شيء حول روسيا لافروف السورية

yasser qubailat1

ياسر قبيلات

بينما ينشغل العالم، بسياسييه ومحلليه، بالمبادرة الروسية وما تلاها، يغفلون عن الصراحة الروسية المفرطة التي يتحدث بها الرئيس بوتين ووزير خارجيته المقاتل المحنك ومساعدوه وأركان الرئاسة في موسكو؛ بل أن وسائل إعلام عربية مقاتلة إلى جانب المسلحين في سوريا تلجأ إلى اقتناص أنصاف الجمل الروسية وتاويل الواضح منها بما يتناسب مع موقف مموليها بسعادة منقطعة النظير، لا تحسد عليها.

والأمر بمجمله يدعو لقول كلمة حول السياسة الخارجية الروسية الجديدة وصانعيها..

مرت السياسة الخارجية الروسية بمحطات عديدة من الإنهيار بعد أن خرجت من عباءة وزيرها الأبرز أندريه غرميكو، وآلت إلى ميخائيل جورباتشوف الذي أدارها عبر يده الكليلة المستلبة للغرب، إدوارد شيفاردنادزة، الذي لم يكن إلا مدير علاقات عامة قصر دور وزارته على تحسين صورة رئيسه الطروب بالأمريكيين وترتيب علاقات بالغرب..

وكانت النتيجة هي نحر قوة عظمى، وفقدانه هو ورئيسه لكرامتهما!

في المرحلة السوفيتية المتأخرة؛ كان خطاب “خارجية” جورباتشوف – شيفارنادزه يركز على أن العالم يعيش لغة المصالح لا الإيدولوجيا. وفي الواقع كانت السياسة الخارجية السوفيتية حينها تعمى عن المصالح، وتفشل في رؤيتها، وترى في كل تضارب ممكن مع الغرب والولايات المتحدة مجرد أسباب أيدلوجية، لا مردود لها.

ولم يريدا أن يفهما أن المصالح تحتاج إلى مبادئ تسترها، وأيدولوجيا تحملها!

وفي مرحلة يلتسن؛ ساد منطق استجلاب المساعدات الغربية واسترضاء الولايات المتحدة على حساب كل ما عداه، بما في ذلك المصالح الوطنية للدولة الروسية. وحينما أرادت هذه السياسة أن تتذاكى (فترات بريماكوف وايفانوف) عمدت إلى أسلوب التمنع الخجول لغايات بيع المواقف.

وهذه فترة أكسبت روسيا سمعتها السيئة، كبلاد تتاجر بمواقفها، وتبيع حلفائها!

وفي مرحلة بوتين المبكرة؛ استمرت السياسة الخارجية على منوالها الذي كانته في مرحلة يلتسن المتأخرة، لكن مع رباطة جأش أكبر. وكان هذا مفهوماً، إذ أن رجل روسيا الجديد كان مشغولاً لأذنية بواقعه الداخلي الممزق، الذي كانت فيه مؤسسة الرئاسة والحكومة تخضعان لسطوة الأوليغارش، بينما مجتمعه يرزح تحت هيمنة المافيا المتعددة الأشكال والألوان، في حين كانت الأطراف تحت تأثير وسيطرة النزعات والحركات الإنفصالية التي يجد رجالها الدعم والتمويل من متنفذين أوليغارش ومافياويين في موسكو، وينشطون في أروقة الحكومة وعقر دار الرئاسة.

هذا بالإضافة إلى جيش تقاعد في معسكراته، وأصبح على حافة الإنهيار المعنوي والمادي!

وفي المرحلة التالية؛ وهي تبتدئ منذ عام 2004، تاريخ تولي سيرجي لافروف الوزارة، بدأت السياسة الخارجية تتخذ طابعاً متسقاً متصاعداً، وصولاً إلى ما نراه اليوم من دور روسي دولي فاعل، يصل في أحيان إلى درجات من العناد، الذي يعيد إلى الأذهان عهد مهندس الخارجية السوفيتية الأبرز أندريه غرميكو، الذي منحه الغرب لقب “مستر لا”.

وفي الواقع، كان بوتين يعرف تماماً، لدى تسلمه رئاسة روسيا، ما عليه فعله داخلياً، ليخرج ببلاده من أزمتها، غير أنه لم تكن لديه رؤية واضحة لما يجب أن تكون عليه سياسته الخارجية؛ فابتدأ بمواصلة ما ورثه عن يلتسن في هذا المجال، ثم قفز إلى فكرة الشراكة مع الولايات المتحدة بعد عام من ذلك (2001) تحت يافطة محاربة الإرهاب. ولكنه لم يلبث أن ادرك أن مفهوم الشراكة الذي يتبناه يتحول لدى الأمريكيين إلى تبعية تعيد روسيا إلى عهد يلتسن في أسوا مراحله.

هنا، أقدم بوتين على قفزته الكبيرة..!

قام باستدعاء مندوبه الدائم في الأمم المتحدة سيرجي لافروف من نيويورك، وكلفه بوضع استراتيجية للسياسة الخارجية، وأناط بوزارته مهمة تنفيذها؛ وبمعنى آخر اطلاق يده في هذا المجال، مع تحييد الإدارات الطفيلية التي كانت قد وضعت يدها على هذا الملف في السابق. وكان هذا الرجل (لافروف)، قبل كل شيء، صاحب خبرة بالأمريكان، ويعتد بدرايته بالأوروبيين، وله رأي “قديم” في السياسة الخارجية!

وهنا، تغير كل شيء. عادت حياة مفقودة إلى “الخارجية الروسية”!

توالت انجازات، وبدات روسيا تستعيد مكانة مفقودة. وحقق لافروف نجاحات متلاحقة باتباع أسلوبيه المعروفين و”القديمين”: “المشاغلة الدبلوماسية”، والبحث عن اطار دبلوماسي أو إختلاق عملية سياسية (تذكروا “جنيف 1″، “جنيف 2”). وهما أسلوبان ينطلقان من فكرته الجوهرية التي تقوم على اعتبار أن العالم شهد، وما يزال يشهد، تغييرات في موازين القوى الدولية لم تجد طريقها إلى الإقرار بها أمراً واقعاً ومحدداً فاعلاً في السياسة الدولية، بينما الأطر الدولية القائمة (مجلس الأمن، مثلاً) تعبر وتخدم موازين القوى التقليدية السابقة، بحكم انتمائها لمرحلة قديمة.

وبهذا، يجب النظر إلى “مبادرة الكيماوي الروسية” باعتبارها عملية سياسية..

عملية سياسية، قادرة على توفير امكانية لـ”مشاغلة دبلوماسية” طويلة، واطاراً لعملية سياسية تستوعب النزعة الدولية المتفجرة نحو التدخل بالأزمة السورية على نحو مباشر (عسكرياً). وفي هذا حاجة روسية تساوي (إن لم تزد على) الحاجة السورية نفسها. إذ لا يمكن لموسكو في وضعها الحالي، وسعيها لفرض موازين القوى الجديدة في العالم، أن تتخلى عن حليفتها دمشق التي تمثل اللغز والأحجية الروسية التي تحرج بها موسكو العالم القديم (الغربي). هذا في حين أن موسكو تدرك في الآن نفسه أنه لا يجدر بها التورط في نزاع مباشر مع الغرب، بينما فرص حليفها السوري في نصر استراتيجي (حسم عسكري) في أية مواجهة تكاد تكون معدومة..

والأدهى أن ذلك لو حدث كان سيوقع الحليف السوري في شرك إجراءات دولية قاتلة!

وكانت موسكو تدرك وما تزال، بالإضافة إلى ذلك، أن بقاء دمشق يتعلق بقدرتها على خوض حرب، وأن أية حرب تكسبها أو تصمد فيها (هي أو أي حليف آخر) لها مردود مباشر على تثبيت الحقائق الجديدة على صعيد موازين القوى الدولية التي تسعى روسيا الجديدة بصبر ومثابرة لتثبيتها، غير أن موسكو تدرك كذلك أن الحروب التي تخوضها (وتفرض على) دول العالم الثالث، في قواعد حقبة ما بعد الإتحاد السوفيتي، هي انتحار دولي محقق..

بلى، انتحار كان يمكنه أن يمثل مقدمة جدية لنهايات “عراقية”!

وفي الحقيقة، موسكو لا تتطير من الحرب، ولكن من استحقاقاتها الروسية المحتومة. في حين كانت تدرك، بالمقابل، أنها قادرة على تأجيلها، إن لم يكن استبعادها. وهذا أمر ثبتت صحته.

ولكن ليست هنا المسالة..!

المسألة في أن ما يجب أن يتم التفكير فيه حقاً هو تلك الصراحة الروسية، التي يواجهها الأمريكيون بالمراوغة وإدعاء عدم سماعها. ما يجب أن يتم التفكير فيه حقاً هو ذلك التجاهل الأمريكي المستميت لتلك الصراحة التي تصل إلى حدود تتجاوز الدبلوماسية، وتستخف بما إعتادته الولايات المتحدة العدوانية.

أليس ذلك التغاضي الأمريكي ملفتاً غير معهود من سادة واشنطن!؟

في الواقع، يقول الروس ويصرحون بأشياء كثيرة، ولا يختبئون وراء الكلمات المراوغة. وبينما يتعمد الغرب وكثير من العرب إساءة فهمهم والإدعاء بأنهم لم يسمعوا ما قالوه ويقولونه، فإن الروس أنفسهم يطيب لهم ذلك، لأنهم يعرفون كيف يوظفون هذا الحال، وفي أي وجهة يستثمرونه، ويستفيدون منه، وكيف يستخدمونه ضد أصحابه. هذا، بينما حليفهم السوري مطمئن إلى أن حصته من هذا “الإستثمار” حاصلة وواصلة سلفاً لعنده!

وهنا، لا بد من تذكر أن شيم الأمريكان غير شيم الروس!

الروس لا يتعنتون، ولا يماطلون، ولا يراوغون، لمجرد كسب الوقت، كما يظن كثيرون. ولكنهم لا يعولون على كسب سريع؛ فمثل هذا الكسب إما رخيص سفيه، او مكلف، وباهظ الثمن، ويقود إلى “فعلٍ” في وقت يتوجب فيه انتظار “ردود الفعل”. وهو شيء تفعله الحروب التي يسعى إليها الأمريكان، بالعادة!

والأمريكيون، اليوم، مصابون برهاب الحرب!

(روائي أردني)

[email protected]

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. الروس يبنون سياستهم الخارجية بعد ضمان استعادتهم قوتهم العسكرية والانتاجية… الكاتب محق في توصيفه التحول المهم والخطير في الخارجية الروسية… مقال جدير بالقراءة… شكراً لرأي اليوم

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here