صالح عوض: روسيا عين على أفريقيا وقواعد في المشرق

صالح عوض

الذين يقرؤون الوقائع دون تتبع امتداداتها التاريخية، إنما هم يلامسون من القضايا سطحها، ويبنون بنيانهم على جرف هار، فليس عبثا أن يكون أول من أسس للكيان الصهيوني في فلسطين حزب عمال صهيون الروسي، وليس عبثا أن تكون طلائع المستوطنين الروس هم أول قادة الكيان الصهيوني.

ورسميا لم تدخر الإمبراطورية الروسية جهدا للقضاء على الخلافة العثمانية، فحاربتها، وحشّدت “الحلف المقدس” من أوربا برعاية بابا الفاتيكان، لاسترداد القسطنطينية.

اليوم روسيا في سوريا وتمد رجليها في ليبيا ومالي وإفريقيا ومواقع عديدة مشرقا ومغربا.. فيما تتعمق تفاهماتها الإستراتيجية مع الكيان الصهيوني في الملف السوري، فماذا يفعل العرب؟ بل ماذا ينتظر مسيرة الأمة الإسلامية؟ إنها ليست دعوة للحرب، إنّما للوعي.

الخط الإستراتيجي:

الدولة الروسية دولة كبيرة تاريخية تقلبت عليها إمبراطوريات ودول كبرى شغلها طموحها وإصرارها على تحقيقه ودخلت الحروب الواحدة تلو الأخرى من الصراع ضد الخلافة العثمانية إلى الحرب العالمية الأولى والثانية وكانت دوما دولة توسعية ترنو الى المشرق العربي والإسلامي لتضع على شطآنه قواعد عسكرية ولم يكن دفعها بحزب العمال الصهيوني نحو فلسطين إلا إحدى تلك الخطوات الإستراتيجية  ومن ثم إلحاقهم بمئات السوفييت من قبائل عديدة للاستيطان في فلسطين ودعم الكيان الصهيوني بالكتلة البشرية والقادة العسكريين والاعتراف الفوري بالكيان الصهيوني.. ثم توفير الضمان الأمني تماما من جهة الجبهة السورية حاليا.. تتابع القيادة الروسية الاضطرابات الحاصلة في الإمبراطورية الأمريكية وخطواتها المتعثرة فتزحف بطرق عديدة لاحتلال مواقع كانت محرومة من التموقع فيها ولذا فهي تسعى إلى الضغط لإحداث مزيد من الشروخ في كيانها السياسي والاقتصادي مدعومة بضغط اقتصادي صيني.. وبانتفاضات في أكثر من موقع.

لا تتوف طموحات  القيادة الروسية المعاصرة على إعادة أمجاد القياصرة والاتحاد السوفيتي في شرق المتوسط وبحر قزوين وجورجيا وأوكرانيا.. بل يمتد بصرها إلى مالي وأواسط إفريقيا وهاهي تحاول التسلل في ليبيا من خلال طرق رسمية وغير رسمية.

روسيا في الشرق:

روسيا في مواجهة تاريخية مع إيران وتركيا الجارتين التاريخيتين بموقعيهما الاستراتيجيين ولقد شهدت هذه العلاقة حربا وهدنة وهي الآن في طور غير مستقر فمع تركيا خصومة مع مصالح مشتركة ومع ايران تحالف مع خيانة مقصودة فلقد سبق للإيرانيين ان اقنعوا الروس بولوج الملف السوري وشاركوهم في جبهات القتال الا ان الروس لن يسمحوا للإيرانيين الاستثمار الأمني في سوريا وتركوا الإيرانيين عرضة لصواريخ الكيان الصهيوني.. أما في جبهة تركيا فسنذهب الى بعض التفصيل التاريخي كانت روسيا مدعومة في حربها التي انطلقت ضد تركيا. من بريطانيا العظمى في نهايات القرن السابع عشر، التي أمدت البحرية الروسية الإمبراطورية بالمستشارين البحريين مقابل مصالح تجارية تدور حول سلعة الحديد.. وفي مصر والشام تعاون محمد علي باشا وظاهر العمر، للاستيلاء على دمشق من العثمانيين، ومن ثم فقداها فاتجها إلى أورلوڤ وكاثرينا ملوك الإمبراطورية الروسية، اللذين وافقا على دعمهما في مقابل حيازتها القدس.. وقامت سفن أورلوف بقصف المدن السورية، توغل الأسطول الروسي في شرق المتوسط، وبعد هجوم فاشل على حصن مودون من الساحل اليوناني، فرض حصاراً على بيروت استمر شهرين، انتهى بسقوط المدينة بدعم من الشيوخ الدروز واحتلت بيروت في نهاية المطاف.. إلا أن الروس انسحبوا عام 1774، بموجب اتفاقية مع الأتراك الذين تنازلوا فيها عن أوكرانيا والقرم فتخلت روسيا عن حلفائها المصريين و السوريين، ومع هذا كان وجود قاعدة شرق أوسطية روسية هدفا استراتيجيا:

على الرغم من أن معاهدة “كيتشك كاينارجي” لم تفقد تركيا سوى أراض قليلة، فإنها تعد من أسوأ المعاهدات التي وقّعتها الدولة على امتداد تاريخها، حيث رفعت روسيا دفعة واحدة إلى مصاف الدول القوية بعد إنجلترا وفرنسا، وأنزلت الدولة العثمانية من القمة إلى السطح، وأنهت سيطرة الدولة العثمانية على البحر الأسود باعتباره بحيرة عثمانية، وكانت بداية طريق الضعف والاضمحلال.

كانت الرغبة للاستيلاء على القرم وبعدها التحرك لانجاز المشروع اليوناني باسترداد القسطنطينية وكانت تلك الخطط متكاملة.. ولقد فعّلت كاترين في نهاية القرن السابع عشر الحلف المقدس -الذي يجمع الدول الأوربية وبدعم من البابا- المناهض للدولة العثمانية لطرد الأتراك” الكفرة” من أوربا.

كان موضوع طرد الكفرة حاضرا في رسائل كاترينا ومستشارها الفيلسوف الفرنسي “ويل بير” الذي تصغي له لبعث اليونان البيزنطية.. وظل المشروع قائما باستعادة القسطنيطينية حتى نهاية الإمبراطور الروسي نيكافاي الثاني الذي قال في رسالته سنة 1916: لن يكون سلام دون  السيطرة على القسطنطينية، ومضائق البحر الأسود ولقد توافق ذلك مع الاعداد لاتفاق سايكس بيكو الذي نص على قسطنطينية والمضائق وأجزاء أخرى من تركيا.. فلقد تم التوصل الى اتفاقية روسية بريطانية في 1916 للتفاهم حول تقسيم الدولة العثمانية.. وحاول الانجليز لكي يشركوا الروس في الحرب العالمية الأولى والثانية ان يغروهم بالمضايق والقسطنطينية لكن الأمريكان والانجليز والفرنسيين رفضوا.. وبعد الحرب طالب ستالين بقاعدة عسكرية على البوسفور ولكن الحلفاء رفضوا مناقشة الموضوع.. ظلت فكرة كاترين الثانية حاضرة في المخطط الاستراتيجي والحلف الأرثوذكسي والاتحاد مع اليونان واسترداد القسطنطينية ، ظلت هذه الرؤية والفكرة من كاثرين الثانية حتى آخر إمبراطور روسي.

إلا أن هدنة ما حصلت بعد ثورة أكتوبر السوفيتية ففي 16 مارس 1921 وقعت اتفاقية الصداقة والإخاء مع تركيا وتم التوصل إلى اتفاق لتقديم معونة مالية لتركية قدرها 10 ملايين روبل ذهبي وتقديم معدات عسكرية، وبناء مصانع أسلحة وذخيرة وتكررت زيارات كبار المسئولين السوفييت لتركيا.. وسهلت الجهود المشتركة في مؤتمر لوزان 1922-1923 التقارب بين البلدين حيث دافعت روسيا عن حق تركيا في المضائق وانسحاب القوات الأجنبية من أراضيها.. ودعمت روسيا السوفيتية الدولة التركية المعاصرة التي حققت انتصارات عسكرية في الحرب ضد اليونان التي تلقت الدعم من الانجليز في 1923 ويستنتج كثير من المؤرخين أن البلدين كانا يمران بحالة متشابهة بالتحول من مرحلة الإمبراطورية إلى أخرى حيث تخلص كل منهما من نظام سياسي إمبراطوري فتقربا لبعضهما لبناء علاقات قوية إستراتيجية فكان تحالف بينهما استمر حتى منتصف الثلاثينات أي حتى موت كمال أتاتورك.. ونجحا في بقاء الاتفاق بينهما قائما رغم ما كان يحاك من قبل الانجليز من دسائس لإفساد العلاقة بينهما.

وفي 1945 وفي بوسطن الأمريكية كان الملف التركي أحد أهم بنود المؤتمر للحلفاء حيث طالب المبعوث السوفيتي بما اقتطعه الأتراك 1921 من أراضي روسيا حسب زعمه وأن يتم تسوية الحدود وإعادة الأراضي حتى أن الزعيم السوفيتي أعلن بلا تردد عن عزمه إلى العودة إلى حدود الإمبراطورية القيصرية إلا أن الحلفاء رفضوا التمدد ووقفوا ضد محاولة ستالين لتوسيع الأراضي السوفيتية وتابع الحلفاء بتقديم الحماية السياسية ضد السوفيت الذين دفعوا بموقفهم السياسة التركية إلى دخول حلف الناتو والذي وجد تأييدا أمريكيا في مايو1951، وفي 18 من فبراير 1952 اقر البرلمان التركي دخول الناتو.. رحلة طويلة من الصراع والهدنة الحذرة بين تركيا وروسيا ومهما اختلفت طبائع الحكم في البلدين تظل موازين القوى هي من يرسم بالنار أو المكيدة حدود الجغرافيا السياسية.. والآن جبهات عدة مفتوحة بين روسيا وتركيا في سورية وليبيا وأذربيجان ومواقع أخرى ولازالت القسطنطينية تمنح كلا منهما دوافع دفينة.. إلا أن تركيا لم تنضم إلى حملة الإجراءات العقابية  ضد روسيا وظلت التجارة بينهما كما كانت 40 مليار التبادل التجاري وتم شراء منظومة صواريخ اس 400 الإستراتيجية من روسيا.. فهل تبدأ رحلة هدنة أم أن تحالف فرنسا واليونان وجنوح أمريكا لهما سيغري الروس في انتظار سقوط تركي ما يجعل من السهل تقدم الروس لتحقيق ما لم يحققوه؟

  روسيا ومالي:

تحاول روسيا ملء المساحات الفارغة التي يخلفها الغرب في مناطق نفوذه، مثلما هو حال فرنسا في ليبيا حيث تحاول فرنسا الاستثمار فيما صنعته في ليبيا من تخريب وهي تضطرب في علاقاتها مع الدولة الليبية المتمثلة بحكومة الوفاق، ولكنها في حالة الاضطراب وجدت أن عليها ان تصطف إما في خندق روسيا او خندق تركيا وفي الحالة الأولى تكون خرقت كل المعاهدات الإستراتيجية وتجاوزت خطا أمريكيا احمر فتجرعت في ليبيا غصة لم تستعد عافيتها منها بعد والآن أخفاق جديد في الملف المالي، حيث أخفقت في القضاء على المجموعات المسلحة، طيلة 7 سنوات، مما أثار غضب السكان لاعتقادهم أن فرنسا تستغل وجود هذه الجماعات والحرب ضدها كغطاء للبقاء أطول مدة في بلادهم واستغلال ثرواتها.

على صعيد آخر تعود العلاقات بين مالي وروسيا إلى ستينيات القرن الماضي بعد استقلال مالي عن فرنسا.. فلقد أجرى مركز الأبحاث CSIS بحثًا مكثفًا حول النفوذ الروسي المتزايد في إفريقيا في السنوات الأخيرة، خصوصًا عندما بدأت موسكو تقوّي علاقاتها الاقتصادية والعسكرية مع القارة، لا سيما عندما فُرضت عقوبات غربية على موسكو في عام 2014.

بالمقارنة مع الغرب، فإن الأسلحة الروسية أرخص بكثير من الأسلحة الأمريكية والفرنسية، وتباع بشروط أقل إجحافا، وهو ما يفسر أن الكثير من أسلحة الجيش المالي روسية الصنع. بينما حلت فرنسا في المرتبة السابعة في قائمة الدول المصدرة للأسلحة إلى مالي، بحسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام. ويؤكد المتابعون أن “الجيش المالي يعتمد على أسلحة ومعدات سوفيتية، وخاصة دبابات T-54 وT-55، وأسلحة أخرى روسية، وأن التعاون بين روسيا ومالي في المجال العسكري-التقني أمر مفهوم”.

  في السنوات العشر الماضية صدّرت روسيا 16 بالمائة من إجمالي ما استوردته القارة الأفريقية، من الأسلحة، لم تكن التجارة مع إفريقيا مهمة على الإطلاق، فالروس مهتمون بالموارد المعدنية، لكن يمكنهم تقديم المساعدة العسكرية، وهذه هي نقطة قوتهم”… ففي 21 أغسطس/آب الماضي، خرجت مظاهرات داعمة للانقلابيين في ساحة الاستقلال بالعاصمة المالية باماكو، لشكر روسيا، وهتف المتظاهرون: “نريد التعاون مع روسيا”، “نريد روسيا”، “منذ اليوم الأول الذي وقع كايتا، اتفاقية عسكرية مع فرنسا أفلست مالي”. وكذلك كان السفير الروسي لدى باماكو من أوائل الدبلوماسيين الذين استقبلهم الانقلابيون، في الوقت الذي احتشد فيه الناس بباماكو لشكر روسيا التي لم تدن الانقلاب.

وراء هذا الانقلاب شخصيات عسكرية: العقيد مالك دياو وساديو كامارا، وكانا قد قضيا عامًا في روسيا، في الكلية العسكرية العليا في موسكو لتلقي تدريبات ، في إطار اتفاقية التعاون العسكري بين مالي وروسيا الموقعة في 26 يونيو/حزيران 2019.

الموقف الفرنسي:

قالت لوفيغارو Le Figaro الفرنسية إن باريس تنظر بقلق إلى ما يجري في دولة مالي، وإن الخارجية الفرنسية أدانت هذا “الحدث الخطير بأقصى درجات الحزم” .. وأشارت الصحيفة إلى أن الأزمة كانت تختمر وتتفاقم باطراد في باماكو منذ أكثر من شهرين، أي منذ ظهور حركة “5 يونيو/حزيران” وقد نبه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الرئيس كيتا إلى ذلك قائلا “الديمقراطية والاستقرار” يجب أن يسودا مالي.

وأجرى ماكرون اتصالات مع الرؤساء الأفارقة يدعوهم إلى اجتماع عاجل لمجلس الأمن الدولي، وإضافته مسألة مالي إلى جدول أعمال المجلس الأوروبي الذي انعقد الأربعاء عبر الفيديو، حيث حذر من تأثير هذه الأزمة المزعزع للاستقرار على المنطقة بأسرها، غير أن الضربات التي يمكن أن تلحق بالفرنسيين هناك -حسب الصحيفة- قد تكون موجعة للغاية، لأن الوجود الفرنسي غير مرضي عنه وقد تم انتقاده مرارا، مع تنامي المشاعر المعادية للفرنسيين التي يغذيها الشك في أن المستعمر السابق يتدخل في شؤون البلاد.

 ورأى الفرنسيون أن الانقلاب السياسي في باماكو يمثل نكسة للعملية الفرنسية، وبالتالي تجب إعادة النظر في إستراتيجية باريس بأكملها، لأن النجاحات التي تحققت الأشهر القليلة الماضية معرضة للضياع، بعد أن عبأت فرنسا الدول الأفريقية -ومالي في مقدمتها- من أجل الحرب ضد “الجماعات الإرهابية”. حيث تحاول فرنسا منذ عدة أشهر الحصول على دعم متزايد من شركائها الأوروبيين من خلال إنشاء فرقة عمل “تاكوبا” المكونة من القوات الخاصة الأوروبية، وبالفعل وصلت أول وحدة أستونية في يوليو/تموز الماضي، و كان من المتوقع أن تتبعها القوات التشيكية ثم السويدية..

للأسف:

تركيا جارة العرب وإيران جارة العرب ومالي جارة العرب.. وسورية قلب العرب.. والمعنى هنا واضح تماما بأن تطويق العرب واختراق بلدانهم من قبل كل الطامعين: فرنسا وأمريكا والكيان الصهيوني وروسيا وتحويلهم عن قبلتهم ليستبدلوا عدوهم.. فهل إلى يقظة؟ من سبيل والله غالب على أمره.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

2 تعليقات

  1. تركيا جارة العرب وإيران جارة العرب ومالي جارة العرب.. وسورية قلب العرب.. والمعنى هنا واضح تماما بأن تطويق العرب واختراق بلدانهم من قبل كل الطامعين: فرنسا وأمريكا والكيان الصهيوني وروسيا وتحويلهم عن قبلتهم ليستبدلوا عدوهم.. فهل إلى يقظة؟ من سبيل والله غالب على أمره.

  2. تركيا تغزو البلاد العربيه و تحتل أراضيها و تستنزف خبراتها ما علاقه دلك ب روسيا ف لتدهب و تحارب روسيا و نحن معها اما غير دلك فهي متل روسيا و اسراءيل و ايران و غيرهم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here