صالح بن الهوري: المغرب الخرافي.. أساطير أم كرامات؟

 

 

صالح بن الهوري

الجزء الأول.

ارتقى  التصوف في المغرب وبلغ العلى في القرن السابع الهجري، الثالث عشر الميلادي، وانتشرت في القرون الخوالي عدة قبور ومزارات لنساء ورجال عرفوا ب”الفلاح والصلاح”، حسب اعتقاد بعض المغاربة.

 وصار البلد يضم أزيد من ألفي ضريح، يندرج بعضها ضمن قبور ما قبل التاريخ، والمشهورة بقبور ما قبل الإسلام، تزار وتقام فيها طقوسا خرافية تمت للوثنية بصلة تاريخية، و تذبح وتنحر فيها القرابين، لذا وصف المستشرقون البلد ب” بلاد الشرفاء” ووسمهم آخرون ب”بلاد الصلحاء”.

يقول بول باسكون في هذا الصدد ” من بين –كل- البلدان الإسلامية، يعتبر المغرب البلد الذي يبجل أكبر عدد من الأولياء. فلا وجود فيه مطلقا لهضاب لا يتوجها مزار، و قليلة هي القرى أو المقابر التي لا يوجد بها ضريح يمجد وليا أو أكثر من ولي. وقد لا يكون الشعار القائل بأن ” المغرب بلد المائة ألف ولي” شعارا مغاليا.

في ما مضى  شدت الرحال وضربت أكباد الإبل، إلى القرى والمدن التي توجد بها أضرحة ومزارات ومقامات الأولياء بالمغرب، ولا زالت ظاهرة تقديس الأولياء مستمرة حتى اليوم. إنها ظاهرة فريدة وعجيبة في آن.

كما لازال إيمان معظم فقراء الخاصة وأغلب أغنياء العامة بقدرة الأموات على نفع الأحياء متواصلة، بحيث يقدم الزوار هدايا وقرابين ويوفون بالنذر في حالة تحقيق أمنياتهم التي تمنوها داخل قباب الأضرحة و المزارات.

ترى لماذا لا زال معظم المغاربة يؤمنون بقدرة الأموات الذين رحلوا مذ أزيد من قرون على نفع الأحياء؟ ولماذا تنتشر الثقافة القدرية الإتكالية بينهم؟ ولماذا لا يثورون على الظلم والطغيان ونهب الثروات والمال العام، عوض التوجه إلى الأضرحة والمزارات؟ وأين يتجلى البعد التاريخي لأضرحة ومزارات المغرب؟ وهل كان و لازال لها وزن سياسي؟ وهل تخدم النظام القائم؟ وبماذا تنفع المغاربة زياراتها اليوم؟ وهل لها دور في تسهيل اقتياد المغاربة الآن؟

ما هو دور الأولياء اليوم؟ وهل هم فاعلون؟.

        تشكل الأضرحة والمزارات مصدر رزق لأحفاد الولي ومن يعيش في كنفهم وكذا المشرفون على شؤونها، من خلال الهبات التي تقدمها مؤسسة “المخزن”[1] والمؤسسات الحكومية والجمعيات الأهلية والجماعات الترابية والبرلمانيون والمستشارون ورؤساء الهيئات الفلاحية والخدماتية وغيرهم.

يقدم الزوار من العامة والخاصة بدن لتنحر وأبقار لتذبح وأعشار محاصيل الواحات والضيعات من التمور والحناء والذرة، وأكياس الشعير والقمح والفواكه والخضروات والبواكر والحوامض، ليبارك الولي في الأراضي البورية التي تحرثها  قبائل الصحراء ومزارع كبار المزارعين بالمراكز الشبه حضرية.

لكل زائر أمنية، يتعهد بالوفاء بالنذر حالة تحقيقها، وفي حالة عدم الوفاء بالنذر ينال عقوبة في الحال. للأولياء قوة رهيبة وسلطة عجيبة أكثر من محاكم البلاد التي تعاقب الفقراء لا الأغنياء.

 يظهر أن من أراد العدالة و الإنصاف عليه أن يدفع نقدا أو عينا لينال حقه من محاكم البلد التي تنصر الغني الظالم الجبار، ظالما كان أو مظلوما.

 أما الولي فهو ديمقراطي وعادل ونزيه لأن في عقابه مساواة، لا يميز بين الأغنياء والفقراء، وعلى صاحب النذر أن يفي به، أو يمتنع عن النذر داخل قبة أو مقام الولي، وإلا اعترته لعنة الولي فورا.

يحكى أن سياسيا مخضرما من محترفي الانتخابات بالمغرب العميق، نذر أن يقدم بدنة لحفدة الولي في حال نجاحه في الانتخابات البرلمانية، لما نجح غير رقم هاتفه ولم يعد يتصل بالكتلة الناخبة.

 وأثناء انعقاد موسم الولي لم يفي بنذره، فسقط في الانتخابات البرلمانية الموالية سقوطا مدويا، أرجعه حفدة الولي إلى عدم وفائه بالنذر الذي نذره في مقام الولي المشهور. يبدو أن أولياء المغرب لا يمزحون.

 يأمل الرحل في أن يبارك الولي بدنهم وجمالهم وأغنامهم، ويتمنى سكان الواحة أن يحمي نخيلهم من الحرائق التي أتت على معظم واحات المغرب العميق وأن يبارك في محاصيلهم الزراعية المغروسة تحت أشجار النخيل.

 أما الساسة فيتمنون أن يحمي الولي كراسيهم الوثيرة المريحة وأن يجعلهم ملتصقين بها إلى أبد الأبدين، وأن يديم عليهم نعمة التعويضات السمينة عن التنقلات و الرشى التي يتلقونها مقابل التوقيع على الرخص والشواهد….

 يسأل رجال السلطة الولي أن يختم لهم ب”الخاتمة الحسنى” وأن ينهوا مهامهم بخير، و أن يبعد عنهم قضاة المجلس الأعلى للحسابات، ويقيهم تقارير المجالس الجهوية للحسابات ولجان التفتيش المركزية، وتقارير المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية، وتحقيقات الصحافة المهنية المحترفة الاستقصائية، لا منتحلو مهنة صحافي من محترفي التجميل والتزوير والتضليل، أمثال صحافي “أغروم” والإعلاميون المزورون القائمون بدور “النكافة” ( وهي مزينة العروس والمشرفة على إلباسها سبع بدل ووصفها بالحسن والجمال ومدحها هي و أمها وخالتها بمقابل سخي طبعا) .

في كتابه الإسلام في المغرب، يورد إيكلمان ديل أنه، ” إذا كان من الصعب تحديد الكنه الصوفي لشيخ الزاوية باستثناء النسب والسر الصوفي الظاهر للعيان، فإن بركة الشيخ هي ما يميزه عن الآخرين، وما يحيط شخصيته بنوع من التقديس والإعجاب، وقد ظل هذا الأمر مثار بحث خصوصا لدى المستشرقين الذين لا يستسيغون الفهم البسيط لمعنى “البركة” لدى الفئات الشعبية حيث يذهب هؤلاء إلى وجود قدرات خاصة لدى الأولياء ودرجات عند الله تجعلهم في وضع يمكنهم من القيام بدور الوسيط بين البشر و عالم الغيب ومنح البركة لأتباعه، بل أن حضور الأولياء في الأذهان بقي مهيمنا، فهم أحياء في أضرحتهم ويتدخلون في أحداث الدنيا”. ( و البركة: هي النماء و الزيادة، و التبريك الدعاء بذلك…)

يعتقد المغاربة اليهود أن السادات ( و المراد هنا الصالحون والصالحات)أحياء في قبورهم ويسمعون دعاء الزوار والحجاج الذين يبللون قبورهم بالدموع أثناء انتحابهم لحظة التمسح بأضرحة الأولياء و الوليات، ويسألونهم أن ينالهم الخير والبركة والصحة والمال والزواج.

الأمر الذي أكده لي عديد الحجاج من المغاربة اليهود وغيرهم، خلال مشاركتي في عشرات مواسم الحج بعدة مدن مغربية.

يطلب الزوار من حفدة الولي أن يدعو لهم ب الدعاء الصالح التالي باللسان الدارج: ” الله يخرج سربيسنا على خير ببركة جدكم الولي الصالح فلان”. والمراد : “اللهم اجعل خاتمة عملنا بسلام ببركة جدكم الولي الصالح فلان”.

يهدف الزوار إلى نيل البركة المقدسة التي يمنحها الأولياء خلال المواسم، يبيع حفدة الولي البركة للزوار مقابل الهدايا و الأموال، إنها المقايضة في أحد أروع تجلياتها.

سجل بول باسكون أن ” عملية اقتناء البركة والتوفيق في الحياة العلمية” خلال زيارة المغاربة لموسم حماد أوموسى. لا يبحث زوار اليوم عن بركة في مجال العلم، بل عن بركة في مجال الاقتصاد والسياسة والحكم.

يعيش مالكو المقامات والأضرحة من حفدة الأولياء على ما يتلقونه في مواسم أجدادهم المقدسون، من قبل الزوار لمدة حول أو ما يزيد، ويتكرر الأمر في المواسم القادمة، ويحيون في بحبوحة من العيش الكريم الهانئ المريء، بفضل اعتقاد الزوار في كرامات أجدادهم المعظمون.

 ويعرف الزوار هذه الحالة باللسان الدارج بالقول” ينوب عليهم جدودهم” والمراد أن “الأولياء الصالحون ينوبون عن ذويهم في العيش عيشا رغدا دون تعب و لا كلل ودون بدل أدنى مجهود”.

 إذن نخلص إلى أن الأولياء الأموات فاعلون من داخل قبورهم، فبفضلهم يعيش حفدتهم  وفروعهم ومن يدور في فلكهم. إنهم منتجون رغم رحيلهم مذ قرون.

 جل المنتسبون إلى الأولياء خدودهم كأنها جلنار، وأجسامهم مكتنزة سمينة ومنازلهم فخمة، ملابسهم جديدة، رغم أنهم لا يشتغلون ويعيشون عالة على الآخرين، أيديهم ملساء رطبة بضة وأقدامهم غير مشقوقة، على النقيض من الفقراء المزارعون الفلاحون والرعاة الحفاة، الذين يعيشون بعرق الجبين وكد اليمين، لا عالة على المجتمع والدولة والمنظمات الأهلية….

يشرفون على تنظيم مواسم الأولياء المتسمون ب”الفلاح والصلاح” ودون حصولهم على أي شهادة تأكد هذه الألقاب.

 يزورهم موظفون سامون من العاصمة الإدارية للبلد من وزراء وبرلمانيون محملون بهدايا معتبرة، و أكابر التجار من العاصمة الاقتصادية للبلد و معهم هدايا عظيمة. ويعطيهم المحافظون هبات مالية معتبرة ، ويتبرع عليهم رؤساء الجماعات الترابية بمبالغ معتبرة تليق بمقام الأضرحة المقدسة، ويتصدق عليهم آخرون بأموال وهدايا لا تحصى و لا تعد.

ويجود عليهم المحافظون بعجول سمينة، وتقدم لهم قبائل الصحراء بدنا وجمالا غنما وماعزا، وتعطيهم قبائل الواحات أبقارا، ويهدي لهم الأهالي سكرا وشايا وقمح وشعيرا وأموالا وملابس وأحذية وأغطية…ويمنحهم المهربون علب السجائر وبراميل البنزين المهرب وتهدي لها مافيا العقار هدايا ثمينة.

 هنا لا يهم المتلقين مصدر الهدايا والعطايا والأموال، و يرفض أصحابها حضور ثنائية الحلال والحرام، المهم هنا هو امتلاء خزائن وصناديق الزوايا والأضرحة.

ينظمون حفلات باذخة على شرف الضيوف السامون ويخصصون استقبالا رسميا على شرفهم تنشطه الفرق التراثية الشعبية، ويولمون لهم ولائم عظيمة ضخمة يشارك فيها الزوار من خارج المحافظة من ذوي الجاه والنفوذ.

 يخصص المشرفون على الأضرحة أماكن للعامة وأخرى للخاصة، يجلس أصحاب الهدايا المعتبرة في فراش وثير ويقدم لهم ما لذ وطاب من الطعام والشراب،على النقيض من أصحاب الهدايا الصغيرة والرمزية، و الطفيليون الذي لا يؤمنون ببركة الأولياء ولا يقدمون للمشرفين على الأضرحة أي شيء يذكر.

تعتمد بعض الزوايا على سياسة تميزية عنصرية قائمة على أساس العرق واللون والجاه، تميز خلالها بين المكانة الاجتماعية و الاقتصادية والاعتبارية للزوار، ويتجسد ذلك على موائد الطعام، حيث يستقبل علية القوم من رجال السلطة و الأعيان بالتمر والحليب ويقدم لهم الشاي المنعنع وحلويات “كعب الغزال” و يتناولون غذاء شهيا لذيذا، وتقدم لهم موائد عامرة  بصحاف الخراف المشوية وصحون الفواكه الاستوائية.

 بينما يقدم قدر ضئيل من المرق و لحم الدجاج للفقراء وطعام الشعير، و لا تعطى لهم الفواكه وأحينا يأكلون دون غسل أيديهم قبل الأكل، ويلم بعض المشرفين على الطعام السيء المقدم للفقراء ثمنه من الحضور قبل وضع الموائد.

يعتبر المشرفون على الأضرحة والزوايا الضيوف البخلاء بمثابة طفيليون، لأنهم لا يقدمون لهم أي هدايا تليق بمقامهم، وبالتالي يستحقون أن ينطبق عليهم المثل الشعبي الساخر الذي يقول ” لي جاء للزردة بلا عراضة يأكل بلا غسيل”. والمراد ” من حضر الوليمة بدون دعوة سيتناول الطعام دون غسيل” . والمعنى: هنا أن لا يقدم له “الطست” لغسل يديه”.

 يوجه حفدة الأولياء دعوات خاصة لعلية القوم، ويرجونهم زيارتهم أثناء انعقاد المواسم. إنها دعوات بمثابة كمين أحيانا وأشبه بدس السم في العسل أحيانا أخرى.

تعد زيارة مواسم الأولياء اليوم فرصة لكل أكول شريب، لا يذوق طعم اللحم إلا مرة في السنة، للأكل لحوم النحائر والذبائح التي تقدم كقرابين لأضرحة الأولياء الأموات، بنهم و شراهة .

هذا مع العلم أن المغربي يستهلك من اللحوم الحمراء ما معدله 15 كيلوغرام للفرد سنويا، و يتوقع أن يصل إلى 18 كيلوغراما في سنة 2020، حسب رامو عبد العالي، نائب رئيس الفيدرالية البيمهنية للحوم الحمراء.

و من اللحوم البيضاء ما معدله 18 كيلوغرام للفرد، حسب العارابي عزيز، رئيس الجمعية الوطنية لمنتجي لحوم الدواجن.

سئل فقيه بإحدى قرى الصحراء الشرقية: هل أكل القرابين المقدمة للأضرحة حلال أم حرام؟ فرد. ومن يدري. ألا ترون الأظرفة المكتنزة بالأموال التي توضع في صناديق الزوايا و الأضرحة. لا أدري أحلال الذبائح و الأموال أم حرام. المهم أن أشبع أنا والحضور. وربكم الأعلم. علق السائلون على الفتوى العجيبة. جازاك الرب عنا خير الجزاء.

 تتخلل الحفلات كلمات ترحب بالضيوف الكرام والزوار الأسخياء، أصحاب الهدايا الغالية العزيزة على قلوب حفدة الأولياء. ويختم الحفل بقراءة برقيات الولاء والإخلاص الموجهة إلى عاهل البلاد المفدى مع الدعاء الصالح له بالنصر والتمكين وأن يأبد الرب ملكه.

يبيع التجار سلعهم للزوار في المواسم ذات الطابع التجاري والاقتصادي، أما الدين فلا يجمعه بها إلا الخير والإحسان، حسب قول أحد أشهر الظرفاء. يبدو أن مواسم الأولياء في المغرب تجارة وعبادة.

 يعتقد الأهالي أن السلع التي تباع وتشترى في المواسم مباركة، و لا تقل قدسيتها عن السلع التي تباع وتشترى في شهر رمضان الكريم و المبارك على المضاربين والتجار.

قديما كانت الزوايا تؤمن قوافل التجارية الصحراوية، ويقع معظمها في طرق القوافل التجارية وعلى ضفاف الأودية.

يبدو أن الأولياء كانوا يملكون بعد نظر ثاقب، لذا أسسوا الزوايا في مواقع ذات بعد استراتيجي هذا فضلا عن مغريات اقتصادية واجتماعية وروحية، وعلى النهج نفسه صار خلفهم، إذ شيدوا أضرحة أجدادهم الفالحون في نفس المواقع ذات البعد الاستراتيجي.

يعتقد المشرفون على الضريح و حفدة الولي وبعض الزوار، أن من خالف العرف وارتكب جرائم أو اقترف ذنوبا أو قام بأفعال مشينة أثناء أيام المواسم، سيصاب بلعنة من الأولياء الميتون مذ ألوف السنين.

يظهر أن الأولياء كانوا يساهمون في استتباب الأمن بالبلد، لذا جرى العرف بمنع القتال والعراك والنهب والسلب أثناء مواسمهم المعظمة والمقدسة، وذكرت كتب التاريخ أنه كانت لبعضهم أيام يحرم القتال والعراك والخصام فيها.

ولعب بعضهم دور الطبيب قديما وحديثا، اليوم يزور مقاماتهم و أضرحتهم المرضى الذين عجز الطب الحديث عن شفائهم، حسب اعتقادهم واعتقاد عائلتهم، وكذا المرضى البؤساء الذين لا توجد  مستشفيات محلية بقراهم النائية أو بمدنهم المهمشة، بينما شيدوا مساجد بمئات الملايين من السنتيمات وعجزوا عن بناء مدارس ومستشفيات !!!.

أولياء المغرب اليوم هم في خدمة ذويهم ومن يدور في فلكهم وبعض الزوار بنسبة أقل. الولي المغربي  أفضل من الأحزاب السياسية التي تظهر شهرا قبل يوم الاقتراع وتقدم وعودا للكتلة الناخبة وتختفي لمدة ستة سنوات بعد حصولها على أصواتها الانتخابية.

 تعد الكتلة الناخبة بجلب مستشفى ولا تفي بوعدها، على النقيض من الولي الذي يشفي المرضى بعد الزيارة وفي الحال. الأولياء لا يكذبون. هكذا يعتقد معظم المغاربة من المؤمنين بقدرة الأموات على نفع الأحياء.

        تزدهر التجارة عند قبورهم و تشبع البطون الجائعة على مقربة من مزاراتهم، وتنكح المحرومات من نعمة ممارسة الجنس في الجبال والفجاج والقصور المهجورة الواقعة على بعد أمتار من أضرحتهم، لاعتقادهن بأن في ممارسة الجنس أثناء فترة الموسم بركة وهو فأل حسن لكل راغبة في الزواج.

تزعم بعض الزائرات لمواسم “الأولياء الصالحون الفالحون المباركون”، أن من نكحت أثناء انعقادها، ستحظى بعريس قبيل نهاية الحول وانعقاد المواسم الموالية في العام القادم. لذا يحج الشباب الممنوعون من ممارسة الجنس إلا في إطار مؤسسة الزواج إلى المواسم، للبحث عن متعطشات لممارسة الحب المحرم في المغرب.

 ويجسد المثل الشعبي التالي الأمر. ” هذا أمنكار، كاين لي يجي يزور ولي يجي يدور”. والمعنى هنا” هذا الموسم، هناك من يأتي بغرض الزيارة وهناك من يأتي بغرض البحث عن المتعة”.

يبدو أن الأولياء يناصرون الحريات الفردية  وحرية الضمير والمعتقد على النقيض من النخبة المغربية التي ظاهرها حداثي حسب ما يظهر وباطنها متخلف موغل في الرجعية.

ارتفعت نسبة الرجال غير المتزوجين بالمغرب بنسبة 2 ;6 في المائة. وبلغت عدد الإناث غير المتزوجات بالمغرب أكثر من 8 ملايين إمرأة، أي  ما يعادل 60 المائة من النساء البالغات سن الزواج و الذي يحدده المشرع المغربي في سن 18سنة، وتضاعف عدد المغربيات غير المتزوجات بنحو 4 ;6 في المائة، حسب ما ورد في دراسة أعدتها المؤسسة البريطانية” فاميلي أو بتيميز” المتخصصة في بحوث الأسرة والحياة الزوجية.

و أردفت ذات الدراسة أن سن الزواج في المغرب انتقل إلى  28سنة لدى الفتيات، و 27 سنة بالنسبة للرجال، وسجلت أن نسبة التأخر في الزواج عند الفتيات التي تترواح أعمارهن ما بين 18 و 24 شهد ارتفاعا أيضا.

لكن يشير رقم آخر إلى نسبة العزوف عن الزواج بالمغرب قد بلغت 60 في المائة و يوجد بالبلد 8 مليون عازفة عن الزواج. ويقول رقم آخر خاص بعام 2018 أن نسبة “العنوسة”(العزوف عن الزواج) بالبلد تصل إلى  40 في المائة.

يقول المثل الشعبي الساخر عن الفتيات العازبات و الملقبات محليا ب ” البايرات”، ” كن تسافر وتدور، ماتشيط و تبور”. بينما يدعو آخر النساء  والبنات إلى عدم السخرية من العازفات عن الزواج”لا تضحكي ف البايرة، راه لايام دايرة”.

يتضح أن السبب الرئيسي للعزوف عن الزواج بالبلد اقتصادي بالدرجة الأولى، لذا يلتجأ بعض المغاربة إلى الأضرحة والمزارات علهم يجدون حلا من الأموات !!!.

أشار بوعلي ياسين، في كتابه الثالوث المحرم دراسات في الدين و الجنس و الصراع الطبقي، إلى أن ” الإنسان المكبوت هو الإنسان الصالح بالنسبة للطبقة المتسلطة، لأنه إنسان مسحوق يقوم بأي عمل يطلب منه، بأتفه و أسخف أقذر الأعمال “.[2]

تقام أسواق للدلالة لهدايا الأضرحة للتبرك بها، حسب اعتقاد الأهالي، حيث تباع  قوالب السكر وعلب الشاي بأضعاف ثمنها، وترتفع مداخل صناديق الأضرحة وتعم البركة الحقيقية حفدة الأولياء، لا الخدم والخادمات والمزارعون والفلاحات ممن يعملون في حقول الأولياء.

في بعض قرى المغرب العميق يعطى الملونون أحشاء الأضاحي ويحظى حفدة الولي باللحوم الحمراء. إنها العنصرية المقيتة في أسوء تجلياتها.

من أين جاءنا هذا الاعتقاد الخرافي؟.

يعتقد معظم المغاربة أن الأولياء الأموات يحلون البركة في الرزق ويمنحون الأطفال ويهبون الأزواج ويبعدون العين والسحر والنحس و الألم و المرض ويجلبون الأمطار. ويؤمنون بأن اللعنة ستطال كل مشكك في قدراتهم الخارقة ومعجزاتهم الباهرة التي توسم شعبيا بالكرامات.

في الجزء الثاني من كتابه فاس قبل الحماية، أورد روجي لوطورنو، أن التدين الشعبي بفاس لا يكتفي بتعظيم الأولياء ” بل يلجأ إلى عوائد طبيعية بلا منازع و لا علاقة لها بالإسلام.. وفضلا عن الأهمية المعارة للجن، والعفاريت، والقوات الخفية، التي ليست في تناقض صريح مع السنة الإسلامية، فإن بعض الأشجار موضوع إجلال حقيقي. وأحسن مثال لذلك الشجرة المقدسة المجاورة لضريح سيدي ميمون الفخار بحي الفخارين”.[3]

  فما هو مصدر هذا الاعتقاد السائد في القرن الواحد والعشرين؟ وهل لهم فعلا كرامات أم أن الأمر مجرد خرافات وأساطير ؟.

يحكي معظم المغاربة أساطير وخرافات عن الأموات ممن يعرفون ب” الأولياء و الوليات” ، حكايات عجائبية غرائبية يصل بعضها إلى درجة الأسطورة.

يقول بول باسكون عن هذا الاعتقاد ” يمكن لفضائل هؤلاء الأولياء أن تكون خارقة، مثل سيدي رحال الذي كان يحوم حول صومعة الكتبية بمراكش و يمتطي أسدا في قفص سجنه فيه سلطان رهيب. كما يمكن أن تكون إفراطا في الزهد أذهل معاصري الولي، مثل سيدي إبراهيم الذي كان يقتات بثمرة في اليوم.

وعن كرامات سيدي  احماد أو موسى التي لا تحصى و لا تعد” أن – جماعة- من العلماء تحدثه ببلاط بغداد أن يثبت مقدرته الروحية، فضرب بقدمه ضربة فإذا بشجرة أركان- ذلك الشجر الزيتي المستوطن الذي ينمو جنوب غرب المغرب- تنتصب واقفة وسط معارضيه؟ و لا زال هناك، إلى اليوم، من يدلك  بسوس على الحفرة المتخلفة بالمكان الذي خرجت منه الشجرة. و أن تقسم بسيدي احماد أو موسى معناه أنك تقوم بعمل مرعب.

و يذكر عالم الاجتماع المغربي كرامة أخرى من كرامات الولي الشهير.” ومنذ حوالي قرن من الزمن، أو ما يزيد على ذلك بعض الشيء، وعد أحد الأشخاص فرعا آخر من غير فرعه بتزويجه ابنته، إلا أنه تراجع عن وعده في ليلة العرس فهدد أب العريس ناكث عهده بصواعق الولي:”ببركة سيدي احماد أو موسى، لن يكون بمقدور بنات ذريتك أن يتزوجن زواجا عاديا”. و منذ ذلك الحين باتت البنات المتحدرات من هذا الفرع، عندما يبلغن سن الزواج، يختفين بضعة أيام أو بضعة أشهر ثم يرجعن بقدرة قادر دون أن يتذكرن أي شيء، سليمات أحيانا و غير سليمات أحيانا أخرى، لكن مشبوها فيهن دائما. و لم تتمكن تحقيقات حديثة عهد قام بها رجال الدرك، من إلقاء الضوء على – هذا- اللغز”.

ضمن إبن الزيات (التادلي، المتوفي في العام 1230 ميلادية، وهو أديب وقاضي مالكي من المغرب) كتابه “التشوف إلى رجال التصوف” 277 ترجمة لأولياء المغرب، ويعتبر إبن الزيات أول من أرخ لمناقب وكرامات المتصوفة والمتصوفات بالمغرب، ويندرج كتابه ضمن أدب الخلاص والتوبة.

  ومما أورده ابن الزيات من خوارق و كرامات التي حدثت للأولياء، سمعها ممن حدثوه عنهم، نورد من بينها كرامات عجائبية وغريبة فهاكم نماذج منها:

 اعتبره ابن الزيات ما اسماه ب “كرامات” لأولياء المغرب وهي قصص أشبه بأساطير لأولياء منهم يتكلم من داخل قبره، و منهم من يمشي فوق قوس قزح و فوق البحر، ومنهم من يطير في الهواء و آخر على دابة أشبه بالبدنة تضعه في مكة، ومنهم من يقوم الليث بالحطب بدلا عنه و آخر يحمل عنه الهزبر حزمة الحطب إلى أن يقترب من قريته فيأمره بوضعها، فيمتثل السبع لأمره.

سخر ناشطون محليون لما أخبرتهم بالكرامات العجائبية والغرائبية التي ذكرها إبن الزيات التادلي في كتابه “التشوف إلى رجال التصوف” ، من قبيل أن وليا يمشي فوق قوس قزح، وآخر يطير في الهواء، و ثالث يخترق الحائط، و رابع يحطب له الأسد، و خامس يركب على ظهر الهزبر .

و انبهروا لما أردفت، أن وليا سادسا تحمله دابة عظيمة تشبه البدنة على ظهرها وتطير به و توصله إلى بلاد بعيدة، و سابعا يبرئ المرضى بعد أن يتفل عليهم، وثامنا يخرج من السجن و هو مقيد ويصلي مع الجماعة و يرجع إلى السجن، و تاسعا يمشي فوق الماء، و عاشر يطير في الهواء. بينما تعجب الأمريكيون من القصص العجائبية الواردة في الكتاب.

وعلق مستعرب أمريكي على ما ذكرت، بأنهم لا يتوفرون على أدب عجائبي في الثقافة الأمريكية. ولم يسبق له قط أن سمع برجال يمشون على الماء وآخرون يطيرون….

وضحك باحث مغربي حتى ظهرت نواجذه عندما أخبرته أن أحد الأولياء الذي ترجم له ابن الزيات، أخرج أجرة الحمام من فيه.

واستلقى ناشط جمعوي على ظهره من شدة الضحك، لما أخبرته بما ذكره ابن الزيات عن صاحب الترجمة رقم 44 الذي تحدث معه الجمل وطلب منه أن يجعل مخلاته المملوءة بالكتب على ظهره ليستريح.

 قال ابن الزيات عن كرامة الولي” ونقل الخلف عن السلف أنه جاء من المشرق على قدميه وعلى عاتقه مخلاته التي جعل فيها كتبه. فمشى يوما إلى أن كلمه جمل بازائه فقال له: يا أبا سهل، اجعل مخلاتك علي لتستريح من حملها”.

إنه أكشن عجائبي…يبدو أن أولياء المغرب قد سبقوا المخرجين إلى اكتشاف الأكشن العجائبي.

ما الكرامة؟.

حكايات يصعب أن يؤمن بها معظم المتلقين اليوم. فما هي الكرامة حسب تعريف التراث؟.

عرف التصوف معروف الكرخي بأنه هو” الأخذ بالحقائق، واليأس مما في أيدي الخلائق”. و عرفه سمنون بأنه هو : ” ألا تملك شيئا. و لا يملكك شيء” . بينما عرفه أبي محمد الحريري بأنه هو : ”  الدخول في كل خلق سني، والخروج من كل خلق دني”.

و الصوفية حسب مارتر لانغ هي : ” هي “حجر الحسك”، وهي المعيار الذي يعيد كل ما تبقى من طرائق أخرى إلى سطح مستو ذي بعدين، بينما تظل هي تشكل البعد الحقيقي في خاصيته: العمق والعلو معا”.

( ما الصوفية؟ ! مارتن لانغ، ترجمة  فاروق الحميد، الطبعة الأولى 2014، الناشر، دار الفرقند للطباعة والنشر ص، 9 ) .

بينما عرفت الموسوعة الفلسفية الصوفية بأنها” تعاليم دينية صوفية في الإسلام، نشأت في القرن الثامن و انتشرت في البلاد العربية في عهد الخلفاء. وكانت الصوفية في عهدها الأول تتميز بالنزعة إلى وحدة الوجود مع بعض عناصر  مادية. وبعد ذلك وتحت تأثير الأفلاطونية الجديدة، و الفلسفة الهندية و الأفكار المسيحية، سيطر الزهد و التصوف المتطرف على الصوفية.

و كانت الصوفية تقبل وجود الله باعتباره الواقع الأوحد، على أن كل الأشياء و الظواهر فيض عنه. و تبعا لذلك فإن الهدف الأسمى للحياة هو الاتحاد بالذات الإلهية من خلال التأمل و الوجد.

و كان بين أبرز دعاة الصوفية الفيلسوف الفارسي السهرودي ( القرن الثاني عشر) و المفكر العربي الغزالي (1059 – 1111 ) و الفيلسوف الآسيوي صوفي آلايار ( المتوفي عام 1720 ) و غيرهم”.

( الموسوعة الفلسفية، وضع لجنة من العلماء و الأكاديميين السوفياتيين، بإشراف:م. روزنتال و ب. يودين، ترجمة سمير كرم، دار الطليعة للطباعة و النشر بيروت، الطبعة السابعة، آذار – مارس 1997، الصفحة، 279)

” الكرامة في اصطلاح أهل السنة هي الأمر الخارق للعادة الذي يظهره الله عز وجل على يد عبد مؤمن صالح غير مقرون بدعوى النبوة…بحيث يعد منكروها مكابرا من جهة ومبتدعا و ضالا من جهة أخرى”.[4]

لاحظوا يعد كل جاحد للكرامة بمثابة مكابر ومبتدع وضال . لماذا؟ لأنه أنكر كرامات الصالحون و الصالحات !!!.

قال الإمام الكلاباذي في” التعرف” (ص 87 و 88 ): “أجمعوا على إثبات كرامات الأولياء و إن كانت تدخل في باب المعجزات كالمشي على الماء و كلام البهائم وطي الأرض وظهور الشيء في غير موضعه ووقته”.[5]

وقال إمام الحرمين في ” الإرشاد” ( ص،  316) : فالذي صار إليه أهل الحق جواز انخراق العادات في حق الأولياء، وفي “العقائد النسفية مع شرحها للسعد” ( ص، 175، 176 ) : وكرامات الأولياء حق، فتظهر الكرامة على طريق نقض العادة للولي من قطع المسافة البعيدة في المدة القليلة و ظهور الطعام و الشراب واللباس عند الحاجة إليها، والمشي على الماء، و الطيران في الهواء و كلام الجمادات و العجماء و غير ذلك من الأشياء…إلخ”.[6]

حصاد الخرافة و الأساطير.

في كتابه الشهير “تجاوزات جيش التحرير الجنوبي في سوس من خلال الروايات و الشهادات 1956- 1960” يحكي عبد الله كيكر أن ( ش.ع) منع سكان زاوية سيدي داود بإسافن ( محافظة إقليم طاطا جنوب المغرب) و هددهم بالسلاح، متحديا وليهم ذاك بأن ينهض من قبره و يصنع لهم سلاحا مثل الذي يحمله، و قال لهم إنه سيخاطبهم في المرة المقبلة بسلاحه إن وجدهم هناك مرة أخرى. ( الصفحة، 74).

اليوم يقسم بعض المغاربة المؤمنون بكرامات الأولياء الأسطورية بالأموات منهم، بدل القسم بالرب. ويعتقد آخرون أن جدهم أوشك أن يكون رسولا، ويزعم رهط من المؤمنين بقدرات الأموات الخارقة على أن جدهم كان يلج في سم الخياط، و يؤمن بعضهم بأن ” مقراش” ( إناء يغلى فيه الماء للوضوء أو إعداد الشاي أوالعجن…) جدهم الولي كان ينطق بالشهادتين. إن هذا لشيء عجاب !!!.

الآن لازال بعض المغاربة يؤمنون بهذه الكرامات لأنهم لا يقرأون، بل يتأثرون بالأحداث. ومنهم محدثي وهو طالب جامعي  درس في صباه في دار القرآن التي تخرج حشود المتطرفين بالمغرب، بسبب اعتمادها على منهج وهابي سلفي متطرف موغل في التخلف والجهل، يقسم العالم إلى دار الإسلام ودار الكفر.

وتنشر الحقد و الكراهية وتدعو إلى احتقار أتباع الديانات الأخرى وتعتبر كتبهم المقدسة محرفة، وتزعم أن المؤمنين جماعة على حق و لا تجتمع على ضلال.

لذا تدعو النخبة إلى إغلاق هذه الدور التي تفرخ الإرهاب والتطرف بسبب مناهجها الخطيرة على حياة الإنسانية، التي تخرج دعاة لا يعرفون غير ثقافة هدر الدم والتكفير والتحريض على كل من خالف أفكارهم التي يعتقدون أنها مقدسة.

        سجل أن 54 دارا للقرآن خضعت للإغلاق منذ الهجمات الانتحارية التي استهدفت الدار البيضاء يوم 16 مايو (آيار) 2003 ، أي بنسبة لا تتعدى 0 ;4 في المائة من مجموع مؤسسات التعليم العتيق التي يصل مجموعها إلى حوالي 13 ألفا و 300 ” حسب تصريح وزير الداخلية شكيب بن موسى  أنذاك.

        اليوم شهد المغرب عدة أحداث إرهابية طالت أرواح الأجانب، أبطالها خريجو دور القرآن، الأمر الذي جعل النخب تطالب بإغلاق هذه الدور التي تنشر الثقافة الإرهابية والتربية الإجرامية، وآخر جريمة اقترفها خريجو دور الإرهاب والتطرف، حادثة “جريمتي شمهروش” السيئة الذكر، التي راح ضحيتها سائحتين أجنبيتين ، نرويجية ودانماركية.

        خلال محاكمة الإرهابيين القتلة، طالب دفاع الضحيتين، من غرفة الدرجة الأولى، المكلفة بقضايا مكافحة الإرهاب، بمحكمة الاستئناف بملحقة سلا، باستدعاء وزير العدل والحريات سابقا، الرميد مصطفى، الذي كان قد أكد تضامنه المطلق مع دور القرآن التابعة لجمعية الدعوة و القرآن و السنة إبان إعادة فتحها، حسب ما ذكرت صحيفة العلم في عددها الصادر يوم الجمعة 21 يونيو 2019 .

       أما آخر دليل على تسلل التطرف و الإرهاب إلى المنظومة التعليمية والمناهج التربوية، سؤال الامتحان الجهوي للأحرار للسنة الثانية باكالوريا، دورة يونيو 2019  (طرح على المستوى الوطني) في مادة ما يعرف ب” التربية الإسلامية” حول موضوع الإلحاد، والذي يعرفه المقرر في درس “الإلحاد بين الوهم و الحقيقة” بما يلي ” لغة: الميل عن القصد. واصطلاحا: مذهب فكري اعتقادي، يقوم على إنكار وجود الله، واعتبار الدين وهم صنعه الإنسان، و الكون وجد صدفة”.

إنه تعريف سلبي يحوي أحكام قيمة عاطفية تمثل وجهة نظر جماعة المسلمين، تحاكم الآخرين الذين يختلفون معهم في المعتقد، من خلال وصفهم بأوصاف سلبية وناقصة وغير مبنية على أي أساس علمي أكاديمي، وهي مخالفة للواقع طبعا.

بينما عرفت ويكبيديا الإلحاد بمعناه الواسع هو” عدم الاعتقاد أو الإيمان بوجود الآلهة. و بالمعنى الضيق، يعتبر الإلحاد على وجه التحديد موقف أنه لا توجد آلهة. عموما يشير مصطلح الإلحاد إلى غياب الاعتقاد بأن الآلهة موجودة. و يتناقض هذا الفكر مع فكرة الإيمان بالله أو الإلوهية، إذن مصطلح الإلوهية يعني الاعتقاد بأنه يوجد على الأقل إله واحد”.

خلال موسم 1995- 1996 درسنا أستاذ لمادة التربية الإسلامية، (بإعدادية بناها فرنسي عام 1948 وكان مديرا لها وفي نفس الوقت أستاذا بها، واشتغل بها حتى عام  1967 وعوض تسميت الإعدادية باسمه، سميت باسم آخر. لم يشيدها هي  ولا المسجد و لا غيرها من المدارس بالمحافظة الصحراوية بالجنوب الشرقي للبلد). لا حظوا فرنسي يشيد مدارس ومسجد. !!!

 كان يعتبر نفسه أعلم أستاذ بالمتوسطية، يكره الفنانون ويسخر من الشعراء ويحقد على الممثلين وينفر من العباقرة و المبدعين.

يستغل الحصة الدراسية لتوجيه أقذع السباب للفنانين بسبب مقته لهم، و يصف مهنتهم الشريفة ب ” العفن”. (و العفن في اللسان الدارج هو: الأوساخ والقاذورات و الأزبال) وكان يسخر من الفنانين بسبب تشدده وتطرفه.

والفن لمن يجهل كنهه هو” شكل نوعي من أشكال الوعي الاجتماعي والنشاط الإنساني، يعكس الواقع في صور فنية، وهو واحد من أهم وسائل الاستيعاب و التصوير الجمالي للعالم”.

( الموسوعة الفلسفية، وضع لجنة من العلماء و الأكاديميين السوفياتيين، بإشراف:م. روزنتال و ب. يودين، ترجمة سمير كرم، دار الطليعة للطباعة و النشر بيروت، الطبعة السابعة، آذار – مارس 1997، الصفحة،354 ).

خاتمة.

اليوم، يصعب أن يؤمن العقل بما يعرف عند ابن الزيات ب” الكرامات والمناقب” وتظهر للمتلقي أنها حكايات أشبه الرسوم المتحركة، بل هي أشبه بخرافات و أساطير.

 يحكى قديما أن رجل كان مسافرا على صهوة حماره ، ولما بلغ إحدى قرى المغرب العميق، خطف المنون حماره، فأقبره وتابع سيره. وبعد مرور عقود، عاد إلى القرية وجد أهلها  يزورن الضريح ويقدمون له الذبائح لاعتقادهم أنه ولي صالح، فتعجب وضحك من مكر لصدف.

أخبرهم بالقصة، رفضن تصديقه ونقلن الخبر إلى حكومة القصر، فتحدى الجميع وقام بنبش القبر واستخراج عظام حماره أمام اندهاش الجميع.

[1]  المخزن: هو في العربية المغربية، مصطلح يحيل إلى أن النخبة الحاكمة الدائرة في فلك الملك ( أو السلطان سابقا). كذلك، فالمخزن يتألف من البلاط وحاشيته و لكنه يضم أيضا كبار العسكريين و الأمنيين و زعماء القبائل إلخ…بدأ بروز هذا المصطلح خلال عهد السعديين مطلع القرن السادس عشر.

المرجع: نقلا عن كتاب : سيرة أمير مبعد المغرب لناظره قرب، مولاي هشام العلوي، دار الجديد، الطبعة الأولى 2015، الصفحة، 21.

[2]   بوعلي ياسين، الثالوث المحرم دراسات في الدين و الجنس و الصراع الطبقي، دار الطليعة، الطبعة الثانية، الصفحة، 38.

[3]  فاس قبل الحماية، روجي لوطورنو، ترجمة محمد حجي، محمد الأخضر، دار الغرب الإسلامي ، بيروت، الصفحة، 866.

[4]  المطرب بمشاهير أولياء المغرب، عبد الله بن عبد القادر التليدي، دار الأمان الرباط، الطبعة الثالثة، 2000 ، الصفحة 28 .

 [5]   المطرب بمشاهير أولياء المغرب، عبد الله بن عبد القادر التليدي، دار الأمان الرباط، الطبعة الثالثة، 2000 ، الصفحة 28 .

[6]  المطرب بمشاهير أولياء المغرب، عبد الله بن عبد القادر التليدي، دار الأمان الرباط، الطبعة الثالثة، 2000 ، الصفحة 28 ، 29 .

Print Friendly, PDF & Email

7 تعليقات

  1. الانسان الاتكالي هو من يعطون فرصة لانتشار هؤلاء البزناسة ٠كما قال سيد الطائفة الجنيد رحمه الله :الكرامة هي السراط المستقيم ٠الانسان المغربي والعربي يعيش بدون هدف ولا طموح فكيف يفكر في مستقبل وفي شروط ومراحل تحقيق الهدف٠ انعام على شكل بني آدم .

  2. غيض من فيض في المغرب لا تستغرب قال لك بلد الالف ولي حيث تقام زارات الكفر والشرك بالله الواحد الاحد
    قول تعالى ذكره مخبرا عن إخبار نوح، عن قومه: (وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلا سُوَاعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ) كان هؤلاء نفرًا من بني آدم فيما ذُكر عن آلهة القوم التي كانوا يعبدونها.
    وكان من خبرهم فيما بلغنا ما حدثنا ابن حميد، قال: ثنا مهران، عن سفيان، عن موسى، عن محمد بن قيس (وَيَعُوقَ وَنَسْرًا ) قال: كانوا قومًا صالحين من بنى آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا قال أصحابهم الذين كانوا يقتدون بهم: لو صوّرناهم كان أشوق لنا إلى العبادة إذا ذكرناهم، فصوّروهم، فلما ماتوا، وجاء آخرون دبّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم، وبهم يُسقون المطر فعبدوهم.

  3. مقال اكثر من رائع لا ادري لما لا تنشر الصحف المحلية لامثال صاحب المقال احييك اخي صالح على مجهودك

    و لمن ينزه قومه عن الاخطاء نقول اننا لا نخجل من كوننا بشر يخطئ و يصيب و دمت منزها في ملكوت النورانيين

    شكرا للكاتب و تحياتي من مراكش

  4. مقال عبقري في المبكي المضحك.. شر البلية مايضحك.. أساطير واوهام وضحك على الذقون. عفارم يا ذكي وصدق من أسماك صالح. ومزيد من مقالات التنوير والتوعية.

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here