شكيب كاظم: عبد الأمير الورد آخر الاخافش، شغف بالأخفش الأوسط وحقق كتاب “معاني القرآن”

شكيب كاظم

فجر الخميس الثالث عشر من شهر تموز ٢٠٠٦، فقدت جامعة بغداد والدراسات النحوية واللغوية فيها، علماً من أعلام الدرس النحوي في العراق، هو الأستاذ الدكتور عبد الأمير محمد أمين الورد، ابن العراق ومدينة الكاظمية التي نهل العلم في مدارسها، وعاش أجواءها المفعمة بالدرس والثقافة والنحو.

لقد أهتم الأستاذ عبد الأمير محمد أمين الورد في درسه النحوي، بالأخفش الأوسط، سعيد بن مسعدة، فخصه بدراسة شاملة شافية وافية، درس فيها كل شاردة وواردة في حياة الأخفش وأساتذته وتلامذته، ودرسه النحو والعروض، وأوضح أراءه في القراءات القرآنية واقفا عند مصنفاته وكتبه، وقد توج جهده هذا صابا إياه برسالته لنيل الماجستير، التي تولى الإشراف عليها النحوي الصرفي العراقي الأستاذ كمال إبراهيم- رحمه الله-(١٩١٠-١٩٧٣)، وقد تولت مؤسسة الاعلمي للمطبوعات ببيروت ومكتبة دار التربية ببغداد طبع هذه الرسالة العلمية بكتاب عنوانه (منهج الأخفش الأوسط في الدراسة النحوية) صدر بطبعته الأولى عام ١٣٩٥-١٩٧٥وقد احتزت نسخة من هذا الكتاب، وكنت أرجع إليه بين أونة وأخرى، للتأكد من معلومة أو لاستطلاع رأي في النحو.

من يقرأ هذا السفر النفيس، يلمس دقة الباحث عبد الأمير الورد وشغفه بالبحث، لا يكاد يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، تلمس ذلك لدى بحثه الطويل والمضني عن أساتذة الأخفش، وتلمذته للخليل بن أحمد الفراهيدي، الذي كان موضع خلاف ونفي وإثبات، سواء لدى المتقدمين أم المعاصرين، فقد نفت هذه التلمذة، تلمذة الأخفش للخليل من المعاصرين الباحثة الجليلة الدكتورة خديجة (عبد الرزاق) الحديثي (توفيت في شهر مايس/مايو ٢٠١٨)،التي أطلعت على عديد مباحثها في النحو عن سيبويه وأبي حيان النحوي الأندلسي أطروحتها للدكتوراه، فضلاً عن نفي بعض المتقدمين لهذه التلمذة، فهذا أبو الطيب عبد الواحد اللغوي (ت/٣٥١) صاحب كتاب (مراتب النحويين) قال:(كان الأخفش أسن من سيبويه، لكنه لم يأخذ عن الخليل) يؤيده في ذلك أبو سعيد السيرافي (ت/٣٦٨) وشايعهما رأيهما أبو علي الفارسي (ت/٣٧٧) لكن نفي عدد من المتقدمين والمعاصرين، لم يفت في عضد الباحث الورد، أو يقعده عن البحث والتنقير والتنقيب في بطون المظان والمصنفات، وصولاً إلى الحقيقة ضالة المؤمن الباحث، ليثبت قولاً للأخفش نفسه، نص فيه على تلمذته للخليل قال:(حضرت مجلس الخليل فجاءه سيبويه فسأله عن مسألة وفسرها له الخليل فلم أفهم ما قالا فقمت وجلست له في الطريق، فقلت: جعلني الله فداك سألت الخليل عن مسألة فلم أفهم ما رد عليك ففهمنيه، فاخبرني بها فلم تقع لي ولا فهمتها، فقلت له: لا تتوهم إني أسألك اعناتا فإني لم افهمها ولم تقع لي).

ثم يبحث عن آراء من يؤيد هذه التلمذة لينقل لنا ما قاله أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب (ت/٢٩١) في مصنفه (مجالس ثعلب) إذ ينعت الأخفش بـ(صاحب الخليل وسيبويه) ويبسط لنا رأي أبي علي القالي (ت/٣٥٦) نقلا عن كتاب (المزهر) للسيوطي، واثبت التلمذة من المحدثين المعاصرين الأستاذ كمال إبراهيم، والنحوي الجليل الأستاذ الدكتور مهدي المخزومي (ت/١٩٩٣) -رحمهما الله-.

إذن كيف نحل هذا اللبس في النفي والإثبات، نفي التلمذة على الخليل الفراهيدي وإثباتها؟ ولاسيما إذا وضعنا في حسباننا أن عروض الخليل وبحوره الخمسة عشر، إنما وصلت إلينا عن طريق الأخفش، الذي استدرك عليه بحره السادس عشر والذي سمي (المتدارك) فتوصل الأستاذ عبد الأمير الورد إلى رأي وسط يدل على المعية الرجل وعلميته ومن غير التنكب عن جادة الحق والعلم، ان الأخفش إنما كان يحضر حلقات الخليل الدراسية في علم العروض، ولم يحضرها في العلوم الأخرى، فهو لكثرة أساتذته وشيوخه كان يجد ضالته عندهم لا عند الخليل في مباحث النحو واللغة، لوجدانه اياهما عند غيره.

لقد اشتهر من الاخافشة ثلاثة هم: الأخفش الأكبر عبد الحميد بن عبد المجيد (ت/١٥٧) والأوسط أبو الحسن سعيد بن مسعدة البلخي المجاشعي (ت/٢١٥) باختلاف عام وفاته، والأصغر أبو الحسن علي بن سليمان بن الفضل المتوفى ببغداد عام ٣١٥، والخفش لغة: ضعف في الأبصار يظهر في النور الشديد كما جاء في (المعجم الوسيط) الذي أصدره مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وخفش: ضعف، وكان بصره ضعيفا خلقة وجبلة، ضاقت عيناه، كان يبصر في الليل دون النهار فهو خفش واخفش، كما ذكر الأب لويس معلوف اليسوعي في معجمه (المنجد).

جاء في ( القاموس المحيط للفيروزأبادي) في مادة (خ ف ش):صغر في العين وضعف في البصر خلقة أو فساد في الجفون بلا وجع، أو ابصار في الليل دون النهار، وفي يوم غيم دون صحو، لكن الباحث الرصين عبد الأمير محمد أمين الورد، وهو يدرس الاخفش الأوسط، لم يكتف بتقديم ترجمة للاخافشة الثلاثة المشهورين، بل واصل البحث فذكر أحد عشر اخفش مجتمعين ذكرتهم الكتب وهم: الأخفش البغدادي النحوي ( ت/٢١٥) والأخفش الالهاني ( توفي قبل عام ٢٥٠) والأخفش النحوي القارئ الدمشقي ( ت/٢٩١) والأخفش الأندلسي، كان حيا عام ٣٠٩،والاخفش الموصلي النحوي كان حيا عام ٣٧٠ والأخفش النحوي الشريف الإدريسي، كان حيا عام ٤٥٢ والأخفش الشقري البلنسي، توفي بعد عام ٤٦٠،والاخفش الشريف الفاطمي، فضلا عن أربعة اخافش جاءوا متفرقين هم: الأخفش الكوفي، والأخفش الأنصاري المدلجي، والأخفش الصنعاني اليمني، والأخفش البغدادي ،ليرتفع العدد إلى خمسة عشر اخفش، وزاد السادس عشر الدكتور حسين علي محفوظ ( توفي سنة ٢٠٠٩)،حين زوده بما ترجم له العلامة ( اغا بزرك الطهراني) في كتابه (نقباء البشر)،وهو الشيخ عباس الأخفش ( ت/١٣٢٩)،وانا أعد الدكتور الورد؛ الأخفش السابع عشر، ولعله آخر الاخافش  لاهتمامه بعلم الاخافشة ولاسيما الأخفش الأوسط سعيد بن مسعدة، وقد شغف الورد به وازال الكثير من الغوامض والمبهمات في حياته ومصنفاته، فجلى لنا حقيقة كتابه ( معاني القرآن)،وقد صنفت في هذا الباب وبالعنوان نفسه مصنفات عديدة، منها كتاب ( معاني القرآن) لأبي زكرياء يحيى بن زياد الفراء، صاحب مقولة ( أموت وفي نفسي شيىء من حتى)و( معاني القرآن) للكساءي، فدرس الكتاب وحققه، وكان موضوعا لاطروحته في الدكتوراه، وكان أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي ( ت/١٨٩) رأس المدرسة الكوفية في النحو، هو الذي أشار عليه أو إليه في تأليف كتاب في معاني القرآن، بعدتلك المناظرة المدوية بينه وبين الكسائي، والذي افحمه فيها في مسائل عديدة، حتى هم بعض تلاميذه بضربه فمنعهم من ذلك،اذ أن الأخفش وقد التقى سيبويه بعد منكسره ذاك ، بعد المناظرة المؤامرة وغير النزيهة بينه وبين الكسائي، وهي ما عرفت في الدراسات النحوية ب( المسألة الزنبورية)١وكانت تلك المناظرة سببا في ترك سيبويه أرض العراق، نحو بلاده الأحواز، منكسراً منهزما مهموما مغموماً، جراء فشله في المناظرة الزنبورية، فاراد الأخفش الثأر لسيبويه من الكسائي، فقعد مجلسه ذاك، وسأله مسائل افحمه فيها جميعها، فاعجب الكسائي بعلمه وأدبه ورجاه أن يكون مؤدبا لأولاده، وان يؤلف في معاني القرآن كتاباً، وهو الكتاب الذي عثر الأستاذ الورد على نسخة منه في إحدى مكتبات مدينة مشهد، فدرسه وحققه ليكون موضوع حصوله على شهادة الدكتوراه.

لقد ضرب الجوع الدكتور عبد الأمير الورد، سنوات التسعين من القرن العشرين القاسية، سنوات الحصار الظالم الذي حطم منظومة المجتمع العراقي وأحاله إلى ركام وهباء منثور، فغادر العراق نحو ليبيا بحثا عن لقمة خبز كريمة، ومنها نحو جامعة صنعاء، ليعود بعد ذلك إلى العراق وليموت في ثراه.

—-_——————حاشية١(١) المسألة الزنبورية: مسألة نحوية مفادها أيهما أصح قوله: وجدت لدغة العقرب اشد من لسعة الزنبور فإذا هو هي ، اوفاذاهو إياها؟!فخذل سيبويه وخسر المناظرة فاغتم وهاجر ومات على الأثر

Print Friendly, PDF & Email

1 تعليق

  1. رحم الله أستاذنا الفاضل العالم الدكتور عبد الأمير الورد، لقد تشرفت بتعليمه لي درس اللغة العربية في اعداديية النضال للبنين في السنة الدراسة 1970/1971 في الصف الرابع اعدادي فقط نظرا لإختياري القسم العلمي في السنتين اللاحقين ، لقد كان رحمه الله مغرما بالقراءة الى حد الشغف ولا يترك دقيقةمن الوقت دون أن يطالع الكتاب غير المنهجي في أـوقات الراحة أو عند جلوسه في دكان الحلاقة وغيرهز لقد كان دمث الخلق وصاحب ابتسامة لافتة عندما يحاورنا وهو ذو البشرة البيضاء والعيون الملونة ولقد اجبرنا على مسك دفتر صغير لتدوين الأخطاء النحوية واللغوية التي نتلفظ بها حيث يبين لنا الصحيح منها ويفسر ذلك باستفاضة كي نتفادى ارتكاب الخطأ مرة ثانية ولم نستطع التكلم باللغة الفصحى دائما أمامه رغم حثه لنا لأنه لم ينكلم اللغة الدارجة أبدا معنا كما أنه كان يلقي علينا بعضا من أشعارة فنحسب أننا أمام أمرؤ القيس أو المتنبي من شدة بلاغته، وكان حريصا على أننتفوه العربية الصحيحة وأذكر مرة أنه كتب على اللوح كلمة” أنا ” وطلب من طالبين قراءتها ثم سأل سؤلا غريبا إذ قال هل في الصف طالب عربي غير عراقي فرفعت يدي فقال لي من قلأين ت من فلسطين ولكن مولود في العراق فطلب مني قراءة الكلمة ، فقرأتها فقال لي أحسنت هكذا تلفظ في بلاد الشام ومصر، ولم أكن أعلم ذلك سابقا، وأمثال ذلك كثيرة. لقد ازداد حبي للغة العربية والمطالعة العامة بفضل نموذج الدكتور عبد الأمير الورد، رحمه الله .

شروط التعليق:
التزام زوار "راي اليوم" بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب، بكلام جارح ونابِ ومشين، وعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء، وعلى ان يكون التعليق مختصرا بقدر الامكان.

اضافة تعليق

Please enter your comment!
Please enter your name here