهيلات الجمة التي توفرت لبعض الزوار اليهود لكي يتنقلوا الى الضاحية الشمالية للعاصمة تونس و تحديدا منطقة سيدي بوسعيد لزيارة المنزل الذي نفذت فيه وحدات الكومندوس التابعة لدولة الاحتلال لعملية اغتيال الشهيد خليل الوزير المعروف باسم أبو جهاد في 16 أفريل 1988.

هذه الزيارة حملت في طياتها رسالة يسهل فك رموزها حول التمجيد المرضي الذي تثابر عليه دولة الاحتلال لما تعتبره نجاحات في حماية أمنها القومي المتطاول على الحدود الاقليمية و سيادة الدول، هذه الزيارة التي أظهرت عقدة الوجود و الاعتراف، اتخذت شكلا احتفاليا مفضوحا كشف عن كثب انصاف التاريخ للمقاومة الفلسطينية التي مازال رموزها المرتقون يكسبون نزال الأحقية الجيولوجية والحضارية بالغياب.

نفس التسجيل أظهر أيضا تمجيد هؤلاء لجيش دولة العدو الصهيوني على أرض تونس، أرض الشهداء، بما لا يستقيم واقعا و لا قانون اذا ما اعتبرنا المحدد الشعبي على الأقل المنتصب في حالة عداء مستمر ومتواصل لهذا الكيان.

هؤلاء الشرذمة أصروا أيضا على تقديم التحايا بحرص على اقتران اسم تونس باسم وطنهم المزعوم و هو ما لا يستقيم في أي وقت من الأوقات بتقويم العمق الشعبي التونسي و الشرعية التاريخية و فصول المواجهات الرافضة للتصالح و لو كانت الدية ذهبا على وصية أمل دنقل.

يعود الجدل مرة أخرى حول حقيقة العلاقة الرسمية مع هذا الكيان الذي يستغل بوابة حج الغريبة لتمرير سم التطبيع في دسم تسامح الأديان التاريخي في تونس، حيث يمكن ربط الأحداث مما تعاقب مؤخرا من تطبيع ثقافي حثيث بدأ باحياء عدد من الفنانين التونسيين لحفلات على الأراضي المحتلة و الذين رغم سعيهم لاظهار توبتهم الأخلاقية من هذا الفعل المشين الا أنهم عدلوا عن ذلك من خلال اتيان حجج واهية مستتبعة لحالة اضطراب ما بعد الصدمة التي دخل فيها التونسيون بعد الثورة و التي ادت الى التساهل مع عديد المسائل المبدئية و المناوئة للثوابت.أحد أوجه التطبيع أيضا انتبه اليه الاتحاد العام التونسي للشغل و الذي أدان في بياناته الرسمية ترويج سلع العدو الصهيوني في الفضاءات التجارية الكبرى اضافة الى تنظيم وكالات أسفار تونسية لرحلات نحو الأراضي المحتلة و التي تستوجب العبور عبر بوابات رسمية لدولة الاحتلال.

ولتأصيل هذه المسألة في اطارها لا بد من التذكير وتسجيل المواقف الصلبة والحقيقية كي لا يتحول التطبيع بمرور الزمن الى وجهة نظر، فدولة الاحتلال الصهيوني نناصبها العداء انطلاقا من المشترك الحضاري والانساني المتعلق بأحقية الأخوة الفلسطينيين والعرب ككل بكل شبر من أراضيهم المغتصبة، كما تتعلق العداوة أيضا بالمشترك القيمي الحقوقي وهو تجريم الممارسات اللانسانية و العنصرية التي يتوخاها هذا المحتل المشرع للاستيطان كطريقة لتثبيت القدم فوق ما لا يملك وحجبه لحق العودة من قاموسه المبهم الموغل في البروبقندا.

عدائنا لهذا الكيان ينبع أيضا من مساهمة التونسيين التاريخية في جل المواجهات العربية مع هذا العدو لتحرير الألااضي العربية و ما تبعها من اعتداءات أهمها غارة حمام الشط في 1 اكتوبر 1985 و عملية اغتيال أبو جهاد في سنة 1988 و آخر فصولها عملية الاغتيال الجبانة التي نفذها العدو الصهيوني للمهندس الطيار محمد الزواري في 15 ديسمبر 2016.

هذه الموجة من الممارسات الداعمة للتطبيع على نعومتها يجب أن تصطدم حتما بحزام مواطني ممانع لا يقبل التخلي عن ثوابته المقاومة و المستمرة في الزمن انتصارا الى العداوة الغير قابلة للافتداء بما هو أدنى من الدم العربي، فيكفي أن لا تنضب ذاكرة الأجيال كي لا يصبح التطبيع وجهة نظر .

كاتب تونسي

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here