صالح عوض: التصدي.. طابور خامس.. مهمات لتخريب أرواحنا

صالح عوض

في كل مواجهة يكون للعامل النفسي القدرة على تعديل موازين القوى ولعلنا الأمة الأكثر استيعابا للدرس ففي معاركنا العديدة التي كنا فيها الأقل عددا وعدة ولكن أكملنا نقصنا وحشدنا قوانا باليقين والروح المعنوية فانتصرنا بدءا ببدر وليس انتهاء بالجزائر.. وسنفتح بوابات الأقصى بالمعادلة نفسها.

وفي مراحل يتأخر النصر فيها أو يحدث اضطراب في جبهتنا او تظهر غلبة العدو المؤقتة ينتشر طابور خامس كأنه على موعد مع خطاب العدو في بث روح التراخي والهزيمة واللامبالاة ويصبح دور هذا الفريق أخطر ما يواجه كفاح الشعب والأمة و نحن نواجه هذا الطابور في كل مجالات الحياة..

 هناك فئة من الناس ارتضت لنفسها دور التشكيك في كل شيء ولا تريها عينها إلا القبيح وتشيح بوجهها عن كل ما هو ايجابي.. هذه الفئة دائمة التشكيك في كل فعل خير وفي كل توجه إصلاحي ولا ترى مهمة لها إلا هذه، تأتي خطورة هذه الفئة كون معظمها من صنف المثقفين والمتعلمين وحملة الشهادات العلمية، ويزداد عنف التشكيك في لحظات مفصلية في تاريخ الشعب والأمة ويزداد كذلك ان فقد بعضها مواقع التسلط والاستنفاع المادي وتصبح الأنانية والمصلحة الفردية او المصلحة الفئوية طاحونة لكل المشاعر الايجابية..

انه حزب الفشل والإفشال، يتحرك متسربا بين شقوق المجتمع يجد نفسه في الإعلاميين والأدباء والمفكرين والمثقفين وبعض السياسيين هؤلاء يجعلون من التجريح والتتفيه والتبخيس سلاحا لا بديل عنه في حديثهم عن المجتمع والأمة ومستقبلها.. وخطورة هذا انه ياتي في ظل استمرار المعارك مع المستعمرين المتربصين بمواطن الخير في بلادنا.

عقيدة عدوانية:

الهدف من الحرب العسكرية تحقيق الهزيمة بالخصم، أما الحرب النفسية فهدفها تحقيق انهزام الخصم.. في الحالة الأولى تكون الهزيمة مؤقتة، وفي الثانية تكون محققة.. إنّ الحرب النفسية هي “حرب العصر”، وهدفها تكريس قناعات وتوجيه السلوك وهي تحقق النصر بأقل تكلفة ولذا فقد أصبح تطورها مضطردا لترافق بفاعلية الحرب وتستمر بعدها لتكريس ما تحقق أثناءها..

  لقد كانت الحرب النفسية مرافق لكل الحروب التاريخية السابقة  لكن المصطلح عرف وتم توصيفه على يد الأمريكي لينبارجر سنة 1954 حيث يكون عبارة عن الاستخدام المنظم للدعاية والتدابير الإعلامية بهدف التأثير في البلدان المعادية لتحقيق الأهداف السياسية و العسكرية، وانشغل الأمريكان في تطوير المصطلح وتوفير مفرداته لتصبح الحرب النفسية مادة أساسية للبحث والتفعيل، ويمكن القول أنها عملية شاملة ترافق المخطط المعادي في أوقات السلم او الحرب وذلك للتأثير في الخصم وتهديم قناعاته او تشكيكه فيها وإحلال أخرى في مكانها تتماشى مع مصالح الطرف الذي يشن الحملة.

لعلنا نتفق أن الحرب على أمتنا لم تتوقف.. ولاتزال جيوش الاستعماريين تنصب مدافعها على أبواب عواصمنا في أكثر من مكان في دمشق وبغداد والقدس واليمن، وهناك من الخطط ما يستهدف عواصم أخرى مغربا ومشرقا.. ولكن الحرب المعاصرة استفادت من شتى العلوم الإنسانية لتحقيق انتصارات ساحقة، وطورت في هذا الصعيد أنواع الحروب وأدواتها وأصبحت الحرب النفسية ونتائجها أبرز ما في الحروب الحالية..

 ان الحرب النفسية مفهوم اجتماعي حيوي وصحيح أنها لا تستخدم الرصاص لكن لها من الفعالية ما قد يفوق حرب الرصاص والصواريخ.. بل ان نيران الحرب وسيلة تهدف لتحقيق النصر في الحرب النفسية لأن لا هزيمة بالمعنى الحقيقي إلا إذا تحققت الهزيمة النفسية.

ولقد تطورت أساليب القوى الشريرة في حروبها فجعلت من الصدمة و كثافة النيران وإفقاد الإحساس بالأمان وضرب مفاصل الحياة بكثافة كما فعلت الجيوش الأمريكية في العراق 2003 وكما فعلت العصابات الصهيونية في فلسطين قبل 1948 وكما فعلت القوات الصهيونية في غزة الحروب الثلاثة 2009 و2012 و2014.. وكما فعلت قوات الاستعمار الفرنسي بالجزائر لاسيما في السنوات الأخيرة 1954-1962 من عمره من خلال مذبحة جماعية للشعب ذهب ضحيتها عشر الشعب الجزائري.

وفي هذه الحرب اتضحت معالم العقيدة العسكرية العدوانية التي تعتمد على ضراوة العنف والأرض المحروقة ونقل المعركة دوما في أرض الخصم والضربات الصاعقة وإفقاد الخصم القدرة على التجمع وإعادة التموضع وإظهار قدر كبير من التفلت من القانون الدولي والتقاليد العسكرية المنصوص عليها في القانون الدولي.

وهذا ما شاهده العالم عندما شنت أمريكا الحرب على أفغانستان والعراق او عندما تشن القوات الصهيونية الحرب على الشعب الفلسطيني واللبناني فهي تفعل ذلك على أرضية من التدقيق والاستفادة في عدة فروع من العلوم البحثية في علم النفس وعلم الاجتماع النفسي والجوانب الاقتصادية والقيمية والعرفية لتأتي الضربات في مفاصل المجتمع.. لينشأ بعد ذلك وقائع بنت للهزيمة بأخلاقها وقيمها فتسري أفكار جديدة لإعادة تشكيل المنظومة القيمية والمعرفية وإعادة تشكيل للمجتمع وطبقاته.

ومن الضروري أن لا نغفل عن أنواع الحروب الأخرى المادية لاسيما على صعيد الاقتصاد بما فيه من تجارة وزراعة وصناعة والعلوم البحثية والتكنولوجية.. حيث نرصد عشرات السنين من التراجع والتدمير لاقتصاد الدولة العربية وتحقق الهزيمة تلو الهزيمة لبرامجنا الخمسية والعشرية، فلقد شهدت كل بلداننا العربية الرئيسية بدايات نهضة علمية وصناعية وزراعية إلا إننا انتهينا الآن لنكون أكثر دول العالم استيرادا للمواد الغذائية ولمنتوجات الملابس والمحركات والسيارات وقد أصبحت جامعاتنا في ذيل جامعات العالم لا علاقة لها ببرامج التنمية ولا بتوظيفها في خطط إستراتيجية للنهوض بالبلد هذا فضلا عن التلاعب والعبث بأسعار ثروات الأمة في النفط والغاز والمعادن.. إنها حرب لها أدواتها شنها الخصم الحضاري بمخططات ومشاريع لنزف الدولة العربية ودفعها لهدر طاقتها في غير الاتجاه الصحيح.

ومع آلة الحرب المتنوعة المدروسة آثارها تنتظم المؤسسات الإعلامية للتضليل والإيقاع في النفس الهزيمة المعنوية والسياسية بالدعاية والإشاعة وتضخ هذه المؤسسات ما يتم تزويدها به من مختبرات التحليل والدراسات ومراكز المستشرقين

الطابور الخامس:

شهد تاريخنا كما هو التاريخ البشري ظاهرة معقدة وخطيرة للغاية إنها ظاهرة تشكل فئة في المجتمع تختبئ في الزوايا وتساير المجتمع في حركيته لكنها تبدأ في التململ بمجرد حدوث المواجهة مع تحد ما، وليس فقط تحت عناوين فهمنا السطحي في تفسير إشارات القرآن الكريم “المثبطون،المرجفون، والسماعون لهم، الخوالف، أهل الفتنة، ومرضى القلوب” إنما بتوسيع المفهوم وإنزاله على ما يتم من مشاريع ضخمة.

كان مرض النفوس وعجزها بشكله البدائي هو المحرك لفئة المرجفين في أوساط المجتمع الإسلامي الأول في المدينة المنورة وكاد هذا الطابور إن يحقق أهدافه في أكثر من مرة كلما شعر بان المجتمع الإسلامي يواجه تحديا خطيرا.. وكادت فعالية هذا الطابور ان تعصف بالمجتمع الوليد.. ولكن توجيهات القرآن الكريم وتحذيراته وحركية الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كانتا بالمرصاد لكل اختراق معنوي بفضحه وتبديد منطقه وحشد كل القوة لتجاوزه.

لقد نجحت الأمة في انطلاقتها عندما أدركت قيادتها إن منطق القوة المعنوية هو أساس الانتصار وان أي عملية لتوهين العزائم إنما هي من فعل الشيطان فلقد قال الرسول صلى عليه وسلم: “من قال هلك الناس فهو أهلكُهم”.. ولقد وجد المنافقون المرجفون في المدينة قوة مرجعية لخطابهم يكمن في المتضررين اقتصاديا من حضور الاقتصاد الإسلامي غير  الربوي والمتضررين على صعيد الزعامة الاجتماعية من حضور النسيج الاجتماعي الجديد.

وظيفة الطابور الخامس محددة وواضحة، وهي إضعاف الروح المعنوية للشعب وإفقاد الناس الأمل في الغد والتشكيك في كل شيء والتحرك بروح النقد غير المسئول وغير العلمي.. والطابور الخامس اليوم اخطر منه في المراحل السابقة فهو ينتشر في الإعلاميين والصحفيين والكتاب والمفكرين والأدباء ويتواجد في طبقات عديدة أخرى..

الطابور الخامس اليوم له مرجعية ثقافية وعلمية في مؤسسات الإعلام الغربي والتابع لها ومؤسسات الإعلام المنتشرة في بلادنا العربية الممولة من جهات معادية.. وهذا الفيلق يقوم بدور خطير لتفتيت الروح المعنوية ليسهل بعد ذلك توجيه الضربة للمجتمع وإفقاده الثقة بنفسه واليقين بمستقبله. ومن مهماته أن يفتح معارك في المجتمع ثانوية، لصرفه عن نهضته وعن بناء مستقبله.

وليس كل المخربين للروح المعنوية مرتبطين بأجهزة معادية أو أجندات تخريب فبعض هؤلاء تحركهم دوافع أنانية محدودة وهناك من الصحف والمجلات والفضائيات ما يبدو وكأنه متخصص في التشنيع بالمجتمع وإظهار معايبه وتحت سطوة الإثارة، بل لعل بعض وسائل الإعلام هذه يغضبها أن تفقد خبر الإثارة المأساوي على صعيد أخلاقي او سياسي آو اقتصادي فتذهب لاختلاقه تتمتع بنشر الرذيلة وإفشاء قلة الحياء في المجتمع وفوضى الصراع القادم من اتجاهات عديدة يغريها ان تجد توزيعها له مردود مادي معتبر.

المسئولية والإعلام:

هكذا نرى ان الطابور الخامس يعشش في أوساط الثقافة اللامسؤولة كما يقول الرسول صلى الله عليه واله وسلم: “اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع” ويقول: “من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو يصمت” ويقول: ” بشروا ولا تنفروا”..لعلنا لا نبتعد عن الحقيقة إن قلنا ان الإعلام اخطر وسيلة في معركة الوجود التي نخوضها، وهو حتى الآن لم يتحرر من النظرة الهجينة المسكونة بمعايير تغريبية او انه في شقه الآخر يعاني البطء والمحدودية.

والإعلام في المجتمعات المسئولة والتي تتحرك بخطط حقيقية نحو التقدم والنماء، مرتبط بالفن والفكر، على حد سواء في علاقة متينة، فوسائل الإعلام هي قناة مراكز البحث والتحليل التي تتحلى بمسئولية عليا لتفريغ الرواية في وسائل فنية.

ويتحرك الإعلام في البلدان المسئولة بجدية والتزام في إطار فلسفة الدولة ومشروعها ويبتعد تماما عن الخطوط الحمراء المعروفة لدى الجميع، فحرية الصحافة والرأي في المجتمعات المسئولة لا يعني انه يتصدى لاي مسلمة من مسلمات الموقف السياسي والحضاري وان حاول فان التضييق والسجن سيكونان العقاب، والإعلام في هذه الحالة هو قوة ضغط كبيرة تحقق من خلاله الدول المسئولة أهدافا كبيرة دون أي خسارة مادية.

من المفترض ان يدرك الإعلاميون في مجتمعاتنا أن أهم مقاصد الإعلام في هذه المرحلة في بلداننا التبشير بمستقبل أفضل والإشارة إلى مرتكزات النهضة والسير مع الناس نحو مرحلة أكثر مسئولية، والعمل على تعزيز الانتماء الحضاري والوطني والقومي..

ولعلنا هنا نجد أنفسنا مجبرين على الإشارة لصحف ومجلات سابقة مثل البصائر والشهاب في الجزائر والعربي في الكويت وسواهما وما كان لهما من أثر ودور في بناء الشخصية المثقفة والمتعلمة ولعلنا في واقعنا هذا نجد بصعوبة ان هناك صحفا ومجلات تسهم في بناء الشخصية وتزود الناس باليقين وتحمي المجتمع من التفسخ.

نحن الآن نواجه تحديات عديدة من كورونا وانهيار الخليج العربي و الحروب عن اليمين والشمال إننا بحاجة قوية لمن يجمع الشمل ويبث الروح المعنوية وليكن واضحا أن هذا ليس مهمة الدولة فقط، بل هو مسئولية تاريخية تلقى على الفئة المثقفة وهي مسئولية كبيرة وضرورية.

كلمة:

لن نستطيع التحرك قدما ما لم نضع حدا لمنطق الهزيمة وهنا لابد  أن تتقدم طلائع الوعي من إعلاميين ومفكرين ومتخصصين لنشر روايتنا في النهضة والوحدة وفلسطين.. فالإعلام ركن أساس في نهضتنا وإن فشلنا في توظيفه يكون فشلنا العام فشلا ماحقا.. كما أن النصر فيه نصر يحقق انتصارات أكثر مما نتوقع في مجالات عديدة.. ومن حسن حظنا ان جعل الله التفاؤل عبادة وقربى الى الله وان جعل الارجاف والتشكك وعدم اليقين دربا من دروب الشيطان وهكذا نكون قد قعدنا للخطاب منهجا واطارا يرتفع بالهمم ويتصدى للمثبطين الميئسين ويدعو للفعل الايجابي ولا يحتقرن من المعروف شيئا.. كما تصبح المسئولية جماعية لإبراز قيمة الرأي والتحليل والدراسة لعلنا نرتقي الى مستوى انطلاقنا الحضاري والله غالب على أمره.

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

5 تعليقات

  1. تحية وتقدير وشكرا على هذا المقال الرائع : لما رحل عقبة بن نافع الى مدينة تيارت ( تيهرت) في الجزائر ، بلغ الروم خبره فاستعانوا بالبربر فوقف عقبة وخاطب جيشه : انتم ما وطئتم هذه البلاد الا ابتغاء مرضاة الله . ( اي نشر الاسلام ) . فالتحم القتال ولم يكن للروم بقتالهم من طاقة ففر جميع الروم عن المدينة ( تيارت) .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here