صالح القزويني: هل للتصعيد الأميركي ضد ايران حدود؟

صالح القزويني

لا يحتاج المتابع السياسي إلى ذكاء خارق ليكتشف أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ماضية في التصعيد ضد ايران، وإنها ليست لديها خطة عمل تنفذه خطوة خطوة في هذا الاطار وحسب وانما تستغل كل ظرف وكل حدث وتوظفه في اطار خطتها التصعيدية ضد ايران.

ولن أخوض في أسباب وأهداف هذا التصعيد لأنني تناولت هذا الموضوع مناسبات أخرى، ولكن السؤال المطروح هو هل هناك مديات وحدود للتصعيد الاميركي ام انه مفتوح على كافة المستويات والمديات بما فيها شن الحرب والذي يعد ذروة ونهاية التصعيد؟

وقبل أن أجيب على السؤال أود الاشارة الى أن الظروف الحالية دعت الادارة الأميركية الى الاستعجال وحرق العديد من مراحل التدرج في التصعيد، مما ينعكس سلبا على مجمل الخطة ويؤدي الى فشلها في نهاية المطاف.

وأقصد بالظروف هي المستجدات التي طرأت على القضية الفلسطينية والتوتر الذي تشهده المناطق الفلسطينية، فمنذ اعلان ترامب عن عزمه نقل سفارة بلاده الى القدس المحتلة وقد قام بالفعل بنقل السفارة، وحتى اليوم لم تشهد الأراضي الفلسطينية الهدوء، خاصة وأن نقل السفارة الأميركية تزامن مع ذكرى النكبة ومسيرات العودة الأمر الذي أدى الى تصدر الانتهاكات والجرائم الاسرائيلية ضد الفلسطينيين المشهد السياسي وهو ما لا ترغب به تل أبيب جملة وتفصيلا، فليس لاسرائيل شيء أسوأ من أن تكون جرائمها في الواجهة.

لذلك فان التوتر الذي تشهده الأراضي الفلسطينية دعا الادارة الأميركية الى الاستعجال في التصعيد ضد ايران لتتجه الانظار وتسلط وسائل الاعلام أضوائها على الملفات التي تثيرها واشنطن وبعض العواصم ضد ايران ومن بينها “دعم الارهاب وتوسيع نفوذها والتدخل في شؤون الدول وقدراتها العسكرية والنووية”.

وقد ارتكبت ادارة ترامب خطأ فظيعا بحرق مراحل خطتها التدريجية ضد ايران، فوفقا لمشروعها التصعيدي التدريجي كان يتعين على ترامب تهيئة الظروف اللازمة للتصعيد ليكون مؤثرا والمقصود بالظروف هو تحشيد المجتمع الدولي ضد ايران، وهو ما لا نراه في الوقت الراهن فماعدا اميركا واسرائيل وبعض الدول فان اغلب دول العالم والقوى الدولية لا تسير في الركب الذي يسير فيه ترامب تجاه ايران.

نعود للسؤال وهو، هل أن ترامب مستعد للمضي قدما في الوصول الى نهاية التصعيد وهو شن الحرب لو لم تثمر الخطط والجهود الدبلوماسية والاقتصادية والتي تتمثل بفرض العقوبات؟

باختصار شديد كلا، وذلك لأسباب عديدة، سأتناول سببين وأترك الحديث عن الأسباب الأخرى إلى فرص قادمة.

السببان هما:

أولا: التكلفة الباهضة للحرب، فالوضع الاقتصادي الذي تمر به الولايات المتحدة لا يحسد عليه، ولعل احد أبرز الخلافات القائمة بين اميركا والعديد من دول العالم وخاصة الدول الأوروبية هي خلافات اقتصادية بحتة، فالسبب الرئيس لوجود مشكلة الهجرة هو أن الولايات المتحدة لم تعد قادرة اقتصاديا على استقبال المهاجرين، كما أن مشكلة الرسوم الجمركية تعود أيضا الى اسباب اقتصادية، فواشنطن ونتيجة لانخفاض عوائدها المالية بدأت تبحث عن خيارات أخرى ومنها رفع الرسوم الجمركية.

وطالما سمعنا ترامب يقول أن بلاده دفعت 7 تريليون دولار على الحروب ولم تحصل على شيء، فهل يا ترى سيدفع 7 تريليون دولار أخرى على الحرب مع ايران للحصول على نتيجة غامضة؟

يقال أن بعض الدول وعدت ترامب بتسديد نفقات الحرب ضد ايران، ولكن ليس من الواضح أن هذه الدول ستكون قادرة على التسديد أم لا؟

ثانيا: عدم وجود اجماع عالمي، فمن المؤكد أن ترامب لن يخوض الحرب الشاملة ضد ايران لو لم تصطف دول العالم الى جانبه، وخاصة القوى العظمى في العالم، بينما نرى اليوم أن أغلب دول العالم لديها مشاكل مع ترامب، فهل يا ترى أن الرئيس الأميركي سيكون قادرا على ارضاء كل هذه الدول لتلتحق بركبه؟

وحتى لو استطاع ترامب أن يشكل تحالفا عالميا ضد ايران فليس من الواضح انه سيقرر شن الحرب ضدها، ولعل تجربة الرئيس السابق باراك اوباما ماثلة أمامنا، فأوباما نجح في حشد العالم الى جانبه واصدر مجلس الأمن الدولي عدة قرارات ضد ايران، وطالما أعلن أن الخيار العسكري سيكون ماثلا امامه ضد ايران، وكل شيء كان معدا لاعلان الحرب وشن الهجوم، ولكن بالرغم من ذلك كله أعلن بأنه لم يكن لديه خيارا سوى التفاوض مع ايران.

أضف الى كل ذلك فان ترامب وبالرغم من سياسة التصعيد التي ينتهجها ضد ايران فلم يعلن يوما أن الخيار العسكري سيكون أحد الخيارات التي يستخدمها ضد ايران.

لذلك يمكن القول أن سياسة التصعيد الترامبية ضد ايران لها حدود، خاصة اذا عرفنا أن المستهدف من سياسة التصعيد ليس ايران، وانما تحقيق أهداف وغايات أخرى يأتي العامل الاقتصادي في مقدمتها وذلك عبر ابتزاز بعض الدول؛ لوصلنا الى نتيجة أن شن الحرب على ايران ليست مدرجة في جدول أعمال ترامب.

– طهران

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. حسب ظاهر المنطق السياسي والاقتصادي فإن التحليل الفني الذي جاء في المقال ثابت وسليم، أما حين يتعلق الأمر في ترامب وفلسفته في إدارة شركة البيت الأبيض للمقاولات العامة، فيجب أن تضع كل الاحتمالات واردة ومنها حرب وقصف وغزو في اي وقت، وهذا ما أراه أمامي حاصلا خلال الفترة المقبلة وتحديدا في أيام احتفالات عيد الثوره الايرانيه القادم، والايام بيننا

  2. أتمنى من مؤلف المقالة المرموقة ، السيد قزويني ، أن يناقش خسائر وتكاليف الحروب التي يمولها الاقتصاد الإيراني خلال الأربعين سنة الماضية و تداعيات السلبية على المواطن الإيراني..

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here