صالح بن الهوري: المياه بالمغرب وفرة أم شح؟

 

 

صالح بن الهوري

أكد التراث المنقوش أن الماء مادة ضرورية للحياة، و أشارت الكتابات المنقوشة (inscriptions) و التي تعد مصدرا أثريا مهما بالنسبة للتاريخ الاجتماعي و الديني للمغرب القديم، أن سكانه الأقدمون كانوا يقدسون الماء و يقدمون هدايا للألهة ، و أوردت نقائش أخرى طريقة بنائهم للقنوات المائية و للنافورات و عملية تزويد المدن بالماء.

و أشارت بعض الوثائق إلى استعماله في المنفعة العامة وتوظفه من طرف القبائل المتحاربة في صراعاتها بغية السيطرة و الحكم، وانتصرت قبائل على خصومها بعد أن  أحسنت  توظيف عامل الماء في حروبها، بحرمانهم  منه أحيانا أو بتسميمه أحيانا أخرى، مما أدى إلى إصابتهم بأمراض خطيرة و أوبئة فتاكة.

و عرف البلد تقنيات استخراج المياه الباطنية من مناجم الفضة في الفترة الوسطية، كما عرف بعض المسائل المرتبطة بالتقنية و التنظيم في القرنين 17 و 18 واستراتيجية استغلال الماء في فترة الحماية.

و تناولت الكتابات القديمة والوثائق المحلية وسجلات الأملاك المحبسية و مخطوطات النوازل و الأشعار و الأرشيف الفرنسي الثروة المائية المغربية بإسهاب شديد. اليوم، هل الثروة المائية بالمغربية بخير؟ أم أنها مهددة بالشح و النضوب؟

الماء و التاريخ.

لعب الماء دورا محوريا مهما في حياة الإنسان الرماني و المحلي في شمال إفريقيا في التاريخ القديم، و يرجع تقديس المياه إلى فترات عريقة موغلة ضاربة في أعماق التاريخ.

حظي الماء بتقديس من قبل الأهالي و الرمان، حيث قدمت هدايا للألهة التي ترمز إليه كالإله نبتون و الحوريات، و أشارت النقائش إلى أن الماء كان محط تقديس داخل الحمامات المتصفة بخاصية المعالجة و الاستشفاء.

احتل اليونانيون مكانة هامة في هذا المضمار، حيث قدسوا المياه سواء كانت ساخنة أو باردة، وعبروا عن تقديسهم لها من خلال تقديمهم للهدايا و القرابين للألهة و خاصة الإله بوسيدون ( نبتون الروماني) و الحوريات (nymphae)  و ربة النافورة (fons) .

و سار الرومان على نهجهم في تقديس نفس الألهة المرتبطة بالمياه، و أطلقوا عليها أسماء تتطابق مع حضارتهم.

و أكدت النقائش أن الماء ارتبط بعدد من القضايا في الفترة القديمة، من قبيل معرفة طرق تزويد المدن بالمياه سواء للشرب أو الاستحمام، هذا علاوة عن المشاكل التي تعترض التزود بالماء سواء على المستوى المادي أو القانوني.

أشار هيرودت أن قمم الأطلس تكسوها الثلوج صيفا و شتاء وتخيم عليها السحب.

        و ظف الدكاليون سلاح الماء في حربهم مع الوطاسيين و قاموا بردم عدة أبار و تسميمها لمنع جنود السلطان الوطاسي من استعمالها، و التضيق عليهم، مما كان له أثر واضح على تراجع الوطاسيين عن المنطقة.

أفرد الونشريسي في مجموعته المتنوعة و المستقية لأقوال المتقدمين في كافة المسائل المطروحة للفتوى نحو مائة و تسعة عشر نازلة فقهية تتعلق بقضايا الماء، ضمتها الأجزاء التالية من كتب النوازل المعروفة. ( الخامس، و السابع، و الثامن، و التاسع، و العاشر)

الرواية الرسمية.

        تقول وزارة الفلاحة في استراتيجيتها من أجل اقتصاد الماء، أنه من أجل مواجهة الظروف الصعبة للموارد المائية أضحى اقتصاد الماء من الأولويات في السياسة المائية الجديدة بالمغرب.

 لذا تم وضع استراتيجية لاقتصاد الماء وتثمينة في الفلاحة السقوية، وهي سياسة تعتبر الرفع من المدخول الفلاحي شرطا أساسيا لنجاحها، وتعتمد على تطوير خدمات السقي وتقوية ملائمة نظام التمويل والتشجيع لاقتصاد الماء وتطوير جميع أوجه دعم القطاع الفلاحي من تنظيم و شراكة وعقد الزراعة، هذا فضلا عن تقريب سياسة الإرشاد في مجال تصور أنظمة السقي المقتصدة للماء ودعم تطوير الإنتاجية.

        خيارات تسعى إلى تكريس تدبير يحافظ على الموارد المحدودة و يضمن استدامتها، كما يضمن استمرارية الفلاحة السقوية و يقوي دورها الاستراتيجي في الأمن الغذائي للبلاد.

أرقام.

ساهمت الزراعة السقوية ب 70 في المائة من القيمة المضافة، خلال الموسم الفلاحي 1994-1995 الذي شهد قحطا و جفافا تأثرت بسببه الإنتاج  بالمناطق البورية، و تستغل الفلاحة السقوية 15 في المائة من المساحات المزروعة وتساهم بحوالي 45 في المائة من معدل القيمة المضافة الفلاحية و 75 من معدل القيمة المضافة، حسب ما ورد في موقع وزارة الفلاحة، نافذة الموارد المائية، السقي بالمغرب.

وأردف الموقع أن” الفلاحة السقوية تم تكريسها كمكون أساسي في الاقتصاد الوطني و الجهوي باعتبارها رافعة لإنتاج الثروات وخلق فرص العمل”.

        يساهم القطاع السقوي بخلق ما يناهز 120 مليون يوم عمل بالسنة، أي حوالي مليون و 65 ألف فرصة عمل منها 250 ألف فرصة عمل دائمة.

كما يساهم بما معدله 99 في المائة من إنتاج السكر و 82 في المائة من الخضروات و 100 في المائة من الحوامض و 75 في المائة من الأعلاف و 75 في المائة من الحليب.

و يخلص الموقع إلى أنه بفضل السقي، تم تحسين مداخيل الفلاحين التي تضاعفت ب5 إلى 13 مرة حسب المجالات، كما تم فك العزلة عن الفلاحين بولوجهم إلى خدمات عامة جماعية كالماء الصالح للشرب و الكهرباء، إضافة إلى النتائج الهامة للأشغال العمومية و الصناعات و الخدمات التي انعكست لاحقا على قطاع الصناعات الغذائية.

الماء و الخرافة.

يعد الماء قواما للحياة وأساسا للحضارة ويحضر في المخيلة الشعبية و التصور الفلسفي والميتولوجي للبشرية. و يتجلى البعد اللامادي له في الحكايات والأشعار و الأمثال التي تحفظها الرواية الشفوية و الذاكرة الجماعية بالمغرب العميق، تعد أنظمة السقي بالمغرب العميق ثقافة عريقة ضاربة في عمق التراث الإنساني اليومي.

يرجع المؤمنون بالفكر الأسطوري الخرافي سبب الجفاف إلى “الخطايا” التي يقترفها البشر، ويقدمون تفسيرا دينيا شعبيا لتعليل ادعائهم وينفون أن يكون السبب راجعا للتغيرات المناخية.

ينطلق الخرافيون من منظور غيبي لتصورهم لأزمة ندرة المياه وانحباس الأمطار، ويعتبرون الأمر تجسيدا لغضب القوى الخفية على البشر، بفعل شيوع ما يعتبرونه”بدعا شنيعة ومنكرا”. في المجتمع الخرافي تعتبر حرية الضمير والمعتقد والحريات الفردية والمساواة بين الرجال والنساء، “منكرا”.

ويقول المؤمنون بالخرافة بأنه لابد من التضرع إلى القوى الخفية لترضى عن البشر وترسل عليهم السماء مدرارا. كيف؟ بزيارة الأضرحة و المزارات ودور العبادة والابتهال والتضرع إلى القوى الغيبية وطلب الصفح والعفو والغفران.

يرجع الخرافيون انحباس المطر إلى مظاهر التقدم و الحداثة والحريات، لا إلى التغيرات المناخية، ويعتبرونها ظاهرة غيبية بامتياز. ويعدونها عقابا سماويا سلطته القوى الغيبية على البشر بسبب ارتكابهم للمعاصي و الأثام. لذا وجب القيام بجملة من الطقوس لرفع غضب القوى التي لا تراها العين المجردة.

 يعد هذا التفكير الخرافي من أثر ثقافة الاتكال و الانبطاح، الذي سببه شيوع فلسفة حكم الأموات للأحياء، وهذا ما يحفل به الوعي الشعبي الأسطوري بالبلد.

        يقدم المؤمنون بالفطرة لا بالعلم والدراسة و البحث، من الذين يؤدون الطقوس الدينية دون فهم معنها، و يستشهدون بأقوال مأثورة دون أن يدركوا كنهها ويستدلوا بأشعار دون أن يفقهوا مغزاها، تصورا غيبيا لتفسير ظاهرة زحف الرمال والانجراف و التصحر و الجفاف و القحط.

يعللون مزاعمهم بأن سبب القحط هو تنظيم المهرجانات التي تنشر” الميوعة و التفسخ و الانحلال الأخلاقي”، ويستثنون المواسم الخرافية التي تكرس ثقافة الجهل والخنوع و التسول.

        اليوم، يؤمن معظم المغاربة بأن سبب انحباس المطر هو “المنكر” لا التغيرات المناخية، ومنهم محدثي الذي يعمل مياوما ويعيش من خلال الاقتصاد الغير مهيكل. يزعم أن كل شيء موجود في ديانة الصالحة لكل زمان ومكان، ويستشهد بأقوال مأثورة دون أن يدري كنهها.

        يجهل محاوري أن هناك أوجها للتشابه بين معتقده و الديانات القديمة، مثلا صفات الملائكة في الديانة الإسلامية هي نفس صفات الآلهة المصرية الدنيا، حسب ما ذكر والاس بدج في كتابه آلهة المصريين.

        هنا لا فرق بين العامة مثل محدثي و “مشاهب البلاد” و المراد بهم هنا “النخبة” من الدكاترة و المتعلمون و أشباه المثقفون، الذين يؤمنون بالخرافة والطب البديل الغير مؤكد علميا. وحتى اليساريون و الرديكاليون الذين يعتقدون بوجود حيوانات أكبر من الحمار و أصغر من البغل، تطير في السماء مثل الحيوانات المذكورة في الأساطير القديمة؟

يبدو أن النخبة الجديدة كسولة لا تطالع و لا تناقش و لا تفهم الظواهر الاجتماعية فهما عميقا.

        حصل أشباه “العلماء” الجدد على الشواهد العليا عبر الوساطات و الرشوة و العلاقات المشبوهة. هم اليوم عاجزون عن كتابة مقال علمي أكاديمي واحد خلال حول من الزمن، فما بالك بتأليف كتاب.

        يغلب السلوك القروي على السلوك الحضري بالنسبة لنمط عيش وتفكير هذه النخبة الوهمية. لا فرق بين عقلية الكهول الطاعنون في السن و لا عقلية الدكاترة الشباب. إنهم نسخ طبق الأصل عنهم،  سواءا من حيث الأفكار وحتى نمط العيش.

تزوجوا في سن مبكر للإكثار من النسل لرفع رقم الجماعة المؤمنة، وأعادوا إنتاج نفس ثقافة أجدادهم. لذا يصعب تطوير وتحديث هكذا مجتمعات. لذا يسهل حكمهم وقيادتهم وتوجيههم. يؤمن معظمهم بالعصبية و القبلية أسسوا جمعيات مبنية على أساس الدم و العرق  واللون.

ثقافتهم دينية شعبية قدرية استسلامية انبطاحية تمتح من قاموس الأضرحة و المزارات. لذا يعتبرون انحباس المطر ظاهر غيبية لا علاقة لها بالتغيرات المناخية . يبدو أن البلد بلد شبه حداثي وشبه ديني حسب ما يظهر من أفكار النخبة المزيفة.

المخيال الشعبي والجفاف.

عزى المخيال الشعبي التاريخي سبب الجفاف وشح الأمطار إلى انتشار البدع وفساد الأخلاق و جور السلاطين. يعزل “أمغار” فورا إن حلت على القبيلة نائبة أو مصائب تترى، لأنه فال نحس، حسب اعتقاد المخيلة الشعبية المهيمنة على عقلية المجتمع المغربي الخرافي.

أشار المؤرخ الناصري في الاستقصا إلى أن جور السلاطين سببا مباشرا للجفاف. وساد اعتقاد مفاده أنه إذا فرضت ضرائب غير شرعية انحبس المطر.

يورد بوجندار رواية اسقاط السلطان الحسن الأول للمكس، فنزل مطر غزير فورا. ويردف” والحمد لله ببركة طهارة الله لعباده من نجاسة المكوس بعدما كان الناس في وقفة عظيمة من قلة الأمطار”.

يبدو أن القوى الخفية ترضى وترسل الأمطار مدرارا بعيد جفاف طويل عندما تسقط الضرائب المفروضة على كاهل الشعب بقوة السيف.

        اعتبر بعض المؤمنون بهكذا فكر خرافي، أن التعامل مع النصارى يسبب القحط والجفاف و المصائب التي عمت البلد. ودعا إلى قطع العلاقات معهم. كان هذا الاعتقاد سائدا إبان النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي.

  وجهت للسلاطين تهمة التسبب في شح الأمطار بسبب ظلمهم و جورهم، وورد في بيعة أهل فاس للسلطان عبد الله بن اسماعيل” أن الله جعل الجور هلاكا للحرث والماشية والبلاد”.

كان للفقهاء و السلاطين تصور موحد يربط بين انتشار “المناكر” ونزول المصائب. و ورد في وثيقة تاريخية أن ” الجوع..قاهر بالسطوة الإلهية وإن كنا مستحقين لجميع ما يحل بنا لما نحن عليه من العصيان والمخالفة”.

        و ورد في مرسوم للسلطان سليمان” إن البدع و المناكر إذا فشت في قوم أحاط بهم سوء كسبهم، و أظلهم ما بينهم وبين ربهم، وانقطعت عنهم الرحمات، ووقعت العلات، وشحت السماء، وسبحت النقماء، وغيض الماء، واستولت الأعداء، وانتشر الداء، وجفت الضروع، ونقصت بركة الزروع لأن سوء الأدب مع الله يفتح أبواب الشدائد ويسد طرائق المنافذ”.

        استقر رأي ذو السلطة و النفوذ زمنئذ على أن الجفاف عقاب سماوي بسبب شيوع المعصية وعدم رجوع الرعايا عن غيهم. ورد في رسالة السلطان عبد الرحمان” ومع شيوع هذه الحوادث الفظيعة والبدع الشنيعة فلا غرابة في حبس الأمطار وارتفاع الأسعار واستيلاء العدو الكافر على كثير من الأقطار”.

و كتب السلطان الحسن الأول في رسالة موجهة إلى القائد محمد بن حم التمسماني، 3 شعبان 1300 الموافق ل 9 يونيو 1883 م ” وما سلط الله القحط على قوم إلا لتمردهم”.

        نخلص إذن، أن المنظور التقليدي الخرافي ينطلق من مرجعية غيبية في تصوره للجفاف ويعده عقابا من قوى خفية، ولحصول انفراج لابد من إرضائها والقيام بجملة من الطقوس، من بينها الإكثار من التضرع و البكاء في قباب الأضرحة و دور العبادة وفعل الخير لرفع الكوارث الطبيعية التي تسبب فيها التغيرات المناخية.

الاستمطار قديما.

يصوم المؤمنون ثلاثة أيام قبل القيام بطقس الاستمطار ويطوفون بأضرحة الأولياء الأموات منذ ألوف السنين، ويتبركون بالمزارات. بعيد ذلك تخرج العامة و الخاصة في موكب مهيب خاشعين مبتهلين صائحين، مرددين دعاء الغيث وقارئين اللطيف. وممارسين شعائر غريبة و معتقدات موغلة في القدم ضاربة في أعماق التاريخ، يرجح أنها وثنية.

يقول الخرافيون أنه لابد من ترأس من يعرف بأنه “ولي فالح تقي صالح” لطقس الاستمطار لتلافي غضب القوى الخفية واستدرار عطفها لترسل شأبيب الرحمة المتجلية في أمطار الخير.

كان هذا في الأزمنة الغابرة، لكن هناك من يردد مثل هذا الكلام اليوم، غير أنه يجابه بأسئلة مزعجة من قبيل من هو الولي الصالح؟ وهل من دليل قاطع على فلاحه؟. يصعب اليوم معرفو الأولياء الصالحون من أولياء السوء، لغياب مؤسسات علمية أكاديمية مشهود لها بالنزاهة تمنح شهادة الولاية و الصلاح والفلاح و الشرف.

في كتابه الشهير فاس قبل الحماية ذكر روجي لوطورنو” ولما ضاق الحال بالمسلمين وحبس المطر وخيف على الزرع، اجتمعوا و جأووا إلى الشيخ سيدي محمد رضي الله عنه، وقالوا له: ” أردنا أن نستسقي وأردنا أن تخرج معنا، فقال لهم: ” على بركة الله. فخرجوا حتى إذا كانوا بباب الفتوح توجه الشيخ – رضي الله عنه- لزيارة الشيخ سيدي الحاج بودهم، وكان يكثر من زيارته، حتى إذا بلغ ضريحه التفت إلى أصحابه وقال: أعطوني أشرب. فأسقوه بقلة فشرب منها ورمى بها إلى السماء، فرجع الشيخ ورجعوا، وبات المطر الكثير في تلك الليلة”.

إثر جفاف عام 1850 م ، ذكر نائب قنصل فرنسا بالرباط أن  قاضي المدينة كان يخرج في كل يوم ليقود الجموع، و هو حافي القدمين، و القرآن على رأسه، متوسلا لدى أولياء المدينة ليتشفعوا لدى العلي القدير حتى ينزل المطر”.

 يظهر أن الأولياء المغاربة الأموات فاعلون رغم موتهم ولازالوا، حسب الاعتقاد الشعبي الخرافي. فهاكم دليلا على أنهم فاعلون.

أورد روجي لوطورنو في كتابه فاس قبل الحماية، ما ذكره الفقيه مفضل أفيلال في كناشيه:” أنه لما وقع القحط بتطوان عام 1274 و في رمضان منه ( أبريل 1858 م )، خرج أهل تطوان يستسقون خارج البلد ولهم ضجيج وصياح يطوفون بضرائح الأولياء ومعهم القاضي والطلبة والأعيان، وكلهم وافقوا على مخالفة سنة الاستسقاء وارتكبوا البدع، فنزل عليهم مطر يسير كاد أن يبل ثيابهم”.

  لاحظوا ومعهم القاضي. رغم مخالفتهم لسنة الاستسقاء وارتكابهم للبدع نزل عليهم المطر مدرار بفضل تدخل الأولياء. يظهر أن للأولياء الأموات سلطانا و جاها رغم موتهم مذ ألوف السنين.

كان المغاربة اليهود يقومون بجملة من الشعائر والطقوس للاستسقاء من قبيل: الصوم و إقامة الابتهالات في سائر البيع، والخروج إلى المقابر للتبرك بالصلحاء و الشفعاء. هذا فضلا عن القيام بعادات شعبية محلية ومنها أن يهود صفرو كانوا يقصدون زمن القحط ضريح الولي الصالح “يسحق مول لمهيل” وبصحبتهم خرقة بدم الختان، ينشرونها على شاهدة كبيرة، مرددين المزامير و الابتهالات استنزالا للمطر، حسب ما ذكر حاييم الزعفراني في كتابه ألف سنة من حياة اليهود بالمغرب. وأردف أن اليهود كانوا يقومون بطلب الغيث. وتسمى صلاة الاستسقاء عندهم”يقون هكشيم”. وتقام في نفس الوقت الذي تنظم صلاة الاستسقاء من طرف المسلمين، وتصاحب هي الأخرى بطقوس وشعائر دينية حددتها المعتقدات كالصوم و إقامة الابتهلات  في سائر معابد الملاح، ثم الخروج إلى المقابر للتبرك بالصلحاء الشفعاء. يظهر أن المغاربة اليهود والمغاربة المسلمون كانوا و لازالوا يتحدون في طلب الاستمطار.

تزعم السلطان إسماعيل موكبا لطلب الغيث بيدا أن طلبه خاب ولم تهطل الأمطار حسب ما سجله مولييت. وتذكر الحكاية التاريخية ما يلي:

خرج السلطان إسماعيل يوم 17 مارس 1680 حاسر الرأس، حافي القدمين، في مذلة خلقه، مصحوبا بسائر حاشية ملكه و الجم الغفير من رعيته”. وبعد إقامة الصلاة بهذا الجمع الغفير، زار السلطان سائر مساجد المدينة، و استغرق ذلك يوما كاملا، ثم بعد عودته إلى قصره” أصدر أمره لسائر المسيحيين بإيالته بتنكيس سائر الأصنام التي بكنائسهم ومحال عبادتهم وتعظيم أرباب الزوايا و أهل الصلاح المشهورين بالاستقامة”. وحسب مولييت فإن السماء لم تجد مع ذلك بأمطارها.

ومن الخوارق والأساطير يورد ابن زيدان في الاتحاف أن السلطان عبد الرحمان خرج في آخر جمادى الأولى 1273 ه الموافق ل 26 يناير 1857 م للاستسقاء” حيث اشتد الحال من حبس الأمطار ومعه أهل المدينة ودعا نصره الله وما رجعوا حتى استجاب الله دعاءه و فرج سبحانه على المسلمين”.

ومن الرويات الشفوية التاريخية ذات الطابع الغرائبي والعجائبي نورد هنا الرواية التاريخية عن طقس الاستمطار” لما اشتد الجفاف في إحدى السنوات بناحية فاس، وأقام الناس صلوات الاستسقاء مرارا بدون جدوى، تدخل علماء المدينة وكبار الحاشية لدى السلطان الذي وافق على ترأس صلاة الاستسقاء. وتردف الرواية وفي اليوم الموعود، سدت الحوانيت، وتوقف الناس عن العمل، وخرج السلطان عبد الرحمان على رأس أعيان فاس وكبار الحاشية وجمهور العلماء. وبينما كان الموكب يشق طريقه إذا بالسلطان يرى خماسا يحرث حقلا لسيده، فتوقف في الحين، وتقدم نحوه، وأخذ المحراث من يده وشق ثلاثة أخاديد، ثم عاد إلى موكبه وهو يستدر رحمة السماء. في الحين، هبت عاصفة، وتساقطت الأمطار، واسترسلت ثلاثة أشهر، أي بعدد الأخاديد التي شقها السلطان”.

 إن هذا لأمر عجاب !  لو خط السلطان 12 أخدودا لاستمر هطول الأمطار لحول كامل، و  لو خط 1200 أخدودا لهطلت الأمطار لقرن من الزمن.

البطيخ الأحمر بالمحافظة الصحراوية.

غزى البطيخ الأحمر واحات المغرب العميق، مما يهدد باستنزاف الفرشة المائية. اليوم زرع بإحدى المحافظات الصحراوية حوالي 500 هكتار للبطيخ الأحمر و 100 هكتار من البطيخ الأصفر. بلغ معدل الإنتاج للهكتار الواحد،  30 طنا في الهكتار بالنسبة للبطيخ الأحمر و 25 طنا في الهكتار بالنسبة للبطيخ الأصفر. ووصل إجمالي الإنتاج خلال الموسم الفلاحي الماضي 2018 – 2019 إلى 17500 طن.

و انتقل عدد الضيعات بإحدى المناطق المشهورة بزراعة البطيخ الأحمر من ضيعتين خلال موسم 2015 – 2016 إلى 30 ضيعة خلال الموسم الماضي.

و تقول أرقام صادرة عن مهنيون بالمغرب الصحراوي إن معدل المساحة المزروعة قد بلغ خلال هذا الموسم 1600 هكتار. وبلغ حجم الإنتاج 48 ألف طن، أما الكلفة المالية فتقدر ب 56 مليون درهم.

يظهر أن لا الطاعون و لا الجوع و لا الحروب ، لم يرغم سكان واحات المغرب الصحراوي على الرحيل ، بيدا أن البطيخ الأحمر الذي يوصف بالطاعون الجديد، سيجبر الأهالي على الرحيل والهجرة بسبب نضوب الفرشة المائية .

Print Friendly, PDF & Email
الاعلانات

3 تعليقات

  1. اغرني العنوان كمهتم وقرأت المقال من البداية حتى النهاية فلم أجد والإجابة على هدف المسطر. لقد كان المغرب سباقا لترشيد المياه وبالخصوص المنطقة الجنوبية الشرقية و أحوال مراكش (الخطارات ). كما جعل من الماء جزءا من فنه المعماري (السبلة النافورة. … ). فتاوي سنوات الجفاف مرتبطة بالمتغيرات المناخية وتواجد مناطق المغرب في مناطق متباينة جغرافيا مما ياأثر حتما على الموارد المائية ولذا فإنا بناء السدود كان خطوة مهمة في تدبير المياه الشحيحة. لكن اتفق معك على أن سوء استغلال الفرش المائية من قبل اقطاعيين أدى اإلى تفاقم الأزمة. أرجوك أن تساهم في النضال من أجل ترشيد ماتبقى من مصادر مياه بشكل علمي!!!!!!

  2. لا ماء, لا حياة!!
    وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ – سورة الأنبياء (30)

  3. في شمال البلاد وفى نهاية القرن العشرين لم يعد بإمكانهم المغاربة مسلمين كانو أم يهود الخروج على .بكرة أبيهم طالبين “الغيث والاستسقاء بل عليهم أن أن يلتجئوا إلى ووزارة الأوقاف لاستئذانها بعد إستشارة مصالح الأرصاد الجوية ذلك خوفا أن تبخل السماء رغم قيام الناس صلوات الاستسقاء

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here