صالح اخطأ يوم واقعة اغتيال النهدين.. والسعودية قد تقبل بالحوثي ملكا

 

sami-alahdal

د. سامي شرف الأهدل

اليمن في رؤية مختصرة : (الثورة, الثوار, صالح, انصار الله, التحالف العربي, الشرعية, احمد على, طارق صالح, الأحزاب السياسية, حزب الإصلاح, دول الجوار, اليمن)

الثورة: مثلها مثل نكبة فلسطين, فهي نكبة حقيقة على اليمنيين. ضربت نسيجهم الاجتماعي في العمق وإعادة بلادهم عشرات السنيين الى الوراء. أرواح تزهق في كل يوم, وحرب تأكل الأخضر واليابس, وفقر وامراض منتشرة في كل مكان. بصيص الكهرباء الذي كان متواجد لم يعد. الخدمات المتواضعة لم تعد. الأسعار المعقولة لم تعد. صرف العملة الشبه منطقي لم يعد. الراتب المتواضع لم يعد. المعيشة البسيطة لم تعد… الهذأ قامت الثورة؟

فمع كافة مساوئ وسلبيات النظام القديم, إلا ان الامن السياسي والاقتصادي والغذائي كان متوفر ولو في حده الأدنى. اليوم اين هو الحد الأدنى؟ اين هو الحد الأدنى من الأدنى؟ لا شيء يوجد. لذلك سيعاني الشعب كثيرا من نتائج هذه الثورة التي لم يكتب لها النجاح. فنوايا الثورة لم تكن خالصة لوجه الثورة.

الثوار: الكثير منهم وطنيون وشرفاء وغيورون على وطنهم. يندم الكثير منهم اليوم وهم يرون بلدهم ينهار. يندمون لانهم خرجوا من اجل يمن جديد ومزدهر, فاذا بهم يجدونه يمن قديم ومنكسر. هم من جعل المليونير يصبح ملياردير (133 مليار دولار بحسب جريدة النيويورك تايمز نهبت من اليمن خلال فترة النظام السابق, بينهم أسماء الكثير من المنضمين للثوار-سنتحدث عن ذلك في مقال اخر), وهم أيضا من جعل أصحاب الطبقة الوسطى يأكلون من القمامات, وأصاحب الطبقة المتدنية… ينتحرون. اما العملاء منهم, فباتوا وأهاليهم يعيشون الثراء الفاحش في الخارج, بعد ان تركوا رفاقهم من الثوار المخلصين وأبناء وطنهم في الدخل يتجرعون الجوع والفقر والهوان والفاقة. الثوار باتوا ملتزمون ادبيا بالتكفير عن اخطائهم والوقوف الى جانب الوطن عن قرب, لا من خلال منصات التواصل الاجتماعي وشاشات الفلسفة والسب.

صالح: لم يتحالف مع انصار الله تحالفا استراتيجيا مبنيا على القناعة والثقة إطلاقا, وإنما تحالفه معهم كان لكونه يدرك بان رأسه وتحركاته وسكناته باتت جميعها مرصودة تحت انظار وأسماع الحوثين وسلاحهم. وافق صالح وعلى مضض بالتحالف مع انصار الله لثلاثة أسباب رئيسة. الأول: مواجه العدوان الخارجي الذي كان يسعى لاغتياله. الثاني: استخدام ورقة انصار الله في التخلص تماما من اعدائه التقليدين (اصلاح, معارضة, ثوار..). اما الثالث: فهو الانقلاب على انصار الله في نهاية المطاف ليتسنى له تسلم مقاليد الحكم مجددا, وسيكون ذلك بدعم شعبي منقطع النظير كون صالح سيكون المنقذ والمخلص الوحيد على الساحة. ومع ان الرجل لم يكن طامحا وطامعا بالسلطة, لكنه كان طامحا وطامعا في انها تاريخه السياسي بطريقة مشرفة, وكان يرغب أيضا في إيصال رسالة للعالم مفادها بأنه كان الاجدر في حكم البلاد.

صالح كان قادر على الاستمرار في هذا التحالف, لكنه كان يرى ان سلاح انصار الله بات يقترب منه في كل يوم اكثر واكثر. وحينما تعرض أبنائه للخطر وقُتل خالد الرضي (احد مرافقيه ومرافق أبنائه), ومن ثم ضرب منزل طارق صالح, حينها ادرك صالح بان تلك المؤشرات تؤكد بان وقت تصفيته بات قريبا جدا. استشعر صالح الخطر, فخرج فورا معلنا انقلابه الذي كان يبطنه في قلبه, ليؤكد لمنتقديه ليوضح للجميع ان تحالفه مع الجماعة لم يكن سوى هروبا من فخ الاغتيال. (أراد انصار الله ان يتغدون به, وأراد هو ان يتعشى بهم, فسبق المتغدي المتعشي).

ارسل صالح بأكثر من رسالة مُتلفزة لقوى التحالف للدخول معهم بمفاوضات مباشرة, لكن التحالف لم يفهم فحوى تلك الرسالات وشكك بمصداقيتها بسبب الضغط الذي مارسته عليه بعض القوى النافذة المتواجدة في فنادق الرياض. لم يعد صالح اذن يمتلك الكثير من وسائل القوة سوى قلوب محبيه. فالمنظمات الدولية عاقبته, والدول الإقليمية حاصرته, والقوى الداخلية خانته وخذلته. اما الستين مليار التي كان صالح يمتلكها, فلم تكن سوى فقاعات إعلامية لا غير. فلو ان الرجل امتلك نصف هذا المبلغ فقط, لحَكم اليمن من شرفة نافذته ومن بلكونة منزله وهو يضع ساق على ساق. لكن الوضع المالي كان سيئ للغاية لدى لرئيس السابق لاسيما بعد فُرضت عليه العقوبات الدولية. فلم يعد الرجل قادرا على دفع الكثير من الالتزامات المالية للقبائل الموالية له والتي اقتاتت على هبات صالح السخية وعلى البيع والشراء, لتضطر هذه القبائل وفي نهاية المطاف لخيانته وبيعه للقوي.

سابقا, أضاع صالح فرصة ثمينة لتغير مسار الأوضاع المضطربة لصالحه, وذلك ابان محاولة اغتياله في جامع النهدين. فلو استخدم الرجل القليل من الحزم حينها لما فيه مصلحة الوطن, لتفهم العالم اجمع ردة فعله (محاولة اغتيال رئيس دولة وكبار قاداته), ولما وصل بنا الحال الى ما نحن عليه اليوم. لو انه فقط استبدل عبارة “اذا انتم بخير فانا بخير” بعبارة “سأستخدم الحزم ليكون الوطن بخير”, لما شهدنا عاصفة الحزم تعصف بالوطن, ولما بلغت خسائر البلاد نسبة الواحد بالمئة من الخسائر التي وصلت اليها مع الأسف. تسامح الرجل كثيرا, فدفع والوطن نتيجة تسامحه كثيرا.

انصار الله: يقاتلون بعزم وقوة ويرون بأنهم يدافعون عن وطنهم ضد عدوان خارجي. كل القوانين والأعراف والعادات والتقاليد تجيز لمواطنين أي دولة الدفاع عن ارضهم وبلدهم وبشتى الوسائل المتاحة لديهم ضد أي عدوان. انصار الله يقاتلون وفق ركيزتين أساسيتين (هدف ومعتقد), وهاتان الركيزتان تكفيان لتغيير موازين القوى والنصر. هناك فرق شاسع بين من يقاتل حافي القدمين للدفاع عن مبادئه, وبين من يوقف القتال بمجرد ان تتأخر عليه مساعدات السعودية والإمارات.

التحالف العربي: سينجح في تشكيل ميليشيات (الـ مع والـ ضد) وسيسحب قواته المشاركة بعد فترة وجيزة, وسيسلم أمور التصفيات لليمنيين انفسهم. فالتحالف لا يرغب حاليا في انهاء المعارك في اليمن لان لديه برنامج زمني مطول يعمل من خلاله على اطاله امد الحرب للعب بأوراق اقليميه اكثر اهميه من الشأن اليمني.

الشرعية: تتخبط كثيرا وهي غير قادرة على قيادة زمام الأمور دون توجيهات خارجية. هناك ضباط وقادة مخضرمون منطوون تحت لواء هذه الشرعية, ولكن هؤلاء مقيدون وفق أوامر قوى التحالف, ولا حول لهم ولا قوة.

القضية الجنوبية: سينال الجنوبيون الانفصال وبصعوبة, وستكون لهم دولتهم المستقلة بعد ان يفشل الوحدويون في الحفاظ على وحدتهم بحدقات اعينهم. ستجد بعض المحافظات الجنوبية نفسها على صفيح ساخن, وستدخل بعضها في تصفيات حسابات قديمة مروعة.

احمد على: اعتزل السياسة في وقت مبكر (ابان الثورة) نتيجة لضغوطات عدة. منها ما مارسها عليه والده, ليبعده عن مشهد الصراع, ومنها دولية كالعقوبات الأممية. استوعب من كان يُطلق عليه “بقائد القوات الخاصة” الدرس جيدا وعمل بوصية والده. احمد علي قائدا محنكا ولكنه ليس رجل المرحلة اطلاقا. فهو لا يجيد الرقص على رؤوس الثعابين, فالرجل قد يُلذغ سريعا. فالرقصة التي اجادها والده والذي كان يرقصها ببراعة, كانت رقصة على رؤس ثعابين داخلية, اما احمد فسيكون مضطرا للرقص على رؤوس الثعابين الداخلية والخارجية. فالثعابين تكاثرت داخليا وخارجيا. المرحلة صعبة, وصعبة للغاية.

طارق صالح: سينخفت ضوئه في الأيام القليلة القادمة ولن يكون له أي دور يذكر. فالشرعية لها حسابات معه, وأنصار الله لهم حسابات معه, ودول التحالف نفسها لها حسابات معه. اما الحراك الانفصالي الجنوبي فيرفض تواجده على ارضه. قد يحاول التحالف التخلص منه بطريقة او بأخرى من خلال الزج به لقيادة معارك فاشلة, وفق قاعدة (ان أنتصر, كان بها. وان أنهزم, نكون قد تخلصنا منه ومن أبناء الحرس الجمهوري الموالي لصالح). اما ان خرج الرجل سالما من المعارك, فسينتهي به المطاف في احدى غرف فنادق الرياض.

الأحزاب السياسية: فشلت الأحزاب السياسية اليمنية فشلا ذريعا في انقاذ البلاد في اصعب الظروف واحلكها, وأثبتت هشاشتها لاسيما في ظل التطورات الأخيرة. قد لا يكون لهذه الأحزاب أي دورا مستقبلي يُذكر, إلا اذا تم استخدامها كصور ديكور للتجسيد الديمقراطي.

حزب الإصلاح: ستتوجه اليه الأنظار اكثر واكثر في الأيام القليلة القادمة وسيتلقى الحزب دعم مادي واعلامي منقطع النظير من قوى التحالف وسيتم استقطابه وإقحامه في الحرب على انصار الله. وفور انتهاء مهامه وانتهاء الحرب, سيعمل التحالف على التخلص من بعض قيادات الحزب في مراكز القوى, ليتسنى بعدها اعلان الحزب “منظمة إرهابية”.

دول الجوار: بعد انهاك القوى المتصارعة تماما, ستعمل دول الجوار وعلى رأسها المملكة, على توطيد علاقات جيدة مع الحاكم الفعلي في صنعاء, أي من كان, حتى وان كانت جماعة انصار الله. ستعمل تلك الدول على بناء علاقات تحكمها المصالح المشتركة وحسن الجوار. ولا نستبعد تقديم اقتراح بتغير النظام الجمهوري الى نظام ملكي, كون ان الأنظمة الخليجية المجاورة, جميعها أنظمة ملكية وأميرية, وهذا النوع من الأنظمة لا يتقبل وجود نظام جمهوري بجواره.

اليمن: ستعيش فترة ارهاصات سياسية متتالية, وحالات من الانقسام, وتدهور في الوضعين الأمني والاقتصادي وكذلك الصحي. سيعمل كلا من التحالف العربي وإيران على تغذية بعض النعرات الطائفية وإثارة النزعات القبلية. سيعملان أيضا على تقسيم التكتل الواحد الى عدة تكتلات ومليشيات متعددة. حتى على مستوى الأحزاب. سيكون هناك تقسيم مُريب, فعلى سبيل المثال لا الحصر (مؤتمر صالح, مؤتمر الشرعية, مؤتمر الحوثيين…الخ.

الحلول المؤقتة, والمساعدات الإنسانية العاجلة, والودائع النقدية, كل ذلك لن يجدي نفعا لان جميعها ليست سوى مسكنات. فاليمن بحاجة لما هو اهم من ذلك, بحاجة لأبنائها الأوفياء القادرون على انتشالها مما هي فيه, والعمل بإخلاص لإنقاذها وفق دراسات وبرامج وخطط عمل وطنية مخلصة. هؤلاء هم فقط من باستطاعتهم تغيير الوضع والمعادلة (سياسيا, وامنيا, واقتصاديا واجتماعيا).

بالتأكيد ان الشعب سيستعيد قواه مجددا…

فقط

حينما يصحوا.

فـ “اذا الشعب يوم أراد الحياة …فلا بد يوما ان يستجيب القدر”

أوتاوا – كندا

مشاركة

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here