صالح عوض: الجزائر تهدي للعرب والمسلمين تجربتها الناجحة

 

 

صالح عوض

هناك عدة ملاحظات ينبغي تدبرها في دور القيادة العسكرية الجزائرية في مرحلة من اخطر المراحل-مرحلة الحراك- حيث استطاعت تجنيب البلاد من الانزلاق في مسار الحراكات العربية التي بشر بها أويحيى رئيس الوزراء السابق عندما حذر الجزائريين من أي تصرف وأي تظاهر واحتجاج قد يوصل البلاد الى ما تعيشه سورية..

الملاحظة الأولى عندما تمترس المرحوم أحمد قايد صالح رئيس الأركان ونائب وزير الدفاع في ثكنته العسكرية حيث سكنه الدائم ومن هناك رافق حراك الشعب  ووجه رسائله المتتالية للطبقة السياسية والاقتصادية والإعلامية في البلاد أن لا أحد يعلو فوق مصلحة الوطن وان بلدا ضحى من اجله ملايين الشهداء لا يمكن أن تعبث به عصابة من الأنانيين.. لم يخرج دباباته ولم يحوط قصر المرادية بعسكره ولم يصدر بيانات عسكرية وأصر على صون دماء الجزائريين وحماية حراكهم من بعيد حتى وان تطاول عليه بعض المارقين بالسب والطعن ونبه الى ضرورة ان يتحرك كل شيء وفق الدستور فسقط الرئيس الذي قدم استقالته بوافر حريته وفي مشهد حضاري وسقط رئيس الوزراء وسقط رئيس المجلس الدستوري وهذه رموز النظام السابق وساق الى السجن شخصيات كان في الخيال يتوقع احد ان يطالها من جنرالات امن ووزراء خاصين ورجال مال بتهم واضحة اثبت القضاء واعترافاتهم انه لم يفتعلها ولم يحملها رغبة ما تتعلق بإهدار مئات مليارات الدولارات والارتهان للاقتصاد الفرنسي.. وانتهى بالعملية المعقدة الى الانتخابات حيث شهدت الجزائر أفضل انتخابات على الإطلاق منذ استقلالها بعيدا عن التهريج والشحن الأهوج.. حقا حدثت ثورة بكل المقاييس الثقافية والسياسية ولكن دون إراقة قطرة دم رغم عنفوان الشعب الجزائري وسقف مطالبه العالي ..كانت عملية معقدة تماما أدارتها المؤسسة العسكرية الجزائرية بلياقة عالية..

الملاحظة الثانية: لأول مرة يحدث تغيير في الوطن العربي دون علم او نصيحة او توجيه او استعانة بدولة غربية بالعكس تماما تم التغيير العميق في كل المجالات في ظل جو مشحون مع فرنسا العدو الاستعماري التقليدي الذي أقلقه مسار الأحداث حيث الصفقات التجارية المشينة والنهب الجنوني لثروة البلاد والذي تم تكييف قوانين المالية والأوضاع الاقتصادية لخدمته.. كانت المؤسسة العسكرية الجزائرية بالتطورات الحاصلة فيها وتجذر العقيدة الأمنية الوطنية فيها قد أفلتت من لزومية ان يستمد حراكها مشروعيته من إحدى عواصم الغرب .. ولقد دفع كثير من الانقلابيين العرب كما بعض من عملوا على اختراق القانون والدستور الأموال الطائلة والثروات الهائلة لإرضاء عواصم الغرب.. وهذه نقطة حساسة وحاسمة ينبغي ان تذكر للقايد صالح وللمؤسسة العسكرية الجزائرية التي في مرحلته استمر تحركها الدستوري القوي المتين بوطنية نظيفة لا يختلف عليها عاقلان في مواجهة كل مراكز القوى المستندة لعلاقات خارجية او قوى اجتماعية و الرد على تطاول الاستعماريين بحزم وان البلاد لن تسمح للاستعماريين ولا لأولادهم وامتداداتهم ان يكون لهم وجود في الجزائر.. وهذه نقطة أخرى يجب تسجيلها للعسكرية الجزائرية المعاصرة.. إنها ليست فقط مؤسسة وظيفية بل مؤسسة سياسية تحفظ ارث جيش التحرير.

الملاحظة الثالثة في مرحلة القائد أحمد  قايد صالح اكتسبت المؤسسة العسكرية الجزائرية احتراما بالغا لدى الجميع والتحمت بالشعب ولم تظهر عضلاتها ولم تكشر عن أنيابها أمام عنفوان الشارع حتى لو خرجت منه أصوات نشاز في الحين الذي أثبتت تصديها الواضح لأي اعتداء على الشعب وأي تجاوز للقانون.. ولم ير لها أي تواجد في شوارع مدن الجزائر وبقيت في ثكناتها تراقب عن كثب وبهذا كرست مهمة المؤسسة العسكرية أنها مؤسسة لحماية الدولة وحماية الشعب وحماية القانون.

الملاحظة الرابعة وفي مرحلة القايد صالح كانت المؤسسة العسكرية الجزائرية على يقظة تامة من المخاطر المحيطة بها وكان هذا الرجل الأسد لا يهدأ ولا يستقر متنقلا من موقع عسكري الى أخر ومن ناحية عسكرية الى أخرى يجوب البلاد عرضها بطولها يستعرض قواتها ويطلق لها العنان لمزيد من اليقظة والتدريب والمناورات والتجهيز لمواجهة المخاطر المحيطة بالبلاد ولتكون على أتم الجاهزية للتصدي للأشرار من أي موقع جاءوا..

الملاحظة الخامسة وهنا تجلى الإخلاص كقيمة حضارية ومسلكية للمؤسسة العسكرية فلقد غاب ذكر الألقاب الكبيرة ولكن حضرت المهمات الإستراتيجية بتجاوز للذات فكما انه أمن الجبهة الداخلية بالحب والتفهم والثقة والحماية مع الشعب فأمنه الشعب على الداخل باستمرار الحراك سلميا الأمر الذي وفر على المؤسسة العسكرية النزول إلى الشارع رغم خطورة الوضع واحتمال الانزلاق.. وبقيت المؤسسة العسكرية حامية  للوطن من المخاطر الخارجية بكل نباهة ويقظة وحزم.. وبهذا استطاع القايد صالح وقيادة الأركان إنقاذ المؤسسة العسكرية من أي مهمة جانبية قد تستنزفها وترهقها بمهمات تصرفها عن المهمات الأساسية في حماية الوطن والبلاد.

لن نغفل القيمة الإستراتيجية لقرارات المؤسسة العسكرية التي واكبت الحراك خطوة  بعد خطوة وشاركته الإستراتيجية الملائمة وفرضت خياراته على الجميع وكانت بلاشك يد الشعب وإرادته و لا يمكن إن نغفل قيمة الحضور الإعلامي المستمر للمؤسسة العسكرية الذي كشف عن المستوى الراقي في الوعي واللغة والوضوح والنباهة من خلال بيانات متينة البناء والمعاني.

بلا شك أضاف القايد صالح إلى سجل المجد الجزائري صفحة بارزة ومشرقة هي استثناء في تاريخ العسكرتاريا العربية وبذلك يكون الجيش الجزائري بجدارة جيش الشعب وحاميه وصانع مجده.. فلئن حقق الله به في خمسينيات القرن المنصرم مجدا يتيه به على الدنيا بنصر قل نظيره على الحلف الأطلسي فهو بكل جدارة واستحقاق أنجز اخطر مهمة على الصعيد الداخلي.

يتذوق حلاوة هذا النصر كل من أدرك المأساة في بلداننا العربية في العراق وسورية و ليبيا واليمن وسواها كثير حيث لم تم إخراج الجيش عن حدود مهماته فتورط ليتحول إلى طرف في الصراع منهمك في معركة الاقتتال وتدمير المدن والقرى فأصبح عن غير قصد منه احد أدوات التخريب الداخلي.

مجد كبير للعسكرية العربية تسجله المؤسسة العسكرية الجزائرية بقيادة سي احمد قايد صالح عليه رضوان الله ورحماته منفردة بأسلوب وطريقة حضارية عظيمة.. ولو لم يتحقق إلا السلم الاجتماعي والاستقرار بعد أشهر عديدة من الحراك عالي الوتيرة لكان مجدا للعسكرية الجزائرية.. فحق للأمة ان تفتخر بالجزائر وان تهبها مهجة الفؤاد ومحض الحب والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لايعلمون.

كاتب فلسطيني

Print Friendly, PDF & Email

3 تعليقات

  1. رحمة الله عليه.مثل هؤلاءفقط بامكانهم اخراح العرب والمسلمىن كن تشرذمهم.

  2. الاستاذ الفاضل صلاح عوض تحياتنا إليك في مدي اهتمامك بإخوانك هم منك وأنت منهم كان الجمع الدم الواحد التاريخ والنضال الطويل ومصير مشترك في تشابك عرقي متين غير منفصم ولا منفصل علي مدي الدهور والازمان،لتاريخ ماض قريب كان حجلج الجزائر ولعد انهاء مناسكهم القدس وجهتهمن غّا ماعاد الحاج من حجه أول يسأله المهنئن ــ هل قدست ؟ ـ زيارة القدس القدس الشريف مسري رسول الله صلي الله عليه وسلم هو تاريخنا المقدس المجيد لاتبديل عنه ولا نحيد، فلسطين في كل قلب من أبناء الجزائر صغارا وكبارا في شوق غلأيها او كما قال نزار قباني ـ ياليلة الاسراء …. عيوننا ترحل كل يوم ـ
    لنعد إلي الحراك الشعبي ولإعطاء حقه الواجب من العناية والانبهار / الواجب في حق هذا الحراك ان يتحول اسمه الخالد إلي ــ الثورة الشعبية ــ التي انطلقت في 21 فبراير 2019 فكان لها الصدي علي المستويين الوطني والدولي لم ترق فيه قطرة دم واحد ونحن نقنرب من عام كامل بايامه واعوامه، هاهي البوادر الايجابية تبشر ببعض الانفراج في الآزمة الجزائرية ظلت هذه الازمة تتربع علي مجالات ومستويات متعددة سياسية اقتصادية اجتماعية ، لايكون حديث الساعة فيما سميت بالعشرة السوداء والحقيقة لمن عاشها واكتوي بنترها كنت تسمي العشرية الحمراء وما حصدت من أرواح بريئة مسالة هي الفظائع التي لازال شعبنا يتذكرها بحسرة ومرارة،تجاوز الشعب محنته العمياء وحدث مالم يكن في الحسبان ، فالعشرة تضاعفت واصبحت عشرين ، عشرون سنة من السلب والنهب واللاقانون سوي قان الغالب امامه المواطن المسكين المهوس المغلوب ،ومثلنا الشعبي هو المقياس في هذا الباب ( اشتا ايدير الميت في يد غسالوا) ماذا يفعل الميت في يد غاسله ..كنا ونحن علي طاولة الدرس نسمع من اساتذتنا، (قاـــــــــنون الغاب) فلم ندرك معناه وحقيقته إلي ان كان العيش فيه وممارسته علينا ،عشرون سنة او قل بداية من العهد البوتفليقي للشروع في غلآعداد للعهد الخامسة كا الشعب الجزائري تحت التضليل الذي لاوصف له ولا حدود، لحد ذهب واختفي ريح الدولة وكان لادولة مجموعات مافوية تتحكم في ارزاق البلاد توزعها فيما بينها ناهيك عن الاختلاسات التي لا حد لها حتي قال خبراء مختصون اقتصاديون ومسؤولو أحرار شرفاء البلاد علي شفا جرف من الانهيار والفشل في كل شيءن أصبح يضرب بنا المثل في تعدد الازنلت الاقتصادية ، أذكر بكل حسرة واعتصار قلب منفطروالبادرة هي الاولي فيما عرف بمجمع الخليفة كيف جمعت الآموال الطائلة من المواطنين العادين بطرق احتيالية أولا ثم كان الاتفات إلي الآموال العمومية بالقناطير وغريب الامر أن من اختلسوا وامتهنوا اللصوصية مسؤولون كبار في الدولة ” والذين دفعوا الثمن العالي من حبس وتجريم بالسنوات مجرد توابه صغار وحتي منهم الابرياء، لاننسي اثناء المحاكمة 2007 تحول اللصوص إلي شهود والشهود لصوص انقلبت الموازين والتاريخ لاينسي ولا يرحمـ كيف ننسي والوزير الاول الاسبق أحمد او يحيي يعقد ملتقي صحافيا يسمي مأساة الخليفة ـــ كارثة القرن ــ واذكر فيما أذكر سأله صحافي مادور الجموع الشعبية الذين أتلفت وسرقت أموالهم ، رد عليه في تهكم وكبرياء ، غن تظاهر الشعب فالآمن بالمرصاد ، والمعني انت معتدي عليك اخذ منك مالك إن احتججت او طالبت فالآمن وراءك يحقق معك كبحا لاحتجاجك، لاتنسوا ايها الاخوة ا، أفراد شعب متعددون أعرفهم المعرفة الكاملة ومن وضعوا أرصدتهم في المجمع وبعد الاعلان عن الكارثة أصيبوا بعد الاخر بالسكتات القلبية راحوا إلي رحمة الله يجملون غصصهم وما لحقهم، ( ومن يعمل سوء يجز به ولا يجد له وليا من دون الله ولا نصيرا)

  3. رحم الله القائد أحمد قايد صالح ، برحمته الواسعة وأسكنه فسيح جناته. فهذا القائد العظيم هو عينة من أبطال ثورة التحرير الجزائرية ، هذه الثورة العظيمة التي قام بها عظماء الجزائر ، هي التي تعلم فيها القائد أحمد قايد صالح كل أنواع البطولات و كل أنواع المجد ، و كل أنواع المحن والإحن. ففي الجبال الشامخات الشاهقات تعلم القايد صالح كل العلوم والدروس مقرونة بالأخلاق العالية و السامية ، حيث أدرك كل معاني البطولة والشهامة ، وكل معاني الرجولة والإباء ، فكان رجلا ليس كباقي الرجال ، وعظيما ليس كباقي العظماء ، وبطلا ليس كباقي الأبطال ، فتعالى وتسامى عن كل سفاسف الأمور ، وعن كل مغريات الحياة ، ولقن الأعداء قبل الأصدقاء معاني نكران الذات ، فكان طيلة مشواره العسكري ، متواضعا ، صبورا على كل المحن . واستطاع بصبره وجلده أن يصفع اللصوص والسراق والمحتالين ، ويردعهم ردعا بارعا فيه آلاف العبر و الدروس ، لمن يعتبر و يتعظ . فالقايد صالح تتلمذ في مدرسة ليست ككل المدارس ، فليس بها مقاعد و لا قاعات و لا مطاعم ، ولا منح ، فهي مدرسة الجبال الشامخات الشاهقات التي طلع منها صوت الأحرار مدويا تحيا الجزائر أبية شامخة كريمة مستقلة . فلك كل الشكر و التقدير أيها الكاتب على قول الحقيقة واضحة ساطعة .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here