شكيب كاظم: نذر نفسه لمجلة (الطريق) محمد دكروب الباحث عن “جذور السنديانة الحمراء”

شكيب كاظم

فِي كتابه المهم المعنون بـ(كريم مروة يتذكر – فيما يشبه السيرة) وهو حوار مطول أجراه معه: صقر أبو فخر، ونشرته دار المدى سنة 2002، بطبعتين، يذكره السياسي اللبناني المعروف كريم مروة كثيراً، والذي انتقل فكرياً وتنظيمياً من حركة القوميين العرب إلى الحزب الشيوعي اللبناني، ولا سيما عند الحديث عن الأديب الكاتب التنويري رئيف خوري الذي وأدته دكتاتورية خالد بكداش والحرس القديم المنغلق، والذي كان يشرف على الصفحة الثقافية لجريدة (التلغراف)، وكان أول من نشر له قصة قصيرة، كتبها هذا الفقير، الذي تنقل في مهن بسيطة عدة، من بائع للفول والسكائر، إلى عامل بناء، وأخيراً عامل سمكرة، وينقله حسين مروة إلى بيروت في مخزن لبيع الورق، وهناك يعرفه إلى أدباء لبنان ودنيا العرب الوافدين إلى لبنان، فتفتح الدنيا له أبوابها.

قال كريم مروة (بعد عودتي من العراق، في صيف عام 1949(…) لفت نظري ماكان ينشره رئيف خوري في الصفحة الثقافية في جريدة (التلغراف) مع عدد من الكتاب كانوا يحملون اسم (إخوان عمر فاخوري)، وقد شكلت كتابات رئيف هذه، مع ما كان يصدر من كتابات في مجلة (الطريق) تتناول مواضيع ثقافية قديمة وراهنة مصدراً مهمًّا من مصادر ثقافتي. وبدأت أراسله مع محمد دكروب من مدينة صور، وحين التقيت به أول مرة، في مكاتب مجلة (المكشوف) في عام 1950 بحضور مارون عبود وفؤاد حبيش وخليل تقي الدين وآخرين، تكونت على الفور صداقة حميمة بيننا..) ص51.

بعد تموز 1958، بدأت تصل إلى العراق بعض المطبوعات اللبنانية، ولبنان واحة الحرية والديمقراطية، في صحراء الراديكاليات العربية، فبدأت عينانا تقرأ كتابات لأسماء مثل (رئيف خوري، وجورج حنا، ونسيب النمر، ومحمد (إبراهيم) دكروب، في مجلة (الثقافة الوطنية)، ومازلت أذكر نشرها لقصيدة الجواهري المدوّية (تحرك اللحد) التي ألقاها في ملعب ساحة الكشافة، احتفاء بتظاهرات كانون الثاني 1948 وذكراها الحادية عشرة، فضلاً على جريدة (الأخبار) الأسبوعية التي كانت تصدر يوم الثلاثاء، وبعد شهور قليلة بدأت تصلنا جريدة (النداء) اليومية. كان محمد دكروب هو لولب هذه المطبوعات ولاسيّما (النداء)، من هنا انعقدت آصرة ثقافية، بيني وبين هذا القلم المخلص النزيه، كنت وقتها فتى في الصف الثاني من متوسطة فيصل الرسمية، في كرخ بغداد التي أبدلها الجمهوريون إلى اسم (متوسطة الوثبة)، وإذ عصفت الأنواء السياسية بالعراق الجمهوري واضعين في الحسبان أنَّ (الجنرال) ماكانت لديه بوصلة ليقود السفينة، فتقاذفت البلاد الأهواء والأنواء، فما عادت هذه المطبوعات تصل إلى العراق، لكن اسم محمد دكروب ظل حاضراً في تلافيف عقلي وذائقتي، وكنا نحصل بين آونة وأخرى على مجلة (الطريق) اللبنانية، التي كنت أجد فيها صدراً رحباً لتبادل الآراء واختلافها حتى إنَّ محمد دكروب كان ينشر فيها حتى ما لايتفق مع آرائه وأفكاره، والجميل في الأمر، أنّه بعد أن ينشر مثل هذه المقالات أو الدراسات يعقد جلسة نقاش ومذاكرة مع كاتب المقال.

كان محمد دكروب لايميل إلى مدارس النقد الحديثة، البنيوية مثلاً ،بوصفه تربى على مناهج الواقعية، والواقعية الاشتراكية، وأخيراً الواقعية النقدية. يجد في البنيوية ميلاً لإلغاء النص، لأنها لاتقدم موقفاً تقويمياً من النص.. لا نقد من غير تقويم، ويوم كتبت الدكتورة يمنى العيد الذي يذكر كريم مروة في كتابه آنف الذكر أنَّ اسمها الحقيقي هو (حكمت الخطيب) تراجع ص68، يوم كتبت دراستها النقدية عن رواية (السؤال) للأديب الأردني الراحل غالب هلسا، والت يوجد فيها نزوعاً نحو البنيوية، التي لا يأتلف معها، لكن هذا لا يعني الحجب والمنع، هو الذي يتولى رئاسة تحرير مجلة (الطريق) نشر الدراسة، وبعد نشرها، جاء يناقشها وينتقدها. تقول الناقدة يمنى العيد – التي ما زلت أواكب دراساتها القيمة التي تنشرها في مجلة ( العربي) الكويتية-: (وكان ذلك من أجمل ما عرفت في معاني الاختلاف التي لا تفسد مودّة، والتي تشير إلى انفتاح النقاش على الرأي الآخر واحترامه من غير السقوط في المجاملة، ومن غير الخلط بين الصداقة والمعرفة أو بين ما هو الشخص والعلاقة به، وبين ما هي الكتابة في وجودها المستقل وحركاتها الموضوعية (…). البنيوية في نظر محمد دكروب وإن قدمت أدوات لمعرفة النص الأدبي، كما كنت أقول له، فإنها تلغي وظيفة الأدب وتعطل مسؤوليته…) تراجع مقالتها المعنونة بـ (سرديات نقدية) الملف الخاص بدكروب الذي أصدرته مجلة (أخبار الأدب) التي يتولى رئاسة تحريرها الروائي المصري جمال الغيطاني، والدراسة هذه قراءة نقدية لكتابه (وجوه لاتموت في الثقافة العربية الحديثة) الذي تناول فيه عدداً من الكتاب والأدباء العرب مثل الشيخ عبد الله العلايلي، ومحمد عيتاني، ويوسف إدريس، وحسيب الكيالي، وإميل حبيبي، وسعد الله ونوس، والمسرحي المصري نجيب سرور، ولطيفة الزيات، ونزار مروة، نجل الباحث اللبناني الذي اغتيل وهو على فراش المرض في أحد المستشفيات بإطلاق النار على رأسه, حسين مروة، فالظلاميون المتحجرون يكرهون العقل التنويري المبدع الخلاق، الذي وصفه محمد دكروب بأنه كان (متواضعا إلى حد ظلم الذات، ولم يخطئ من قال أنّه قد حجب نفسه في ظلال الحضور القوي لاسم أبيه المفكر الشهيد حسين مروة) فضلاً على المفكر اللبناني، المغتال هو الآخر، مهدي عامل. كان محمد دكروب، مهتماً بأصدقائه الراحلين، ففي كلّ كتبه على قلتها، كان مهموماً ومنشغلاً باستعادة ذكراهم، فضلاَ على كتابه هذا (وجوه لا تموت) الذي أهداه إلى صديق العمر الجميل محمد عيتاني، الذي قرأت بداية السبعينات من القرن العشرين كتابه (القرآن في ضوء الفكر المادي الجدلي). أصدر كتابه (رؤى مستقبلية- في فكر النهضة والتقدم) و(الذاكرة والأوراق) وهي كتب خصصها لاستذكار الراحلين، إنَّها الذاكرة في مواجهة النسيان والبلادة، لكن يظلّ كتاب (جذور السنديانة الحمراء) واسطة العقد في كتابات محمد دكروب، وفيه سرد لحياته الخاصة والعامة، في مجال السياسة والعمل الحزبي، الذي أخلص له وأمضى عمره في جنباته.

قلت مرة وأنا أدرس الجهد الإبداعي والمعرفي للدكتور سهيل إدريس، إنَّ إدارة مجلة (الآداب) فضلاً على مهمات أعمال دار الآداب للنشر، وانشغاله بالترجمة، قد أكلت وقته، لذا كانت الثمرة الإبداعية قليلة إذا ما قيست بالعقود الستة التي أمضاها إدريس في دنيا الحرف والكتابة، ثلاث روايات وثلاث مجموعات قصصية، ورسالته للدكتوراه الموسومة بـ (الرواية العربية الحديثة من 1900 إلى 1950 والتأثيرات الأجنبية فيها) والجزء الأوّل من سيرتها لذاتية أسماها (ذكريات الأدب والحب) – تراجع مقالتي المنشورة في طبعة لندن من جريدة (الزمان) بعددها الصادر في5/4/2009 وعنوانها (الدكتور سهيل إدريس: رمز ثقافي شاخص)، وأعدت نشرها في كتابي الذي نشرته دار االنايا ومحاكاة في دمشق سنة 2011،وعنوانه (التماعات ورؤى: مثابات في الأدب والفكر)، والأمر ينسحب على محمد دكروب، الذي أتى الانشغال بإصدار مجلة (الطريق) على مدى أكثر من ستة عقود، ومنذ سنة 1941 على جلّ وقته فضلاً على العمل السياسي فجاء نتاجه قليلاً قياساً بالعمر الذي تجاوز العقود الثمانية، لكنه كان سعيداً إذْ اطلع من خلال (الطريق) على ألوف المقالات والدراسات التي جاءته من لبنان والوطن العربي وأنحاء مختلفة من العالم، فكانت بمثابة المعين الثقافي الثر الذي كون ثقافة هذا العامل السمكري، الذي أصبح كاتباً وسياسياً شاخصاً في الذاكرة الجمعية للقراء العرب، لكن قراءاته هذه، وانشغاله بها، جاءت على حساب الكتابة كما قلت آنفاً.  إنّه جهد أخذ منه كثيراً وأعطاه كثيراً، لشخص مثلي – كما يقول – قادم من (لا مدرسة) إلى مدرسة بديلة.

يحفظ تأريخ الأدب لعدد من الكتاب مساعدتهم لزملائهم، وتقديم الخدمات المالية والمعرفية وحتى الطباعية لهم، ومن أقرب هؤلاء إلى ذهني الكاتبة فرنسية المولد أناييسنن، وقد هرب أصدقاؤها من باريس، قبيل نشوب الحرب العالمية الثانية، هنري ميللر إلى أثينا، والشاعر الثوري غوانزالو مع زوجته هلبا إلى سانتروبيز، فقد كانت تجول بين مكاتب البريد، بعد أنْ تلقت أموالاً عن نشر كتبها كي ترسلها إليهم. والشاعر إزرا باوند، كان مولعاً بتقديم المعونة المادية والمعنوية لمن يطلبها من أصدقائه الكتاب، ويساعدهم في نشر مخطوطاتهم وكان يشعر بالسعادة الغامرة إذْ يكتشف كاتباً موهوباً. وهذا الرائع محمد دكروب، الذي ما هيأت له ظروفه أن يحقق ما يطمح إليه، كان يرغب بأن يجسد مطامحه في آخرين، إذ هو عجز أو أعجزته ظروفه عن تحقيقها، كان يحث الآخرين على الكتابة والإبداع والقراءة، كما تقول الناقدة (يمنى العيد) في مقالها آنف الذكر.. (ويوم تعرفت عليه (…) كان يقول لي، اقرئي، اكتبي، و يزودني بقائمة من الإصدارات الروائية والقصصية (…) كان محمد يدرك أنَّ الصداقة عون، والإرادة سبيل لتحقيق الرغبات والأحلام، ولعله كان يلمس رغبتي في الكتابة، ولايجد في عزمي عليها مايكفي فراح يلح حتى كتبت (…) وبقي محمد يقول لكل من تعرف إليه ولمس عنده الرغبة في الكتابة أو في تناول موضوع، والتردد في الإقدام عليه، اكتب،اكتبي، قال هذا لمهدي عامل ولنزار مروة (…). تحفيز محمد دافعه المحبة والصداقة والتقدير لفعل الكتابة، واستعداد طيب ونبيل للعطاء وليس ذاتية نرجسية شأن كثيرين..) تراجع المقالة المذكورة آنفاً. أوكما يذكر الكاتب الفلسطيني المهم الدكتور فيصل درّاج، في مقاله المنشور في مجلة (الكرمل) الفلسطينية والموسوم بـ (محمد دكروب: حقب متعددة والتزام وحيد) أنَّ دكروب يرى أن الأموات كانوا أحياء مثلنا، وأنّ الحوار بين أحلام الأحياء والأموات، يقي الأحلام النبيلة من السقوط، وهو ما أملى عليه أنْ يكتب عن جبران أكثر من دراسة، وأنْ يجمع مقالات (فارس فارس) الاسم المستعار لغسان كنفاني، وأنْ يوجه إلى طه حسين أكثر من تحية. مارس دكروب، على طريقته نصرة الأحياء للأموات… بأن نستذكرهم ونكتب عنهم، فالكتابة محاولة لتجسير المسافة بين الأحياء والأموات..  ترى هل رحل محمد دكروب حقاً؟ إن رحل فهو باق من خلال إرثه الكتابي الاستذكاري.

Print Friendly, PDF & Email
شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here