صبرى الموجى: كلابُ الغرب والنظام!

صبرى الموجى

  في أحد كُتب الأدب الحديث وبتصرُفٍ أن أحدَ الثقات المشهودِ لهم بالصدق في القول والحيادية في النقل بلا تقليل أو تهويل،  كان في زيارة إلى مدينة لندن، وأثناء سيره في أحد الشوارع رأى طُغمة (أى جماعة) من البشر يصطفون في طابور طويل، ينتهي بهم إلى منفذ لتوزيع المواد الغذائية، لا يمكن لأحد أن يصل إلي نافذته إلا من خلال ذلك الصف، إذ يأتي اللاحقُ في عقب السابق دون مُزاحمة أو ضجيج، أو صياحٍ أو عويل، وإن شئت فقل دون أن تسمع لهم همسا، فلا يأخذ أحدٌ مكانَ أحد، الكل يحترمُ الدور، سواء كان وزيرا أو خفيرا، غنيا أو فقيرا، رجلا مُسنا يتكأ على عصاه، أو شابا فتيا تهتزُ الأرض من تحت قدميه، طفلا أو امرأة، أو فتاة، وكانت تلك الحالُ عادتَهم في كل شيء : أمام دور السينما وبيوت المسرح، أمام منافذ البيع أو شبابيك تذاكر المترو والباصات، أمام مكاتب البريد وأكشاك الجرائد وخلافه، فلا تقع عينُك إلا على النظام، واحترام الآخرين.. يقول الكاتب : ثم عضَّ صديقي راوي المشهد على شفتيه مُتعجبا، واسترسل قائلا : بل إن النظام انتقل بالتبعية من البشر إلى الحيوانات، إذ ألفيتُ في أحد الطوابير كلبا يحملُ في فمه سلة وبها النقود وورقة كُتب فيها ما هو مطلوب شراؤه من مواد غذائية، وكلما خطى السابقُ للكلب في الصف خطوة كان الكلب في عقبه، دون أن يتخطى الكلبُ دوره، ودون أن تُحدث نفسُ من جاء بعد الكلب أن يسبقه، حتي وصل الكلب إلي شباك الصرف وحقق المراد، دون أن يطمع في دوره طامع، أو يُسلبه حقَه سالبٌ !

وبعد أن فرغ صديقي من حكايته شرد ذهني للحظات قارنتُ فيها بين حالنا وحال ذلك المجتمع الذي عرف النظام في كل شيء، حتى إنه انتقل بالتبعية إلى الحيوانات، بينما نحن مازلنا نتخبطُ في دروب الفوضى والغوغائية والفهلوة، إذ رفع الناس شعار ( وفاز باللذات كل فوضاوي غوغائى، طاعنٍ بسكين بارد في كبد النظام واحترام حقوق الآخرين)، وكان من نتيجة ذلك أن نرى أناسا فى قمة الأبهة يُزاحمون ويصيحون، وكثيرا ما يكذبون لأخذ أماكن الآخرين، سواء أمام أكشاك الخبز، أو المُجمعات الاستهلاكية، أو منافذ التموين والمواد الغذائية، أو أي طابور من طوابير مصالحنا المتعددة، التي تري فيها العجب  فتجدُك مثلا بعدما وصلت بشق الأنفس لمنفذ الخدمة التي تريد تحقيقها مشدودا من الخلف، أو مخلوعا من ملابسك ليأخذ أحدٌ مكانك، أو تجد يدا تعبر الرءوس لتأخذ دورك، والشيء نفسه تراه رأي العين بمحطات المترو، التي يكثُر فيها التدافع والهرْج، والذي قد يُسبب إصابات أو وفايات، وليست عيادات الأطباء بأحسن حالا، وغيرها من المصالح والهيئات، التي صار فيها الزحام والتعدي على حقوق الغير هو اللغة السائدة .. وبعد أن فرغ صديقي من قصِّ ما رأي في دولة لا دينية أخذتُ أضرب كفا بكف حسرة وكمدا علي حالنا، الذي لم يرقَ لحال كلاب الغرب التي عرفت النظام .

كاتب مصري

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here