شوقية عروق منصور: الحفيد يشنق ساعة الجد

 

شوقية عروق منصور

خرج الى الشرفة كي يستنشق الهواء النقي فقد سئم الفراش واللحاف والقربة المليئة بالماء الساخن التي تضعها والدته على ظهره كي تخفف من وجعه  ، لكن الهواء النقي كان مصحوباً برائحة الثوم ، نظر خلفه فوجد حزمة من الثوم معلقة بمسمار ، هكذا هي أمه ، تؤكد له أن الطبخة بدون ثوم وبصل هي سلق بسلق ولا طعم لها .

دخل الى غرفة النوم بعد أن وجد رائحة الثوم النفاذة قد تغلغلت في أنفه … وهرعت والدته اليه وطلبت منه أن يعود الى الفراش ، فقد أكد لها الطبيب أن التحرك سيضر بعلاجه  ولن يساعده في الشفاء  .

 منذ أن تزحلق على الدرج واكتشف بعد التصوير أن هناك ثلاث فقرات في ظهره قد اصيبت بشرخ ،  وهو طريح الفراش .. لقد مر عليه أكثر من شهر  وهو على هذا الحال حتى أصبح يشعر أنه خلق لتعذيب والدته ، لأنها وحدها تتحمل تغيير ملابسه واطعامه وصراخه  .

دقت الساعة معلنة الواحدة بعد منتصف الليل   .. كم يكره صوت دقاتها  .. لقد طلب من والدته أن تنزع الساعة من مكانها وتعلقها في غرفة الضيوف أو في غرفة التلفزيون لكن والدته قالت له : انها تخاف من غضب ابيه ، فهذه الساعة موجودة في غرفة جده منذ عشرات السنين،  وما زالت تعمل بدقة دون كلل ، ما عليهم الا شد السلاسل المتدلية الى فوق بعد أن تصل الى تحت – هكذا كانوا يقومون بتعبئة الساعة – وهذه مهمة والده الذي يشد السلاسل كل اربع وعشرون ساعة ،  فهو وحده يقوم بشد السلاسل بهمة وخفة ونشاط يبعث على الارتياح في قرارة نفسه ، لأن والده يعتبر الساعة  كنزه الثمين فهي من بقايا رائحة والده المتوفي ، لذلك يحرص على أن تبقى عقاربها في حالة يقظة دون كسل وعطل ، وغالباً ما تشاجر مع زوجته التي تصر أن هناك ساعات حديثة أفضل منها في الأسواق، وعليهم رميها في مكب النفايات .

لم ينتبه للساعة المعلقة على جدران بيتهم  الا حين أصيب بأوجاع في ظهره وطلب منه الطبيب أن ينام على الأرض ، مؤكداً أنه من الأفضل أن لا ينام على السرير ، ولم يجدوا الا غرفة الجد الواسعة ، فقاموا بفرشها وتهيئتها لاستقباله .. في البداية كانت دقات الساعة تزعجه  .. اشتكى لوالده .. جاء الوالد وحاول خفض الصوت فلم يستطع ..! فقال له والده تحمل  دقاتها من أجل روح جدك .. ! تحمل .. مع الأيام أصبح يتناسى دقاتها  المزعجة .. ما لفت نظره حركة البندول الجنونية ، انه لا يهدأ ، يتحرك بسرعة كأن الزمن يريد أن ينتقم منه  فكل حركة تحمل في ذهابها وايابها جزءاً من تفكره ووجعه وألمه وصراخه  .. بعد ذلك أصبح البندول صديقه .. يتابعه في رواحه وغدواته ، يشعر أن روح جده موجودة في حركة البندول واي اعتراض ورفض من قبله ستؤدي الى عقاب خفي ، ولا يعلم كيف سيكون؟

في أحد الأيام قام من فراشه ، شعر بنشاط وتدفق بارد مليء بالثقة في جسمه ، فقد اعتقد أن جسده أصيبت بالعطب نتيجة الاستلقاء الدائم على الظهر، نظر الى ساعة جده المعلقة وإذ هي متوقفة ، تساءل عن سبب توقفها ؟ تقدم منها أنزلها عن الحائط ، قام بفتح صندوقها معتقداً أنه سيجد روح جده في داخله ، لكن شعر بالأسف لأنه لم يجد سوى كتلة من الحديد محاطة بالغبار وخيوط العنكبوت .

أعاد الساعة المتوقفة الى الجدار، وانتظر حتى تعود من جديد الى دقاتها المعتادة .. مر الأسبوع والساعة لم تدق والبندول يقف عاجزاً أمام صمت الأرقام التي قذفت حيرتها من هذا التوقف المفاجيء ، كان قرار الوالد ارسالها الى مختص بتصليح الساعات ، وكان قرار الأم يجب أن ترمى في النفايات فهي قديمة جداً وكان رأي الأبنة انها ” عتيكوت ” قديمة عليهم الاحتفاظ بها تذكاراً من الجد، أما هو فقرر أن يهجر الغرفة الى غرفة ثانية بعد أن تماثل للشفاء .

لم يصدق انه عاد الى طبيعته، عدة أشهر وهو يعيش في قفص الوجع ، لكن الآن  لم يعد ظهره يؤلمه ولم تعد أية حركة تصيبه بالألم ، حينها  كان  يصرخ بأعلى صوته .

رجع الى عمله كالمعتاد ، في احدى اللحظات تذكر ساعة جده ، تذكر أنه لم يعد يراها ، ولم تعد دقاتها تزعجه أو تثير الضجيج في بيتهم الهادىء .

عندما دخل البيت توجه الى غرفة جده ، وجد الساعة المعلقة  صامتة ، قام بتحريكها قليلاً وإذ البندول يعود الى عهده السابق في الذهاب والإياب ،ابتسم واكد ان جده في الجنة  الآن راضياً عنه ، دخلت والدته وطلبت منه أن يوقفها لأن دقاتها تزعج شقيقه الذي يستعد للامتحان وبحاجة الى الهدوء لكي يستوعب ما يقرأ  .

رفض أن يسمع كلام والدته واصر أن تبقى دقاتها عالية ، فقد شعر أنه الآن يملك في داخله روح جده  ، ولم تستطع والدته مناقشته فهي تعلم مدى عناد ابنها البكر.

عندما عاد من العمل وبينما هو يوقف سيارته في ساحة بيتهم  نظر الى الأعلى  الى الشرفة ، وإذ بساعة جده  مربوطة بحبل وتتدلى من الشرفة ، جن جنونه وهرع راكضاً الى داخل  البيت.

أخذ يسأل بأعلى صوته من قام بهذا العمل ، صمتت والدته ، ابتعدت أخته من أمامه ، لكن شقيقه الصغير وقف وقال بصوت عال :

–         أنا قمت بشنق الساعة ..!! آه شنق الساعة … أجاب بغضب .. ؟؟!!  وأضاف.. جدي ترك لنا هذه الساعة المعطلة ، التي تسير عقاربها مرة وتقف عشرات المرات ، ولا تدق بالوقت المحدد فدائماً متأخرة عن باقي الساعات ، وهي قديمة ومزعجة وشكلها لا يليق بهذا العصر ..!! اردت تحطيمها ، لكن قبل ذلك  اردت  شنقها  والانتقام منها ،لأن دقاتها كانت تزعجني وتعذبني ،  منذ مولدي وهي تصيبني بالصداع بسبب صوتها العالي ، وإذ نسيت لا انس والدي وهو يوقظني صباحاً على دقاتها ، حيث يؤكد أن ساعة جدي تلزم الانسان على النهوض مبكراً لأنه يبعث على النشاط ، وكان حسب توقيتها يمنحني ساعات الخروج والدخول الى البيت ، وقد ضربني عدة مرات لأنني تأخرت بالقدوم الى البيت وأثناء ضربي كان يشير الى الساعة التي لا تعرف الكذب .

أجبر الأخ الصغير على سحبها من الشرفة العالية ، بعد أن وعده أنه سيقوم بتعليقها على الجدار ، ولن يقوم بتشغيلها وستبقى صامتة ، لأنها الذكرى الوحيدة الباقية  من جده.

 وأثناء محاولة الأخ الصغير  سحبها من الشرفة العالية ، سقطت من أعلى الى الأسفل  وتحطمت وتناثر خشبها  وفتح الصندوق الذي تبين ان  كتلة الحديد المحاطة بالغبار والعنكبوت كانت علبة صغيرة في داخلها صورة لجده وقد تآكلت أطرفها وغابت ملامحها ، وقد ميز في ضباب الصورة حطته وعقاله وشاربه .

فرح الأخ الصغير بتحطمها ،  أما هو فقد أصابه الحزن لغياب الساعة عن الجدار  ، وتنهد الأب بحزن  حين علم  ان الساعة قد سقطت وتحطمت .. وقال :

–         لم  يعد لوالدي  أي أثر في البيت .

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here