صبحي فحماوي: الرأسمالية المتوحشة البداية والنهاية؟

صبحي فحماوي

في البداية كانت المِلكيات مشاعاً والمِلك لله..إلى أن ظهرت الملكيات وتضخمت ديناصورياً فصار الإقطاع، إذ يقال أن الحاكم الفلاني أقطعه عزبة، أو قرية .. فكلمة (أقطعه) هي جزء  من نظام الإقطاع الذي كان منتشرا في مختلف بقاع الوطن العربي، وكانت قمة توهجه في روسيا القيصرية، إذ كانت سنابل القمح منحنية الرؤوس، لكثرة حمولتها، بينما إذا مات حصان للإقطاعي، يسحبونه إلى نهاية الحقول، ولكن في الصباح تجد أن الأقنان قد أجهزوا على اقتطاع لحوم جثته..

ومواجهة لظلم الإقطاعيين الفاحش، قامت الثورة الاشتراكية عام 1917، متأثرة بالفلسفة الماركسية اللينينية، فاستمر نظامها حتى  أصدر غورباتشوف شهادة وفاتها عام 1990.

 وقبل انهيار المنظومة الاشتراكية  كانوا يقولون لنا:

“بعد انهيار الاشتراكية، سوف تنعمون بحرية.حرية.حرية لا نهائية..حيث لا سائل ولا مسؤول..ولا دكتاتورية البروليتاريا ، ولا تسلط حكومي.”

وظل الإعلام المضاد والضغوط الرأسمالية تطرق جدران الخزان، إلى أن انهارت المنظومة الاشتراكية  بعيوبها الدكتاتورية المتخشبة، وعدم موازنتها لنظام السوق كما يجب، حيث أنها أغفلت مبدأ التنافس، فصار راتب  العامل الحارس مائتي روبل روسي، وراتب الطبيب ومخترع الصواريخ مائتين وخمسين إلى ثلاثمائة روبل..ليس هذا بالتحديد..وإنما..كنت ترى مصمم سيارة موسكوفيتش مثلاً يأخذ راتبا  متقاربا مع راتب ميكانيكي صناعتها تقريباً ولا أحدد. ومن جهة أخرى عدم وجود حوافز لمن يتسببون في تطوير الإنتاج أو تجميل الصنف كالسيارات مثلاً…

.ولهذا بقيت صناعات الدول الشرقية قديمة الطراز بالنسبة للدول الغربية، وخاصة السيارات والحاجات الفردية، وكذلك عدم صناعة ملابس الطراز الحديث كالجينز وغيرها، رغم أنهم تفوقوا في تكنولوجيا الفضاء وفي تكنولوجيا المواصلات العامة مثل القطارات وأنفاق وخطوط المترو المذهلة التطور، ذلك ربما لأن الدولة كانت تؤمن بالخدمات الجماعية التي كانت مراقبة مباشَرة من رأس السلطة، وليست متطلبات الملكية الفردية كالسيارة  والملابس والهدايا، وغيرها..

وقال لي أحد  خبراء الزراعة أثناء زيارتي لألمانيا الشرقية بعد توحيدها أنه لم يكن باستطاعة المختص أن يقترح  تطويرا لصنف الذرة أو عباد الشمس أو أي شيء آخر لم يأمر به المدير، الذي بدوره لم يكن يفكر بما لم يأمر به رئيس الحزب..

وبعد انهيار المنظومة الاشتراكية يا حبيبي، وجدنا أنفسنا “أحراراً تماما” في إرسال أطفالنا إلى المدارس برسوم قد تزيد عن خمسين ألف دولار للفرد الواحد، خلال فترة مدرستهم، وما يزيد عن مائة ألف دولار خلال تعليمه الجامعي..ووجدنا أنفسنا ندخل بحرية تامة إلى المستشفيات النظيفة بشرط دفع آلاف الدنانير لعملية جراحية، مع تأمين نقدي كبير إجباري مسبق قبل باب دخول المستشفى، حتى لو كان المريض داخلا ليلا بجلطة دماغ تحتاج إلى سرعة تصرف، فلا يسمحون بإدخاله بدون  تأمين نقدي كبير. ووجدنا أنفسنا أحرارا في شراء شقة عادية يتراوح  ثمنها من  سبعين ألف إلى ثلاثمائة  ألف دينار.

وجدنا أنفسا ننعم بحرية الدفع بدل أن كان ستالين و تيتو وتشاوتشيسكو  وعبد الناصر وغيرهم يوزعون الشقق على مواطنيهم الذين يدفعون من أثمانها لاحقاً بأقساط بسيطة وبدون فوائد..وقد لا يدفع العمال البتة في بعض الدول الشيوعية  إلا 6% من رواتبهم لصيانة الشقة والعمارة معاً..

وأما عن نظام الاقتصادي، والذي يقولب النظام الاجتماعي في الدول غير الشيوعية، فلقد كانت هناك طبقات؛

الطبقة البرجوازية التي تملك وتشغل الآخرين

الطبقة المتوسطة بين العمال والبرجوازية، مثل الموظفين والمثقفين والحرفيين وغيرهم

الطبقة العاملة

الفلاحون المستقلون نسبيا بمعاشهم.

وعندما انهارت المنظومة الإشتراكية، قفزت دكتاتورية رأس المال، لتحل محل دكتاتورية البروليتاريا ، وأعطيت لها تسهيلات كثيرة كشراء المصانع  التي أنتجها النظام الاشتراكي بجهود جبارة، وغاب عنها بموته، فحولوها  إلى أسهم بعد أن كانت حكومية،  فبيعت بتراب النقود…وبعض الجهات اشترت مصانع كاملة وباعتها على شكل حديد خردة..ولقد شاهدت بعض بعض أخواننا الخلايلة ينامون هناك ويأكلون علب السردين وهم  يشترون مصنعاً كاملاً مثل مصانع سيارت وارت بورغ الألمانية الشرقية وغيرها التي لم يطورها الألمان، كما طوروت تشيكيا سيارة  سكودا  التشيكوسلوفاكية  مثلا، بل أعدموها لتحل محلها شركات ألمانيا الغربية التي اشترتها بالرخيص، وذلك  بعدما صارت ألمانيا متحدة.

ومنذ ذلك الوقت استفحلت رؤوس الأموال بعدة وسائل منها:

إلغاء هيئة الرقابة الروسية سنة 1990،

شراء الغالي بالرخيص..بيعت المصانع العملاقة بأسهم رخيصة. وشراء الأسهم التي وزعت على عماله مجاناً بأثمان بخسة لأن العامل فقد عمله ولم يعد يملك شيئاً فباع بالرخيص.

استغلال إدارة المراكز، فلا أحد يراقب تصرفات المدير غير القانونية.

إن سماح القانون للموظفين بالعمل في وظيفتين، أدى إلى نزول الحكام، وكبار الموظفين وصغارهم في مختلف مواقعهم إلى سوق العمل كمنافسين ومكتسحين للسوق بسبب معرفتهم بواطن التوجه الاقتصادي والمشاريع الجديدة، وبسلطتهم، فتحولوا إلى مليارديرات، بدل أن كانوا ممنوعين من العمل غير الوظيفي..

العطاءات؛ بعض المسؤولين، صاروا يرسون العطاءات على شركائهم من الباطن، أو على من يدفعون الرشى، أو إلى أقاربهم  بطرقة جهوية، فيقبضون مقابل ذلك، المال الوفير. وبعض العطاءات كانت تتم بما يسمى التلزيم بالتراضي..فإذا  كان هناك متنافسان في العطاء الضخم، فقد يدفع القوي عدة ملايين لمنافسِهِ الأضعف، فيخلع الضعيف قابضا ملايين الدولارات، بينما يتفرد القوي بالعطاء ويكسب عشرات الملايين.

المعرفة: فإن معرفة بعض المسؤولين أنه سيقام مبنى حكومي  ضخم كمستشفى أو جامعة أو مطار أو مدينة سياحية أو صناعية، تجعلهم يشترون الأراضي المجاورة بتراب النقود، وذلك قبل إعلان  الخبر، فترتفع الأسعار بشكل جنوني، فيربحون الملايين في كل صفقة.

التزوير.. صار كثير من أصحاب الصناعات يزورون الصنف، حيث  قد تجد مثلاً بعض مصانع ألبان من بودرة الحليب المجفف المهدرج، يعملون منها مشتقات الألبان ويكتبون عليها لبن (طبيعي 100%) .أو يصنع عصير بودرة صناعية، ويكتب عليه(طبيعي 100%) . وأشياء كثيرة كهذه تتم برقابة مدفوعة الرشوة، أو بدون رقابة.. فجعلت التزوير ينتشر.

انتشر التزوير ليشمل أشياء كثيرة  حتى أن كثيراً من أشباه الأميين صار يُزوِّرون مهنتهم فيكتبون قبل اسمهم (الدكتور فلان)..

الإعلانات المضللة..مثلاً يقول لك الإعلان: اشتري خلاط عصير تربح سيارة مجاناً…اشتري جلاية صحون تربح شقة مجاناً..فتجد المواطن يا حرام يشتري ويشتري ولا يربح..وهذا تزييف للحقيقة ..

وصارت تكنولوجيا الإعلان لا تدلك على البضاعة المطلوبة، ولكنها تغريك على شراء ما لم تكن تفكر بشراءه..تجده مثلاً يعرفك على جهاز رجاج لتدليك القدمين، ويقول لك “أكيد أن قدميك متعبتان من توتر العمل في السوق..اشتري..اشتري” فتجدك تشتري…حتى عروض السيارات  ذات آخر طراز، تجدهم يعرضونها يوم المعرض الكبير، بحيث تقف إلى جوارها فتاة في منتهى الجمال..فالجمال الحقيقي هنا خادع لأن جمال ملكة الجمال صار مندمجاً مع جمال السيارة.

التقسيط..إن إمكانية التقسيط لشراء كل شيء سواء كانت سيارة أو شقة أو مفروشات بالمبلغ الذي لا تستطيعه، تغريك على الشراء، ولكن عنذ قبض الراتب تجد كل راتبك يذهب لسداد الأقساط.

رفع الأسعار والضرائب بقرار حكومي غير مبرر، رغم تدني الخدمات. والكل يسأل:

“أين تذهب مدفوعاتنا؟

الخيانة الوطنية..بعض الأشخاص يقومون بخيانة أوطانهم بوسائل مختلفة، مقابل قبض نقود تصل إلى الملايين..فلو كانت هناك رقابة “من أين لك هذا؟” فلن تجد هذه الأموال مع أناس  كانوا  من الطبقة الفقيرة  أو المتوسطة، فصار قلّة منهم  مليارديرات. ففي روايتي (الحب في زمن العولمة) يقول رأس المال المتوحش لفريق المحامين التابعين له: “إذا كانت مخالفة دفن النفايات النووية مليون دولار،  بينما  نحن نقبض أجور دفنها خمسة ملايين ،  فلندفن،  ونقبض،  وندفع الغرامة .

الدخول من ثغرات القانون، الذي يقول :”ما عدا..”  وهذا يحمي الأذكياء ومستخدمي المحامين المحترفين ليفعلوا فعلتهم، بدون الخوف من القانون الذي يقول: “ما عدا”…

استخدام الذكاء مثل إديسون الذي أشهر نفسه، والذي يقال أنه كان يشتري براءة الاختراع من المخترعين البسطاء بمبالغ بسيطة، ثم ينسبه إلى نفسه، ويبيعه بمبالغ خيالية…وقصة الكهرباء الساكنة، والكهرباء المتحركة، توضح بعض تصرفاته..والتي بموجبها ما نزال  ندفع لشركات الكهرباء، وكان وجود بطارية كمصدر طاقة كهرباية ساكنة في كل مكان يكفي كل متطلبات الطاقة. ولكن إديسون استخدم ذكاءه، فحصد السمعة والشهرة والنقود معاً.

وهكذا سيطرت الرأسمالية، فراحت تنشب أظافرها في التصرف بالمجتمع ، من حيث:

الرأسمالية هي التي كتبت القوانين والأنظمة المجيّرة لفائدتها، وهي التي وظفت الفقراء لحمايتها من الفقراء،  ولضرب الفقراء الرافضين لدفع الضرائب أو المستحقات حسب القانون، وصار من يسمونهم (حراس) المؤسسات والبنوك والشركات وغيرها من فقراء الناس أو ذوي الطبقة المتوسطة، هم الذين يحرسون ثروات وممتلكات الأغنياء، وهم الذين يصطادون فقيراً جائعاً قد يسرق  قطعة جبن من سوق تموين  كبىر.. تجد الموظف الذي يقبض منك الضريبة يقول لك: ” أنا أطبق القانون”..وهو لا يدرك أن صاحب رأس المال هو الذي وضع القانون..وهو الذي أمر موظفيه من الطبقة المتوسطة أو الفقيرة، بتطبيق القانون وجلد الفقراء المستهلكين ..الفقراء هم الذين يرسلون الفقير إلى المحكمة وهم الذين قد يعذبونه في السجن. الفقراء هم الذين يقبضون من الفقراء ضريبة المبيعات وغيرها من الضرائب، ويودعونها في الأماكن التي يفترض أنها تخدم المواطن..ولكن المواطن يجد سوء تصرف بالمال العام.

التحايل على العمال بقدر الإمكان..مثل زيادة ساعات العمل بدون دفع أجور الزيادة، أو عدم إعطاء إجازات حسب القانون، أو إبقاء العامل مياومة عدة سنوات مع أن القانون يُلزم بوظيفة دائمة

لا تتبرع حتى لا تفقد الصدارة..في روايتي (الحب في زمن العولمة) يقول أحد أغنى عشرة مليارديرات العالم أنه لو تبرع بمئة مليون دولار فإنه لن يتأثر، ولكنه يخشى أن يخرج من وجاهة دائرة العشرة الأوائل للثراء في العالم..ولهذا فهو لا يستطيع التبرع.

ألعاب القمار ..كازينوهات الروليت والبوكر وغيرها تجعل اللاعب يخسر نقوده في معظم  الأحيان.. وأوراق اليانصيب تجعل شخصاً واحداً يحصد نقود  الملايين.. إذ بأي حق  تتم لعبة اليانصيب، فيدفع  كل واحد من  المشترين دولاراً مثلاً، ثم يخسر ملايينُ المشترين، بينما يكسب شخص واحد مليون دولار، فيصبح مليونيراً بدون جهد. بينما تكسب الشركة المصدرة لليانصيب الباقي الكثير…وحسب مقولة ماركس أن قيمة السلعة تقدر بالجهد المبذول فيها..فما هو الجهد الذي بذله ليكسب المليون؟ وكيف يخسر  العامةُ،  ليكسب هو وحده لا شريك له؟. هذا جعل قلة من الناس يقفزون إلى الثروة الكبرى..وغيرهم يسقطون في القاع.

البورصة..ما هو مبرر من يشتري الأسهم بألف دينار، ثم يعود غداً فإذا بها ألف وخمسمائة مثلاً..أو تجده يخسر، فتصبح أسهمه ب خمسمائة بدل الألف؟ هذه فكرة رأسمالية غير منطقية.. ونتيجة لهذه اللعبة  السحرية، فوجئت الدول في جنوب شرق آسيا بالأزمة المالية الآسيوية التي قام بها بضعة صبية يتلاعبون في البورصة، عام 1997، بخلق تدهور مالي أصاب معظم قارة آسيا بالدوار، وتسبَّبت بمخاوف من تحوُّلها إلى أزمة عالمية.

وعندها أطلق صندوق النقد الدولي برنامجاً كُلفته 40 بليون دولار أمريكيٍّ لدعم اقتصادات إندونيسيا وتايلند وكوريا الجنوبية، وهي أكثر الاقتصادات تأثُّراً بالأزمة. ترى هل كان لصندوق النقد الدولي أثر في ذلك التسونامي حتى يَضطر الدول للاقتراض، بينما هو يجني الفوائد، مع ترسيخ هذه الدول لتسمع الكلام، وتنضبط تحت متطلبات البنك وصندوق النقد الدولي؟

  ماليزيا مهاتير محمد هي الدولة الوحيدة التي لم تتأثر بذلك التسونامي  لأنها لم تقترض من البنك الدولي.

وكما يتضح في روايتي (الحب في زمن العولمة) فإن نظام رأس المال فرض ضريبة مبيعات على المستهلكين. التي تأخذ ميزانية الدولة من مشتريات المواطنين، وتبتعد عن جيوب الأغنياء، مع أن الضريبة يجب أن تؤخذ من عائدات الدخل وأرباح المنتجين والمصانع. صار الشعار:

 “لا تزعجوا صاحب المصنع..فقد يهرب بمصانعه من البلاد..طالبوا المستهلك بدفع ضريبة مبيعات على علبة اللبن التي يستهلكها، فهو مضطر للشراء ، كي لا يموت جوعاً..”. وهكذا تكون الرأسمالية الليبرالية الحديثة أكثر ذكاء  وأشد قسوة من النظام الإقطاعي، فالإقطاعي القاسي، كان يستغلك بالعمل الدائم، ولكنه كان يُسَكِّنُك ويطعمك ويعالجك على نفقته..وأما صاحب  العمل الحديث فهو أذكى وأكثر قسوة لأنه يستغلك في العمل ، ولكنه غير مسؤول عن أكلك ومسكنك وعلاجك.

كان الصراع يتم بين صاحب العمل الذي يهدف زيادة انتاج العمال لزيادة أرباحه، وبين العمال المطالبين بتحسين وضعهم المالي والمعنوي. وأما مع تطور التكنولوجيا، ونزول الإنسان الآلي إلى العمل بدل العمال، لم يعد هناك عمال، وهذا الوضع يتفاقم يوما بعد يوم، فكلما ازداد عدد الآليات العاملة في  كل المصانع، كلما ازداد طرد الموظفين والعمال من مواقعهم، وتركهم بدون ضمان اجتماعي، إذ كيف يدفع أصحاب العمل ضمانا اجتماعيا لعمال غير موجودين في المصنع  أو المتجر؟ الآن أنت  تشتري في محلات التجارة العالمية فلا تجد قابض نقود، بل تجد القابض الآلي في انتظارك..اختفى العمال.. حتى في المطارات كل الإدارة ستتم بشكل كمبيوتري  ولا أحد يدقق في جواز سفرك أو هويتك..صارت تتم بالنظر إلكترونيا إلى عينيك، حسب روايتي (الإسكندرية 2050).

وحسب روايتي (الحب في زمن العولمة) لم يعد هناك صراع بين صاحب العمل والعمال، ولم تعد العداوة بين صاحب رأس المال والعمال. ذلك لأنه لم يعد في المصنع عمال. تغيرت اللعبة. لقد قعد العمال بلا عمل، وصاروا أيتاماً على الرصيف.بلا طعام لهم ولأسرهم. وكان الحل الساخر في تلك الرواية هو خلق قوة طاردة تستبعد الفقراء وغير العاملين من مدى الجاذبية الأرضية، فيتوهون في الفراغ، ويتخلص  أغنياء الأرض منهم ومن  أعبائهم، فتصبح الحياة سعيدة للأغنياء فقط.

ولهذه الضغوطات وابتزاز الطبقة المتوسطة والفقيرة،  تقوم المظاهرات والانتفاضات في كل

 بلاد العالم ، ومنها مظاهرات حركة احتلوا وول ستريت في قلب منهاتن- نيويورك، في 2011 والتي قمعها الأمن بمنتهى القسوة، وبالتعتيم الإعلامي.. وحسب ( كريستيان ساينس مونيتور)، تقول نينا إيلياسوف عالمة الاجتماع بجامعة ساذرن كاليفورنيا: “مهما كانت الأمور التي ستحدث، فإن حركة احتلوا وول ستريت ستبقى.. نحن في لحظة تشهد هوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء أكثر من أي وقت مضى منذ عام 1929، لهذا يجد الناس أنفسهم مرغمين على التظاهرات في كل أنحاء العالم، لرفع الظلم عن الطبقة العاملة، والأكثر منها الطبقة المُعطّلة عن العمل “.والتي تتزايد تدريجياً، لدرجة قد تقلب الموازين الحالية.

ولو فهمنا سبب الثورة الفرنسية التي حصلت بعد أن قرر الملك لويس السادس عشر صاحب الملكية المطلقة، فرض ضرائب جديدة  على الفرنسيين الفقراء، الذين لم  يستطيعون لها حملاً، فاستمرت الثورة من 1789 حتى 1799 حتى نجحت فاستولت الطبقة البرجوازية التي أعطت بعض الحقوق للعمال، ولكن حكم البرجوازية تراجع مع انبلاج فجور الرأسمالية المتوحشة.

وهذا ما حصل بعد عقد الزمن من توحش الرأسمالية، إذ نشاهد هذه الأيام رعب القتلى والجرحى حتى في قلب ستراسبوغ الفرنسية بصفتها مقر البرلمان الأوروبي، حيث يرفض 80% من الناس هذا التجمع الأوروبي القائم على ابتزاز الطبقات غير الميسورة… وهذا ما شاهدناه في الربيع العربي الذي لم ينته بعد، وما نشاهده من أصحاب السترات الصفراء، الذين ينتشرون انتشار النار في الهشيم، في فرنسا وكل دول العالم، تراها ثائرة بلا أحزاب، بل يجمعها حزب الجوع، وهي تطالب بنفس الطلب..معرفة أين تذهب ضرائبهم حيث لا مدارس ولا مستشفيات ولا شوارع  ولا خدمات عامة بقدر مدفوعاتهم..

إنه تمرد خطير على الرأسمالية المتوحشة نفسها، بل هي ثورة تتنامى بين شعوب العالم الذي سموه زورا وبهتاناً على أنه (النظام الحر)، إنها ثورة تسعى لطلاق الخُلع من بيت الطاعة الرأسمالية المتوحشة التي لا تعرف حتى مصلحة نفسها في هذا التوحش غير المنطقي فلا تُسرع للتصرف بالحكمة والإنسانية للبقاء، بدل استخدام العنف مع المتظاهرين،  إذ أنها لا تصدق أن موسم حصادها قد أزف.

Print Friendly, PDF & Email

4 تعليقات

  1. رغم ما جاء في هذا المقال من مظاهر الليبيرالية المتوحشة التي، بالتأكيد، ضهرت في الغرب منذ القرن 16، نقرأ لبعض اخواننا الكتاب على صفحات هذا الموقع، نقرأ مقالات تضع الحرية كأساس اولي، او العلمانية كاديولوجية خلاصنا، واخرون يرون في الديمقراطية المعلمنة ٱخر وأوحد حل لأزماتنا!!!

    وينسون ان يكتبوا لنا على الوجه الٱخر لعملة الديمقراطية المعلمنة، الا وهو الليبيرالية مصاصة الدماء.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here