صابر عارف: لنستحضر غسان كنفاني كما استحضره اشتيه!

صابر عارف

رغم الاختلاف السياسي اللافت، الا انه لفتني بفخر واعتزاز شديدين حضور وكلام الدكتور محمد اشتيه رئيس الوزراء الفلسطيني وما استحضره في ذكرى الروائي الفلسطيني الأول غسان كنفاني، خلال افتتاح فعاليات ملتقى فلسطين الثاني للرواية العربية في رام الله بحضور أدباء وروائيين عرب.

وكما تذكر الصديق اشتية دعوات غسان كنفاني لدق الجدران وأهمية المعركة الثقافية مع العدو فانني ما زلت أتذكر وأعيش بألم وحزن عميقين تلك اللحظات الحزينة التي راح ضحيتها كاتبنا وأديبنا، المناضل الفلسطيني الألمع  والأشهر غسان كنفاني ابن عكا الفلسطينية قاهرة وهازمة نابليون ، وابن الجبهة الشعبية التي مثلت ولعشرات السنوات نموذجا فلسطينيا وعالميا يحتذى في الفكر والمبادئ والنضال.

ما زلت أعيش صباح ذلك اليوم الحزين، يوم الثامن من تموز عام ١٩٧٢ م، ساعة سماعي حديث البيارته عن الانفجار الذي هز بيروت لحظتها  ،  عندما كنت في الكراج في ساحة النجمة،  متجها الى دمشق في الطريق الى عمان، بعد ان امضيت عدة أيام في بيروت قادما اليها من ليبيا  لمتابعة مهام وشؤون نضالية وتنظيمية.  حيث كنت  طالبا جامعيا في جامعة قاريونس في مدينة البيضاء في الجبل الاخضر شرقي ليبيا، وحضرت لعاصمة الثورة الفلسطينية العربية، قبل ان تصبح بيروت عاصمة للثورة العالمية بعد ان استلمت الراية من الثورة الفيتنامية عام ١٩٧٥ م..

  كان اللقاء الأخير لي في الليلة الاخيرة مع شهيدنا الكبير غسان كنفاني  في عرينه مجلتنا الهدف في كورنيش المزرعة التي كانت محور حديثنا، وشجعني على الكتابة فيها قبل ان أصبح أحد كتابها فيما بعد امتدادا لذلك اللقاء الذي لن انساه وسيبقى خالدا الى الابد لانه كان اللقاء اليتيم مع نجم فلسطين الاول في النضال وفي الادب وفي أول تفجير صهيوني معاصر.. لم يخطر على بالي لحظة بانه سيكون اللقاء الاول والاخير ولكنها الاقدار والأعداء .

غادرت بيروت الى دمشق بعد الانفجار بلحظات وقبل ان اعرف تفاصيله واستهدافه المحدد ، حيث كنا في عالم غير عالم اليوم.. عالم النت والواتساب وما بينهما الكثير ، وفي صباح اليوم التالي وانا في دمشق ، في الطريق للبرامكه الى عمان اخذت جريده الثورة السورية واذا بها كبقية كل الجرائد الاخرى تعلوها المستطيلات السوداء والانباء الحزينة عن استشهاد غسان كنفاني ولميس ابنة اخته في انفجار بيروت الذي سمعته بالامس.

كان الزمان غير هذا الزمان، وكانت الامكانيات والمواصلات والاتصالات غير ما نحن عليه اليوم ، ورغم الانفعالات والحزن الشديد الا انني لم استطع العودة لبيروت للمشاركة في الجنازة الكبرى التي حدثني عنها العديد من الرفاق الذين ذكروني بحديثم بالمظاهرة الاكبر والاضخم في التاريخ الفلسطيني الحديث عندما تم تشييع شهداء معركة الكرامة عام ١٩٦٨ م التي شكلت انطلاقة الثورة الفعلية الاوسع.

كان ابلغ من تحدث عن جنازة كنفاني هو المناضل والكاتب الكبير كمال ناصر الذي سقط شهيدا بعد اقل من مرور عام على استشهاد كنفاني في عملية ارهابية كبري في فردان وسط بيروت قادها الصهيوني يهود باراك وراح ضحيتها الشهداء الثلاث وكان ثالثهم كمال ناصر الذي تغزل كطفل بجنازه كنفاني وغار منها قائلا ،، هكذا يكون عرس الكتاب والأدباء، وهل ستكون لي جنازة كهذه !! ،، وبعد اقل من عام مات ناصر في نيسان ١٩٧٣م، وشيع ورفاقه في جنازة مهيبة، ودفن كما أوصي بالقرب من غسان كنفاني المسلم في مقبرة الشهداء، مثوى شهداء فلسطين في بيروت مع انه مسيحي بروتستنتي.

كان وما زال يوما حزينا حزينا.. كان بداية جديدة لعهد جديد في الارهاب الصهيوني بدأ بغسان ولم يتوقف عند محمود الهمشري وابو جهاد ولم ينته بابو عمار الرمز الخالد  وصولا لأحمد جرار واشرف النعالوه والقائمة الأطول.

لم تكن ابدا صدفة او جهلا عملية تصفية الصهاينة لغسان كنفاني وبهذه الطريقة السادية الابشع ، فقد كان حقا كما قال عنه الكثيرون ، وكما قال عنه الدكتور اشتية  في فعالية يوم الرواية الفلسطينية بالامس في رام الله ،، إن أديبنا ومثقفنا كنفاني كان صاحب قلم ذي رأس مدبب كحد الرصاصة، تتلمذنا على أدبه الذي زرع فينا الوعي والثورة ،،

بتاكيد الدكتور اشتية على القيمة الكبرى التي مثلها كنفاني في حياته ومماته فكرا ونضالا وأدبا وفنا وبتاكيده على اهمية ومركزية المعركة الثقافية مع العدو وفي هذه الايام والظروف بالذات يكون قد وضع نفسه في مصاف الاوائل جيلا، اتمنى من الاعماق ان يكون كذلك فعلا وعملا.

 في ايام جميلة خلت، دفن البروتستانتي الى جانب غسان كنفاني المسلم في مقبرة الشهداء الإسلامية.. مثوى شهداء فلسطين.

من بيروت الى رام الله وفي ذكرى رحيلهما، نترحم على مرحلة كانت فلسطين فيها موحدة ، قبل أن يدمرها الانقسام الفتحاوي الحمساوي الحالي وقبل ان تفرق غزة عن الضفة ، وام الفحم عن الناصرة وجورج حبش عن أحمد ياسين.

اعادتنا ذكرى غسان وحديث اشية لأيام غوال خلت، في زمن خلى منه المجد والعز ، فهل ومتى ستعود ؟؟!! عندما كانت فلسطين بخير والأمّة بخير !!

Saberaref4@gmail.com

Print Friendly, PDF & Email

2 تعليقات

  1. من تتلمذ على أدب غسان ودم غسان لا يمكن أن يكون مع اوسلوا والتنسيق الأمني غسان كان واضح في خياراته لم يبحث عن دور للصهاينة كان يبحث عن عودة الفلسطينيون إلى ديارهم بخيار مقاومة هذا الكيان وليس التنسيق معه فهؤلاء اضاعوا دم غسان كما آلاف الشهداء
    لك تحياتي وتقديري بدورك ماضيا وحاضرا
    نستحضر غسان كما استحضرته انت وليس كما استحضرته اشتيه

  2. سيدي الكلام ليس علية جمرك ؟؟؟ إزدواجية معايير وطرح ممزوج و مختلط بسلطة تنسق امنياً مع جنرالات الأحتلال قُل لي بربك؟ لا تناسق بين الطرح وبين فتازيا الواقع سيدي هوية المثقف الفلسطيني باتت ملطخة بصمت مخزي وعار يلف الجميع .. نستخدم ونستعير من دم الشهداء مداد مراثينا ويؤسفني سيدي أن اقول أنه لايحق لسيد إشتيه إستعارة إسم غسان كنفاني ولا مداد دمه ليمجد به طقوس تحت حراب الأحتلال لتزين الوجه القبيح لأسلوا ونخبها وعلى بعد أمتار كان كخافي بالأمس يشرب نخب السلام مع تجار الوهم .. عار على كل مثقف فلسطيني لايدين ولا يقول كلمة حق في وجه كل المطبعين والمتطبلين .. سيدي أي إستشراف للرواية العربية تحت حراب الأحتلال ؟؟ قل لي بربك كيف مرت جحافل المثقفين العرب عن جسر اللنبي وجسر الشيخ حسين الى رام الله لتحتفل في ملتقى أدبي على بعد مائة متر عن مستعمرة بيت إيل ..؟؟ دعنا من المجاملات سيدي .. ؟ فبين الواقع وبين فنتازيا التاريخ بحورمن دم وأشلاء الشهداء وبيوت مدمرة وآهات وآنات جرحى ودموع ثكالى وزفرات أسرى تموت في كل لحظه مائة مره .؟؟ .فأنا أرفض أن اعيرهم من دم كنفاني او اي شهيد فلسطيني مسوحاً وبخوراً لطقوسهم وارفض ان اقدم دم الشهداء قرباناً على على صليب اوسلوا المخزي سيدي لن نمنحهم إطاراً جميلاً الى صورتهم المهشمة ولن نقبل منهم إطاراً مهشماً لصورة الشهداء الجميله فبين كنفاني وعمر ابو ليلى حكاية وطن … وبحور من الدم … ونحن بين نسبية الواقع ولغة المال وتزاوج المال والسلطة بحور من الوهم المُضني والمفضي الى الهلاك ..؟ فبربك من ينسق أمنيا مع قاتل غسان كنفاني وعمر أبو ليلىآنى له أن يطلب من دمهم مداداً ليملآ محبرته .. وليتفننوا في توقيع محاضر التنسيق الأمني …سيدي والله هذا كُفر ..
    سيّدي :
    (لماذا إذا جارَ هذا الزمان علينا،
    وصارت نوافذنا مغلقة
    نؤذّن ﻓﻲ المؤمنين،
    وأوجهُنا ﻓﻲ الرمالِ، وأدمُعنا كاللظى مُحرقه؟!!
    وآذانُنا بانتظارِ الذي سيدُقُّ النوافذ عند المساءْ.
    لقد عبروا يا أﺑﻲ،
    ليعتقلوا غيرنا
    نؤذنُ ﻓﻲ جرَّة الخوفِ، نرضعُ أطفالنا من نهودِ الجبالِ
    ونرتقبُ السفنَ المارقةْ
    تنادين،… بيروتُ تُعلنُ: كنعانُ مات،
    فنكتمُأدمعنا ﻓﻲ العيونْ
    لأنَّ الشوارعَ قد ملأتْها العيونْ
    وبيروتُ تعلنُ كنعانُ مات، فيا ﻣﻨﺰﻻًﻓﻲ المنافي ابتدا
    لقد أشعلوا النارَ ﻓﻲ جسد الطفل – ويلَ العِدا
    إذا ما رفضنا الرحيلْ
    حَبَسْنا الدموعَ، وقلنا: يجيء الزمانُ الجميلْ )
    القصيدة : مقطتعة من قصيدة الشاعر والمناضل عز الدين المناصرة في رثاء غسان كنفاني ( تُقبل التعازي.. في أيّ منفى )
    *الرجاء النشر

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here