صالح عوض: الجزائر غدا.. فقه الأولويات وتعدد الاستحقاقات وتشابك الداخل مع تحديات الخارج

صالح عوض

قبل ثلاثين عاما كتبت كتابي الأول”معركة الإسلام والصليبية في الجزائر 1827-1956″.. وعندما سألني سائل لم توقفت عند هذا التاريخ؟ قلت له لأن كل ما سيأتي بعد هذا التاريخ بمثابة ترتيب للبيت الداخلي وفيه توافق الرؤى واختلافها وأنا هنا انسحب من المشهد يكفيني إحساسي بانتصار الثورة المجيدة.. ومضت الأيام وعشت عشريات متلاحقة لم أقترب من الكتابة عن الداخل الجزائري إلا بما فيه إجماع.. ولكني الآن و أنا في خريف عمري وفيما تمر الجزائر بمرحلة حاسمة أرى لزاما علي أن اكتب بقوة ووضوح وبمحبة وغيرة محاولا آن أضع رأيي بين يدي النخبة الجزائرية وصناع القرار وأهل الحل والعقد.. فليشفع لي حبي للجزائر وغيرتي عليها مستحضرا أرواح العظام: باني الدولة الجزائرية الأمير عبد القادر وباعث النهضة في الجزائر الإمام ابن باديس وعبقري الثورة ومفكرها الفذ العربي بن مهيدي رحمهم الله ورحم الشهداء.

 تركة ثقيلة وتراكمات عديدة:

لقد احتاجت الجزائر لحرب أسطورية لطرد المستعمر الفرنسي، واستعادت الجزائر سيادتها لتصبح على الصعيد الدولي دولة رئيسية في دول عدم الانحياز ودولة محورية في الوطن العربي وقبلة لحركات التحرر في العالم.. ولتقوم بترميم كيانها السياسي ومجتمعها على أسس وطنية، ومن يظن أن 5 يوليو 1962 هو نهاية الحالة الاستعمارية بكل شروطها وواقعها وامتداداتها وبداية مرحلة أخرى مختلفة تماما وكأن لا بقايا فيها لامتدادات وقنابل موقوتة يكون غير منطقي وغير علمي، فتركة الاستعمار ثقيلة من واقع حاول تكريسه على مدار132 سنة في حياة الناس من تدمير مقومات الحياة المدنية واختراقه للثقافة الوطنية وضرب المجتمع في سياقاته المتنوعة لإرباكه على صعيد بناء الإدارة والمؤسسات.. ومن هنا كانت الأسئلة الصعبة عند نقطة البدء في مرحلة ما بعد 5 يوليو 1962.. فهل ينصرف المجتمع لتطهير نفسه معنويا وماديا من مخلفات الاستعمار وبصرامة تامة كما طالب البعض أم يحدث هدنة محسوبة مع بعض جبهات الصراع التي تركها الاستعمار مفتوحة لعل الزمن يكون كفيلا بإيجاد وقائع ايجابية تطرد الوقائع السلبية.؟.وهنا تعددت الرؤى بين القيادة المرهقة بتكلفة حرب التحرير وباحتياجات ملحة لدولة وليدة وشعب فقير معدم لا تتوفر له سبل الحياة المدنية من تعليم ومستشفيات وأبواب عمل وتحديات إقليمية طامعة متربصة.. ووصل الاختلاف في تحديد الأولويات على صعيد بناء الدولة والمجتمع الى الحسم بين تعدد الخيارات بقوة.

ان مناقشة هذه المرحلة التأسيسية ضرورية تماما فهي التي أسهمت في مسيرة الجزائر طيلة العقود الستة المنصرمة.. ومن تلك البدايات الى لحظة انطلاق الحراك في 22 فبراير 2019 استطاعت الجزائر تحقيق انجازات كبيرة بعضها مضمونا وشكلا وبعضها إطارا يحتاج تعزيزه بالمضمون، وأثناء المسيرة  تراكمت أخطاء نتيجة تجاوز في الممارسة أو في التصور، بعضها وجد حله والبعض الآخر أضيف الى التراكم السابق، كما أن مخلفات الاستعمار وقنابله الموقوتة لم تفكك تماما كان بعضها يختبئ ويظهر وقت غفلة، وبعضها يتدثر بأغطية عديدة يفجر التناقض أمام حركية المجتمع وعزيمته في استرداد عناصر وجوده الحضاري. وهنا من العبث ان لا نرى ذلك كله في سياق الصراع المفتوح مع المستعمر، فتجمع في إطار واحد كل ما تبقى من تركة الاستعمار التي لم تفكك، والتراكمات السلبية نتيجة العمل في شتى المجالات، وعدم اكتمال مراحل الانتقال من مرحلة الى أخرى.. وهنا أصبح أمام الجزائر مهمات جسيمة للتخلص من هذا كله الذي أنهك جسم الجزائر واستنزف ثروتها وأرهق شعبها وجعل مؤسسات الدولة تئن تحت وطأة هذا الثالوث المعقد المتمثل في أشخاص وكتل، وتصورات، ومنهجية أداء.

مبررات الحراك الشعبي:

لم يتوقف الشعب الجزائري عن التململ والتعبير عن مطالبه العديدة في الشارع وفي الجامعات في مراحل عديدة متلاحقة وأنجز أهدافا مهمة على رأسها حرية التعبير و حرية الصحافة وتشكيل الأحزاب بتنوعها الإيديولوجي الا ان هناك ما بقي بعيدا عن الانجاز وبالذات في شفافية إدارة المال العام والمؤسسات والانتخابات في كل أنواعها الأمر الذي كاد يوصل رسالة قاطعة بان لا فائدة من الانتخابات والعملية الديمقراطية.. لقد كانت الجزائر قبيل أحداث أكتوبر سنة 1988 على عتبات تحول ديمقراطي بعد ان كان لسنوات الستينات والسبعينات والثمانيات دور كبير في التعليم وبناء مؤسسات اقتصادية وسياسية و أجهزة دولة.. إلا أن إقحام الجزائر في العشرية السوداء عطل تنامي الممارسة الديمقراطية وأصبح الأمن أولى وأهم.. وفي ظل عملية المصالحة الوطنية واستعادة الاستقرار كانت تسريبات التجاوزات تتراكم على صعيد الإدارة والمال العام ونشأت مع الزمن طبقات متحالفة ماليا وإداريا كان من الضروري لها ان تبعد الشعب عن حقه في احتيار من يمثله ومحاسبة المتجاوزين.. وكان يهمها التوسع في إنفاق الثروة على الواردات دون انتباه لأثر ذلك على قطاعات الصناعة والزراعة والإنتاج المحلي على مستوى شركات القطاع العام التي شهدت تراجعا كبيرا.

انطلاق الحراك الشعبي 22 فبراير:

وصل التراكم الى حالة أفقدت القوى السياسية والنظام في حالته السكونية تلك القدرة على مبادرة نحو الخروج من الدوامة بعد ان أصبح التمديد للرئيس مادة دستورية وفي حالة صعبة انعكست على دور الجزائر الإقليمي والدولي وعلى جملة الأوضاع الداخلية وفي محاولة لحسم الوضع لجهة دون أخرى على المستوى الإداري كان من الضروري ان يتحرك الشعب بمطلب محدد كان عنوانه رفض التمديد للرئيس.. والذي كانت تلك الطبقة التي تشكلت على المستوى الإداري والمالي هي المستفيد الوحيد منه.. فكان الانطلاق بالحراك الشعبي لإلغاء التمديد.

تحرك الجيش لمرافقة الحراك:

أصر الجيش ان ينأى بنفسه عن أية محاولة للتصدي للشعب أو الالتفاف على حراكه رافضا أي عملية ترقيع للمشهد وقد فضح المناورات التي استهدفت تغييرات في القمة.. وكسب الجيش مجددا ثقة الشعب وسار معه يحمي حراكه ويضغط بوضوح لتنفيذ روحية المطالب الشعبية بدءا من استقالة الرئيس واستقالة رئيس المجلس الدستوري وتحرك القضاء الجزائري مدعوما بقوة الجيش بكل فاعلية لاقتياد أشخاص ذوي مواقع حساسة إدارية ومالية شكلت في حقهم ملفات فساد وتجاوز الى السجون في مشهد لم يتكرر من قبل.

ما هي الخطوة القادمة؟

من الواضح أن هناك تيارا واسعا من النخبة الوطنية يتوافق على خطوة الانتخابات وفي المقابل هناك من يقول بضرورة إسقاط رموز النظام كلها وان لا جدوى لأي خطوة في ظل رموز النظام السابق وأصحاب هذا الرأي يبررون موقفهم بمخرجات الانتخابات السابقة التي كان التزوير منهجها..

لا يخفى على أحد ان الجزائر في مرحلة حاسمة اليوم وانه لمن الواضح لكل ذي لب انه لا يمكن معالجة وتصحيح كل الأوضاع المتراكمة من التركة الاستعمارية او تراكمات العقود الستة السابقة دفعة واحدة وذلك لسببين مباشرين الأول غياب الغطاء الدستوري والقانوني لإحداث ذلك والسبب الثاني انه لا يوجد من الوقت ما يسعف لانجاز تلك المهمات ويصبح هذا الخيار مدعاة للفوضى والإغراق في العدمية الأمر الذي يصبح مطلبا لذاته،

الخطوة الأولى اليوم وفورا هي تشكيل لجنة مستقلة للانتخابات من شخصيات عليها إجماع وطني لى حد كبير ذات صلاحية غير تابعة لوزارة الداخلية تحضر للانتخابات بشفافية وان توضع ضمانات المراقبة الدقيقة بما يملأ النفوس طمأنينة.. ويكون الرئيس المنتخب مطالبا بالتسريع في تجديد مؤسسات الدولة لاسيما البرلمان والدعوة الى صياغة دستور ومعالجة القضايا المتراكمة بشفافية وحسم..

ان أي وقت يمضي دون الذهاب الى الانتخابات بهذه الكيفية يعني تعريض البلاد للخطر أكثر وللتمادي في غياب الجزائر عن المسرح الإقليمي والدولي وإبقاء الارتجالية في المستويات العديدة.. فلا يعتقدن أحد ان التحديات الخارجية تنتظرنا طويلا.. ولا يعتقدن أحد أن الاقتصاد والاستقرار سيكونان في حالة أمان ان استمر انشغال الدولة بلا رأس وحكومة قوية.

من يظن أنه سيقضي على كل المفاسد بضربة واحدة هو في الحقيقة لا يعرف سنن التغيير ولا منهجية البناء، والتنطع هنا هو الوصفة السحرية للتعفين والانسداد ولا أظن ان عقلاء الجزائر سيسمحون باستمراره طويلا.. حمى الله الجزائر وصانها ونصرها وثقتي عظيمة بان أرواح الشهداء تسيجها وهي تستحق من الجميع الارتقاء للإحساس بالمسئولية في هذه اللحظة التاريخية الحاسمة.

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. في ضل هذا الزخم ضاع الوطن .
    الوطن يحتاج إلى أبنائه المخلصين .
    كيف يصمت اهل الخير وأبناء البلد تائهون بين الفايسبوك والمحطات بمختلف توجهاتها .
    مايسمعه ويشاهده المواطن أدى به إلى الانجرار والالتفاف إلى جانب من يكن العداء للجزائر .
    في رايي واجب التحفظ قد يؤدي إلى الخيانة . خيانة الوطن ، خيانة الشهداء ، خيانة الأمانة.

  2. لا خوف على الجزائر يا أستاذ عوض ؛ فالجزائر كما قال الثعالبي:
    إنّ الجزائر في أحوالها عجب ** ولا يدوم بها للناس مكروه
    ما حلّ عُسر بها أو ضاق مُتسع ** إلا ويُسر من الرحمن يتلوه
    و شعبها كما قال الشاعر مفدي زكريا هو حجة الله في الكائنات ،
    الجزائر دولة أقامها جيش ككل الدول تقريباً و هو الضامن للنظام و الأمن و مادام هو موجود فلا خوفاٌ عليها ، و الشعب وصل لدرجة كبيرة من الوعي بفضل تراكم تجاربه و الدروس التي تعلمها من خلال تجارب الأخرين ؛ و في النهاية سنصل لما هو مطلوب ؛ أي التغيير الكلي للنظام مع الحفاظ على وحدتنا
    لقد مرت بنا ظروف قاسية خلال الثورة و بعدها و لم يحصل ما نتخوف منه اليوم ؛ صحيح أن هذا العالم ؛ إدا لم تخطط يخططون لك ؛ أي أن الأخطار محدقة بنا و المتربصون كثر ؛ لكن الجيش ذي كفاءة عالية و ضباط متعلمين و الشعب واعي بما يكفي
    أما التخلص من ثركة الإستعمار فهذا جاري العمل به مند الإستقلال و الباقي الإيام كفيلة به

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here